ثقافة وفنموضوعات رئيسية

فاطمة عطفة: طقوس العيد بين زمنين/ فاطمة عطفة

مضت أيام العيد دون أن أتمكن من الكتابة عن فرحة العيد، وخاصة للأطفال الذين ينتظرون العيدية والثياب الجديدة وحديقة الألعاب وأنواع الحلوى. وإذا كان العيد يذكرنا بأيام الطفولة والصبا، فإن ما نعاينه في أيامنا هذه من مشاهد الترف إلى حد البطر، وما نراه من أحوال الفاقة والبؤس من جهة أخرى، يجعلنا ننسى فرحة العيد ونشكر جائحة كورونا لأنها حجزتنا جميعا في بيوتنا وفرضت على الناس جميعا نوعا من المساواة، وإن كان العاملون في خط الدفاع الأول من أطباء وممرضين وممرضات وعمال، تابعوا أعمالهم البطولية وقدموا تضحيات كبيرة لا يمكن أن تنسى.

لكني أعود إلى طقوس العيد وما فيه من مظاهر متناقضة، وما يواكبها من ألوان الترف والأبهة عند من أنعم الله عليهم بوفرة المال وكرم الضيافة في جانب من المجتمع، وما تعانيه الأغلبية الساكتة قهرا من الفقراء والمحتاجين في الضفة الأخرى. ورغم تطور العادات والطقوس والتقاليد الشخصية والاجتماعية التي تتغير على مر الأيام، كما تتغير مظاهر الطبيعة والأجواء حسب الفصول، لكن تبقى الاحتفالات بأيام العيد كما هي ولا يضاف عليها إلا حداثة المنتوجات التي تطورت من أزياء وألوان طعام تقليدية ومستحدثة، إضافة إلى أنواع من الحلويات تقدم بهذه المناسبة. لكن لو تساءلنا عن غياب العدل والإنصاف خلال مظاهر العيد، قبل أن نبذخ المال الفائض على المشتريات من الثياب والهدايا المجهزة للبهجة والبهرجة وإثارة المرارة في نفوس المحرومين.

رصدت تلك المحلات المتقاربة من بعضها والمخصصة لبيع الشوكولاه والورود المرافقة لتزين صواني وصحون الحلويات من بقلاوة ومعمول وكاتو وغيرها من تنويعات حفلت بها تلك المحلات التي حشد الأغنياء مواكبهم لشراء المزيد، بينما كان بعض العمال الفقراء يجلسون على قارعة الرصيف يفكرون بما يمكن أن يقدموا لأولادهم البعيدين عنهم بعض الدراهم ليرسلوها لهم في العيد.

وجاء المنظر المعاكس لي قبل أيام العيد أمام محلات الصرافة وصفوف الناس التي كانت تقف بالدور لإرسال بعض المبالغ المالية إلى الأهل في سورية والمجتمع الذي يعاني من قلة الموارد والغلاء المتزايد، بعد الحرب المدمرة التي أصابتها وقانون “قيصر” اللعين الذي يفرض على البلد وأهلها، في هذا القانون الجائر أمريكا لا تعاقب أصحاب الكروش المنتفخة من التجار والمسؤولين، بل هي تعاقب الشعب السوري المسحوق تحت ذل الحاجة وارتفاع الأسعار وقلة الموارد، ولولا جموع المغتربين الذين يرسلون الحوالات لأهاليهم لهلك الناس بلا قوت ولا تدفئة ولا كهرباء للإنارة. هذا ما يشير إليه منظر الحشود من الشباب والكهول الذين كان كل واحد منهم ينتظر دوره ليحول مصروف العيد إلى أهله. ولا فائدة ترجى من ترديد الغصة مع المتنبي: “عيد، بأية حال عدت يا عيد؟” لأن أغلبية الناس تعاني من الفقر والعوذ، بينما البعض الآخر محتار ماذا يشتري.. وفي أي بلد يقضي عطلة العيد، رغم ارتفاع الأسعار عبر العالم إلى حدود غير معقولة، لكن جيوب الأغنياء تظل مليئة وجيوب الفقراء كثيابهم مهترئة.

هذه المشاهد شكلت عندي تساؤلا كبيرا حول التمايز الذي يعيشه الناس، وكيف يجري تطبيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية بين الناس؟ ألم يحن الوقت بعد للتفكير في اختراع طريقة للتقريب بين مستويات العيش والاقتراب من المساواة في أبسط متطلبات العيش على الأقل، بغض النظر عن تكرم الأمم المتحدة في ما تقدمه للفقراء من مساعدات والتي لا يصل لأصحابها منها إلا القليل. هذا المظهر الإنساني بين البذخ والقلة أو العدم لمباهج الأعياد ومناسبات الفرح التي يدفع فيها أصحابها أموالا خيالية نجد أغلب الشعوب تعاني من القلة في تأمين لقمة العيش، وهذا الوضع الاجتماعي السائد في أغلب المجتمعات هل ممكن أن تتم معالجة التقارب بين الغنى الفاحش والفقر الظالم للعباد؟ ألم يحن الوقت بعد للتقارب بين طبقات المجتمع وعودة الطبقة الوسطى التي انهارت وأخذوا مكانها، لينقسم الناس بين عالمين متباعدين: إما غنى لا حدود له أو فقر أيضا لا حدود له.

كاتبة سورية

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى