ثقافة وفنموضوعات رئيسية

النجاح بنت محمد محمذن فال: قراءة في قصة الشيخ بكاي القصيرة جدا: ” الجرح يغني”

قصة قصيرة جدا ( الجرح يغني)
أيقظه الوجع من غيبوبة امتدت ربع قرن..
لحس الدم النازف من جروح بعمق الزمن الأليمِ..
قال: “لن أسقط”، وأمسك بإحدى الابر المغروزة في القلب..
زقا الجرح .. زقا الذبيح…وغاص في بؤرة حمراء..
قال : “لا.. انهض أيها الطائر، لا تستسلم للخنجر والحريق..”.
سمع دوى انفجار في أعشاش العصافير، وصوتا يقول: ” احترق آخر وكر…”
وضع سدادات في أذنيه وأطلق نايه يغني للحياة ..

تبدأ القصة بفعل أيقظ في صيغة المزيد لدعم دلالته عن انقطاع الغياب الذي ينسجم مع مصدر الفعل اللازم غاب غيبوبة .. وهذه العلاقة الإسنادية الدقيقة التي تجعل من فعل أيقظ فعلا مزيدا..ثم مسندا إلي ضمير الغائب المذكر “ه” في ايقظه .. والمدعومة بإسناده إلي الفاعل المذكر “الوجع” ، تتناغم مع ضرورة التكثيف في القصة القصيرة جدا ..
علما بان الفعل الذكوري هو الغالب علي القصة ونادرا ما تحضر فيها الانوثة من خلال شخوص القصة وإن حضرت فعلي سبيل الإيذاء احيانا كالإبرة .. وكذلك تأنيث الغياب الطويل عن طريق مصدره ” غيبوبة ” كما ان الخنجر المتأرجح بين التذكير والتأنيث لغويا ظل رمزا للتورية عن لدغات الحب احيانا عديدة .. ويتوزع شخوص القصة كالتالي :

الجرح
الوجع
الإبرة
الخنجر
السدادة

ينسجم الشخوص في علاقتهم بين التذكير والتأنيث مع هذا الوجع الذي هو الفاعل (أيقظه الوجعُ ) ويأتي ذلك ليدعم العلاقة بين تأنيث مصدر الفعل اللازم غاب غيبوبة مع ذكورية الوجع وذكورية اليقظان ..ومن خلال كل العناصر الموحية بحسرة الوجع -الحلم – يتكاثف الألم مع طول الغياب الممتد عبر الزمن (ربع قرن ) في إيماء برمزية النوم للغياب الكامل للاحلام أو غيابنا عن أي فعل من أجل تحقيق الاحلام.. فالغياب هو السمة الأبرز للحلم من خلال ضمير الغائب “ه” والغيبوبة المشتقة من الفعل اللازم غاب ليبقي الألم الناتج عن هذا الغياب ملازما .. (لحس الدم النازف من جروح بعمق الزمن الاليم ) واستحضار البكاء دما مفهوم يتم تداوله أحيانا في الشعر العربي ، لنقرأ ليزيد بن معاوية قوله على لسان حبيبته:
“ولكنني لما رأيتك راحلا
وقد كنت لي كفي وزندي ومعصمي
بكيت دما يوم النوى فمسحته
بكفي فاحمرت بناني من دمي ”
يتدرج هذا الجرح من الشعور بحسرة الغيبوبة إلي ردة فعل تعبر عن التفرد ؛ لم يجد إزاءها إلا أن يتجرع دماءه في تفرد وإبهام بمقتضاه ظل فاعل لحس مبهما.. مستترا .. غائبا انسجاما مع الغيبوبة وهو فعل يوحي بعدة معان ، منها ثلاث تعزز الكثافة في النص خاصة مع اشتراك معظم الحواس في اي عملية لعق .. ومنها التراجع عن الكلام.. ومنها أننا عندما نقول ألحستْ الأرضُ أي أنها أنبتت أول العشب .. هذه المعاني الثلاث المتقابلة تقابُل النبات وتجدد الحياة مع هاجس النهاية في لحس ؛ تدعم حاجة التضاد والتقابل في القصة القصيرة جدا ..وتخدم البطل الجرح المعبر عنه بتكاثف الضمير المستتر في تفرده بالوجع وحاجته إلي إنهاء ألم الغياب الذي ازاحه عن نفسه وأسند إليها اليقظة ..
تتجمع كل هذه الصور الثلاث المتقابلة لتؤسس لأزمة جديدة بشخوص جدد يؤلفون تشكيلة صراع داخلي لدى البطل (الجرح ) الذي يكابر محاولا التخلص من سطوة هذا الثالوث المنتج لازمة جديدة ملامحها الدماء في منحي سريالي وجودي يفوق المتوقع ..
و باستخدام ضمير المتكلم “أسقط” في تصميم على إلحاق الهزيمة بالوجع الغازي يتعزز حضور البطل بضميري المتكلم ( أسقط ، امسك ) أما السقوط فيحيل إلي الوقوع في يد الغازي (الوجع ) لكن رفْضه بأداة نفي قاطع يضع البطل( الجرح ) في منأى عن هذا السقوط لولا الإمساك بالإبر الذي يحيل إلي ثنائية تجدد آليات الصراع ..فتأتي :
– كنوع من الشعور الكامن ضمن اللاوعي بوخز الضمير تجاه تلك الغيبوبة التي هي من صنع البطل المتشكل من خلال حضوره الأول كضمير للغائب لينسجم مع غيبوبة ربع قرن..
– كما أنها تأتي موحية بقساوة الوجع وتحكمه في مسار مشاعر القلب !
ومع ذلك تفشل الإبر ة في نقل حالة الوجع خارج القلب لأن اللاوعي آثر الإمساك بالوجع الملاصق عن طريق فعل زقا ؛ الذي يحيل إلي الصياح في صيغة المجرد عند الطيور وغيرها ..غير أنه يحيل أيضا إلي الالتصاق بالشيء في صيغة المزيد إذ أصْل الفعل لزق ومنه لاصَق ..مما يجعلنا أمام ادراما تتلاحم فيها مضامين التقابل والتضاد شأن القصة القصيرة جدا ؛ بين ما هو رومانسي ؛ بإحضار الألم مع ما هو سريالي فوق واقعي تنتظم فيه صيحات الجرح مع صيحات الذبيح الذي حل فيه الجرح حتى غدا هو نفسه . .
ويستمر الإبهام مع فعل غاص ذي المضامين التراكمية المتعددة فهو يوحي ببلوغ أقصى الغايات في الحلم وأحيانا ينقلنا إلى الغص كما في شعر العشق عند بن زيدون :
غيظ العدا من تعاطينا الهوى فدعوا
بأن نغص فقال الدهر آمينا
وهذا السياق ينسجم مع ” البؤرة الحمراء” التي تكثف من الازمة الناتجة عن تعدد آلام الجرح وفشل بعض أدواته كالإبرة ؛ مما أدي بالجرح إلي أن يحاور نفسه “قال لا ” ليبدأ جولة ثانية من الصراع مع شخوص جدد يمثلون العدوانية (الخنجر والحريق ) والمعروف أن الخنجر يرمز في الأدب للفاتنة بينما يرمز الحريق للغرام ..وبين ثنائية الفاتنة والغرام ؛ يأتي الانفجار في منحى جديد يتيح التخلص من الخصوم ! ويبعث الشعور بالاسترخاء
والسعادة !
إنه العش الذي طالما اتاح حياة هنيئة تشع بالرحمة للمحبين خصوصا إذا كان عش عصافير ! يأتي ذلك في جنوح يختزنه اللاوعي إلي حياة تزدحم فيها الأحلام مع الإرادة ..
لكن سرعان ما يبدو العش غير ذلك ..فالعصافير تبعث على لذة الحلم ومن ثم غِبٌ السعادة .. لكن هذا العش يرمز للاحتضار لأن الحشرجة هي الصوت الصادر عند آخر نفس فلا عش إذا ولا عصافير بل غصٌُُ حتى الاحتضار !
وعند الخشية من الموت تتعدد المخاوف ، التي من أهمها الخوف من أن “يموت الحب وتنتحر الاشواق ” وعند ئذ تتعدد الحلول؛
فتاتي السدادة لتعبر عن الجهاز السمعي الذي طالما استُحضر هروبا من الموت ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) “وضع سدادات في أذنيه ”
كما أنها تأتي لتوحي صوتيا ولا شعوريا بأهمية السد بعد التدفق الجارف .. سواء تعلق الامر بدفق العواطف ، او بطول سنين الوجع فلطالما كان السد خزانا مانعا لتدفق المياه .. وبما أن الماء أصل الحياة جاء الإيحاء بالسدادة لاختزان المشاعر المتدفقة وهو أمر يخبئه اللاشعور انسجاما مع مستوى الحاجة إلي تخزين الوجع سواء تعلق الأمر بالرغبة في متعة الحب أو الحاجة الاجتماعية إلى الإضمار .

والسد كما هو في مسرحية السد للكاتب التونسي محمود المسعدي إنما هو حلم سريالي انتقل من عالم تحقيق الذات من خلال تحقيق الحلم إلي عالم المطلق السريالي :
كما أنه يحيل إلى رفض الغلبة والجبروت كما حدث مع ذي القرنين (قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا ….)
ويبقي اللجوء ألي الأذن بمثابة العبور من سطوة العالم الخارجي إلى ميثولوجيا المطلق.
فالسدادة والأذن تحيلان إلي الصراع بين البطل الجرح وكل الكائنات التي التأمت ضده، من : وجع ، حريق وخنجر .. لذا جاء اللجوء إلي سد الآذان هروبا من موت محقق إما بفتك الخنجر او لهيب الحريق ..
وتم التعويض باستحضار الناي ليؤدي غايتين :
– الأولى حزن وكآبة الرومانسي وتفرده
– الثانية غاية فنية تلبي اسلوب عودة الحدث وهو أسلوب مستمد من القصة الانجليزية حيث أصبح سائدا في الفيلم الأمريكي ( Flashback فلاش باك) بموجبه تبدأ القصة بالخاتمة التي هي الغناء في بداية العنوان حيث تنتهي ايضا بغناء بطريقة يرسمها اللا وعي في نقمته علي علي عالم لايرى فيه البطل (الجرح)إلا سعادة تنقلب الما حيث يغدو صوت العصافير المثير للسعادة اصلا مدعاة احتضار الحلم..
ياتي كل ذلك في محاولة سيزيفية لخداع الواقع كما في الأسطورة الإغريقية سيزيف

يتناغم هذا التراكم ليجعل من القصة القصيرة جدا ” الجرح يغني “ملحمة وجودية بأسلوب رمزي ليس الجرح فيها وحده يغني ولا نايه وإنما تحيلك إلى عالم لامتناه ، فتطلق عنانك لمختلف مناحي الميثولوجيا والأساطير ..
من السريالية ، إلي أسطورة سيزيف في هروبه
من الموت .. إلي الوجودية واستحقاقات الإنسان فيها ..
كل ذلك من اجل خلود الحلم وتجليه في عالم المطلق حيث يغتالك ألق الأدب فلا تملك إلا أن تغني للحياة (وأطلق نايه يغني للحياة )

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى