ثقافة وفنموضوعات رئيسية

قراءة في مجموعة القصص القصيرة جدا (الزقوم) للشيخ بكاي (الأخيرة) / النجاح بنت محمذن فال


نعش

مات نسر.. ومن قبر في الصحراء البعيدة أطل نعش يندب نفسه

النسر رمز للقوة .. وموته تعنى النهاية سواء كانت نهاية تحمل كثافة عاطفة جياشة، او نهاية ألقها .. وهنا التشرذم بين الامرين ، فأي الأمرين ؟ مات النسر ام حمولته ؟ القوة أم العدم ؟
كل ذلك يخفى وراءه إبهاما لن يكون القبر وسيلة لفكه خصوصا إذا كان هذا القبر قادما من صحراء بعيدة ..
شخوص القصة:
نسر ميت ..
نعش

وفى حين يمثل النعش السر المدفون القادم من قبر فى الصحراء ، يرمز النسر إلى الشموخ والعزة،
فهو لاينظر إلى الأسفل ولا يَرتَادُ قصار الشجر .. هنا تتدفق الصور الموحية بالتعالى فى عزة وشموخ قبل إسناد فعل الموت إلى النسر
أما البطل الثانى (النعش) المسند إلي فعل اطل فهو المتحد مع النسر فى صفة الموت .. وهو المتحد مع نفسه فى صفة الندب . إلا انه مع ذلك متصف بالإطلالة التى تكسبه ألقا مَا، مايلبث ان ينقلب إلى ضده ، فهو نعش وهو نفسه النسر الفاقد لعزه وشموخه والخاضع لإذلال سرمدفون.. لكنه خرج من القبر.. ومن الصحرا ء فتجاوز أبعاد المكان والزمان..
وأطل ..لكنه ما اطل إلا ليختفى من جديد.. فهو النائح النادب حظه ، العاثر يندب نفسه فى حسرة أحال إليها الضمير المفرد ، سواء كان ظاهرا او مضمرا ..بل وقد تكاثف مضمرا ليزيد السر المدفون فى القبر إبهاما وكثافة ونأيا وياسا من تحقيق اي حلم
وتنتهى القصة بكآبة الرومانسي وتفرده وياسه فى حين لاتغادرها الرمزية . ومع ذلك لاتخلو من ثورة على الذات ماثلة فى العبارة “يندب نفسه ” فى إماء ظريف إلى التسامى على الذات .

تفاحة:

أكل التفاحة ونام ربع قرن، وحينما استيقظ كان حمارا برأس بوم..

تبدا القصة القصيرة جدا “تفاحة” بفعل أكل فى الماضى ..ويبدو الأمر تعاملا مع المحسوس دون المجرد لكن رمزية التفاحة تطغى فهي فى بعض الاحيان ترمز للحب واحيانا اخرى للتعاسة وقد تاتى التعاسة من الحب المفقود ولذلك يكون الآكل مجرد مزدرد لمرارة التأرجح بين ماهو شعورى مفقود ..و ما لايتحيه الشعور العارم والرغبة الجامحة ، التى من مامن سبيل لها إلا داخل مملكة النوم التى تحبس الأحلام داخل أسوارها فلاسلطان لغير النائم عليها .. إلا اذيال الزمن ( ونام ربع قرن ) لذلك جاءت شخوص القصة عالية الإبهام كثيفة الدلالة


الآكل

التفاحة ..
الحمار المتجلى فى البوم .
ياتى الآكل مستمدا من فعل اكل ذى المفعول المتعدد الدلالة بين ( التفاحة ) فى رمزيتها للخلود فى بعض الحضارات وعند البعض فى رمزيتها للإثم ، خصوصاحين تكون الرغبة عالية الإزعاج كما فى القصة القصيرة جدا وحتى فى بعض الروايات ..ياتى كل ذلك ليخدم تعدد المفاهيم وثنائية الشعور بالرغبة والخشية من الإثم
اما الأدوار فهي التي تتنازعها الأفعال (أكل.. نام .. استيقظ ) ذات التقابل بين الأكل والنوم من جهة ، والنوم واليقظة من جهة أخرى .. وكذلك فى التقابل مابين دواب أليفة وطير يرمز إلى التفرد والتفرق إنه البوم القادم من يقظة الزمن الموغل فى تجليات البعد المكانى والزماني معا (نام ربع قرن ) تلبسه الذكريات جلال ثوب الزمن النائم فى غياب خشية اي عقاب -النوم سلطان – وتوقظه حسرة الواقع فتدك اركان مملكة النوم والزمن ..وعندها يستيقظ حمارا .. ذلك لان الحمار كثير التحمل صبور على معايشة الالم ..
كل ذلك تكثيف جعل مسار البطل يتحور ليصبح بُوما .. بمايحيل إليه البوم من رمزية الى الهجر، والخلوة ، فهل هذه الخلوة هي وجل فى الحبيب (التفاحة ) ام انها وحشة عكست ربع قرن من النوم تلك الفترة الزمنية التى على إثرها استيقظ الحمار رمز التحمل على كون أحلامه اصبحت هباءا يئن البوم لفقدها .

فحيح:

ماتت أفعى.. رأى في المنام أنه القاتل .. انطلق يرقص على أربع.. أمسك الفحيح برجلٍ: “لن تهرب..

إسناد فعل الموت إلى انثى الأفاعى ! والقتل إلى مجهو ل.. لأن فاعل رأى مستتر ينبئك منذ الوهلة الاولى انك امام حلبة صراع لا رحمة فيها ! ( افعى وقاتل ) اما الافعى فقد ماتت فى رمزيتها للقوة
وتتحدد شخوص القصة :

قاتل يتجدد كل منهما في شخص ثان ستصبح الافعى فحيحا والقاتل راقصا ..
الافعى فى رمزيتها للانبعاث والخلود كما ترمز إلى التفوق ، نظر لقدرتها على سحق الخصم ..
اما المجهول الذى انطلق يرقص على اربع لانه قضى على قوة أسطورية هي الافعى ! ثم تجاوز البطل فى ثنائيته (القاتل الراقص ) إلى إخر هو الفحيح :صوت الافعى ، الذى مايلبث ان يكون عنصرا مساعدا للبطل الأول الافعى فتترك رِجل الحلم ولاتدعه يهرب لان الامساك هو نقيض الهرب (لن تهرب )
وتاتى خاتمة القصة القصيرة جدا (فحيح) كثيفة مثيرة تشدك بقوة الدراما القادمة من تلاقى الرقص بفحيح الافعى ..
من قوة المفاهيم الضدية بين الثبات فى تجليه فى الإمساك بالرجل وبين الانطلاق فى تجليه بالرقص وبالذات فى الرقص المكتمل (على أربعة ) لتكون الغلبة ( الإمساك بالرجل) هي نقيض الهرب و يتحقق الحلم .

وبالقدرة الخارقة للأفعى على البقاء فى صوره المختلفة . نختم قراءتنا لمجموعة قصص الزقوم التى جعلتنا نطوف فى عوالم الابداع، فى زهور بستانه .. فى ظلمات صحرائه ..فى عتمة غموضه .. في ضبابية شخوصه ..
إنها منصة للرؤى تتقاذفنا فيها تارة أسمى ءآيات الكون المستمدة من كتاب الله عز وجل.. تهزنا حيرة الوجودي ..وقلق الرومانسي.. وإبهام الرمزي والق الاديب.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى