ثقافة وفنموضوعات رئيسية

النجاح بنت محمذ فال في قراءة للقصة القصيرة جدا : “تقدس الخنجر الأسمر”.. للشيخ بكاي

“تقدس الخنجر الأسمر”

“عزفت غيمة لحن الجنون وغنت في الأعالي من مقامات الحلول ، فذابا قَرنا عَاشاه لحظة، قبل أن يطعن الزيغ ماكان…

رأى كوكبا فقال: “أنت اللحن.. أنت الانشودة..”.. لكن الكوكب كان مجرد بوق عويل..

و بين قطع الليل أطل قمر يلحس الظلام .. ويوزع الورد بكل ألوان الطيف.. غير أن القمر مارس عادة الرحيل تاركا المسرح ومن فيه للانهاية الحلك..

وفي صباح أثيم والشمس تحرق العتمة، غنت عصفورة لحنا مبهما…سالت دماء.. وقال جرح: ” أنا الظلام.. تقدس الخنجر الأسمر ؟؟”

التقديس شعور بالرضي، يرقي الي درجة إحلال المقدس معبودا وقد يرافقه عمل دؤوب بحثا عن رضي المطلق في تفان قد يصاحبه إحساس بالندم والتقصير تجاه المعبود ينتج عنه شعوربوح بالندم ، والتحرر من وطأة الذنوب . تحرر بموجبه يكتسب المقدس هالة روحانية جديدة ، يضفيها عليه وهج إيماني ما كان له ان يكون لولا العمل الدؤوب إرضاء للمعبود المقدس الذي هو هنا المحبوب. ياتي ذلك في رحلة إيمانية شاقة تتسم بخلع صفة الإرادة عن المحب إلي المحبوب لتكسبه صفة التجلي والحلول أما الرحلة الإيمانية فهي مستلهمة من وحي قصة إيمان نبينا إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم التي تبدأ بالشك ، اثم الحيرة ثم الاعتقاد ويحضر فيها الكوكب والقمر كسبيل للهداية إلى المبتغى ، ولكنها تنتهي بالاعتقاد في أن المطلق هو غير آليات الطبيعة التي هي إما راحلة مثل القمر وإما مصادر للتوهم …. (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ) ولكي لانذهب بعيدا فإن من شوائب الإيمان المعروفة (الزيغ )الذي حضر كاول محق يقضي علي أغنية الحلول الذي عاشه العاشقان (فذابا قرٌنا عاشَاه لحظة، قبل أن يطعن الزيغ ما كان…) والزيغ لا يمكن إلا أن يعزز ظلال الشك المصاحبة أصلا لهواجس المحبين …. وبما أن طعنة الزيغ التي اتت لتنسف( ما كان ) تجلت في جملة موصولة بالغة التأكيد علي مرارة متعددة الإيحاء من حيث وجود وسمو هذا الحلم ومن حيث قسوة ومرارة تجربة القرن – اللحظة .. حيث لم تترك طعنة الزيغ هذه للعاشق المبهم في الضمير المستتر مع الحبيبة المعبر عنها بالغيمة ؛ فرصة غير مسار هذه الرحلة الإيمانية التي تفرد بها المحب – بعد (ماكان ) عاشه من حلول في المحبوبة . رحلة آلت به إلى أن رأى كوكبا فيما يشكل انشراحا ، في مسار الأزمة ؛ وللكواكب رمزيتها في الاهتداء إلي الهدف لكنها لم تكن لتشكل اليقين لانها ما لبثت أن تراءت علي انها (بوق عويل ) وهنا تكتمل الضغينة العاطفية بما يغذيها من الشك في المحبوبة …لدى المحب ، والشعور بالخيبة اتجاه الغيمة التي تجلت بعد طعنة الزيغ كوكبا زائفا بانْحساره في مجرد صوت ! وتتراكم الخيبة حين يصير اللحن زيغا ويصير الكوكب بوق عويل فلا يبقى للهداية إلى المحبوب من سبيل.. قبل أن يظهر من جديد في شكل قمر يوزع الورود أي الحب في اعتراف بضوء مستوحى من جمال ووفاء عبرت عنه الورود ؛ ما يلبث ان ينقطع كما ينقطع ضوء القمر بمجرد تعاقب الليل والنهار فيٌمارس صفة الرحيل مما يشد من أزر الحيرة ويسد منافذ الانشراح من جديد لتتعَقد الامور اكثر : لحن يعتريه الزيغ كوكب ينقلب مجرد بوق عويل قمر ما يلبث ان يرحل ! وكانه من عادة هذه المحبوبة : اللحن – الكوكب – القمر، أن تظل على مسار الزيف والرحيل ! ورغم كل هذه الضغينة التي هي أحد أبرز فنيات القصة القصيرة جدا ، تبقى الحياة من دونها حالكة ( تاركا المسرح ومن فيه للانهاية الحلك.) فَتبالغ في قسوتها علي محبوب مبهم .. لا يلوح منه في الافق ، إلا ما يتستر به في سياق جملة إسمية تألفت من مبتدأ هو اسم موصول دال على العاشق، وخَبر هو شبه جملة ( …ومن فيه) اخبر عن الاسم الموصول العاشق وزج به في المكان : المسرح الحلك عن طريق واو العطف التي ربطته بالمكان ( المسرح الحلك … ) مسرح يخضع لكل المتناقضات مما تقتضيه القصة القصيرة جدا … حيث يشرق عليه الصباح ولو أنه أثيم ، يتكاثف إثمه مع عتو عتمة تخنق ضوء الصباح لتحرقها شمس النهار..تأتي كل هذه المتناقضات وسط غناء عصافير يمثل لحنا لا يخرج عن المألوف في إبهامه لكنه يخرج عنه في كونه يسيل دما وللدم علاقة اشتقاق لفظية بالندم .. لذلك ظهر العاشق في تجل جديد وخلع عباءة التستر ليعرف الملأ بمن هو ! إنه جرح .. إنه الظلام .. (وقال جرح: ” أنا الظلام..)ذلك هو التجلي الثالث للعاشق … فمن تجليه الأول في كونه شريكا (فذابا قرْنا عاشَاه لحظة، ) إلى تجَليه الثاني في اللجوء إلي الخفاء والانحسار في المحبوبة ؛ إلى التجلي الثالث في ثنائية وجع الجرح ، و عتمة الظلام .. ملصقا بنفسه كل صفات القتامة التي كان قد جعلها تتجلى في المحبوبة في شعور تراجيدي أليم بحلم يتوارى ! بل يصبح ظلاما ودما في تعرية لنفسه من خلال إسناد الفاعل النكرة إلى الفعل (قال جرح ).. غير أنه يتدرج من التنكير إلى أعلى درجة من التعريض والقدح بنفسه من خلال الجملة الإسمية التي شكل مبتدَأها ؛ حيث صدح بأنه الظلام ، مع ما لذلك من تجنيس الاشتقاق بين الظلام والظلم ..فيلجا من جديد إلي تغييب إرادته في تسام تراجيدي بموجبه يتمكن الوجع من الحلول اللاشعوري في المحبوبة برمزية الخنجر إليها .. ورمزية الجرح والظلام إليه ( قال جرح) ومن ثم رمزية الظلام والقتَامة كذلك إليه (قال جرح انا الظلام ) وبذلك المستوى من الحلول والتجلي للخلود تتقدس المحبوبة من تلقاء ذاتها نتيجة لتجَلي الحبيب في مصدر الوجع الخنجر لكي لا يبقى مجال للشرك بها وترتفع منزلة الخنجر من القداسة الى التقدس حيث يتمثل فيه المطلق: تقدس..وذلك في انسجام مع قدرة الحب على التجلي الروحاني والخلود الازلي..

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى