ثقافة وفنموضوعات رئيسية

رواية هيبنوسيس بين البوح والصمت/ لحسن أوزين

تمهيد

انطلاقا من عتبة عنوان رواية عبد الله أيت بولمان” هيبنوسيس” ندرك بأننا أمام معركة الذات ضد نفسها. تحاول فيها التخلص من العبء الثقيل الذي سكن الأعماق، مخلفا الكثير من الآلام والمعاناة. مانحا للذات وجهة دون أخرى في عيش التجربة الوجودية. فارضا رعبه من خلال حضوره القهري في كل خطوة تخطوها.  ويزداد هذا العبء شراسة في تعذيب الفرد، مهددا كيانه كلغم استعصى على التفكيك بآليات وأدوات التعبير.  وهو ما تحقق في هيبنوسيس كولادة متعسرة للذات من جديد. حيث لم يعد الخنوع و الخضوع والذل، وما يسيجهما من صمت رهيب، لغة مقبولة، ولا مألوفة.

” والآن؟

الآن أقر بأني لم أعد أهلا لهذا الحمل الثقيل. وأنه آن لي أن أترجل عن وهم مميت، إذ لم يعد في الجو ما يغري بالتعب، ولا عدت بحاجة الى بوصلة في حضرة هذا السراب، فحيثما وليت أشرعتي ليس سوى القحط والخسة والخراب. كل شيء فيك أيتها البلاد، آمالك المهدورة، بؤسك الموشوم على الجباه، أفراحك المخنوقة في الصدور… كل شيء فيك يعزف لحن الوجع.”

إن انفجارا ما مس الذاكرة فولد اهتزازات عميقة، أخرجت ما كان فيها مدفونا ومستورا بحجاب وألف حجاب. وتدفق سيل الجراحات الموشومة بحرقة الألم وعذابات النفس، المسكونة بمعاناة رهيبة. حفرت أخاديد التنكيل والتمثيل في الروح المقموعة الصوت والتعبير لغة وجسدا. وذلك بفعل عنف سوط القهر والجوع والفقر والتفقير. هكذا تواصل لحن الفجيعة هذا جيلا وراء جيل آخر، الى أن اشتعل السرد في الوجدان والقلب المفقوس بلعنة الخيبات، أمام اغتصاب العمر، والحلم والأمل، في الوقوف على أرض وطن فيه ما يستحق الحياة. فكان للكتابة اشتغالها الخاص، تحت قهر وطأة الذاكرة في صراع جهنمي بين الرغبة في البوح، وتحرير المكبوت المسكوت عنه، والصمت الشرس الهادر، الممعن في طمس الذاكرة، وتكريس ذكاء تدبير الحال، في التحايل والانتقاء والبتر والتجزيء، لما ترسب في جوف الذات من خوف و خنوع وخضوع وهدر وذل لا يطاق.

الرواية من أولها الى آخر جملة فيها تلتهب بعدوانية البياض/الصمت الذي فرض سطوته على الولادة من جديد. وحال دون نشر الغسيل القذر للتسلط والقهر الذي حاصر الناس، في ظل المستعمر، وخلال التاريخ الحديث والمعاصر للاستقلال. وحال بينهم وبين الحياة الكريمة، وحق الكلام في امتلاك قدرة التعبير، للفضح والرفض والتمرد، والاستمتاع بالحياة. حفر كثيرة طوقت الفرد في تاريخه الشخصي والعلائقي والاجتماعي. وجعلته يضرب ألف حساب وحساب أمام كل كلمة تتجرأ على الخروج عنوة لاختراق الصمت وانتهاك المحظور.

لقد مارس الصمت ازدواجية  ساديته المرعبة، من جهة في التهديد باستباحة الحياة التي يعلو صوتها، بعد أن سلخ القيمة الإنسانية من الناس البسطاء، الذين تركوا لعنف السلطة في فرض الترتيب المناسب للانتظام الاجتماعي الإنساني. ووضع الناس في منازل اجتماعية، كما لو كانت قدرا محتوما، لا يزيغ عنه إلا هالك، وسوس شيطان الرفض والتمرد والاعتراض في قلبه.  ومن جهة أخرى في الإيحاء بالهدر الذاتي لحرية التعبير في اشتغال الذاكرة، تبعا لما يمليه تلصص الرقيب الداخلي.

بناء على هذا الصراع لجدل التفاعل بين البوح والصمت، تؤسس الرواية شكلها الفني الروائي. وذلك وفقا لتضافر خلاق بين السيرة والمتخيل. هذا يعني أن الرواية تتكئ  على متخيل تأويل الذاكرة لتاريخها الشخصي وهويتها الفردية، بالتقاطع مع السياقات التاريخية الجماعية والمجتمعية. وما ميزها من تفاعلات وجدليات، وصراعات نابعة من البنى الاجتماعية الاقتصادية، والسياسية الثقافية. يتم كل هذا بتوسط من منطق الكتابة وأدوات اشتغالها، في حفر أنفاق ومسارب وممرات آمنة في منجم الذات، حتى تخرج أثقالها المرعبة واللئيمة التي عانت منها طويلا، وهي تتحمل  رعب ألم الكبت، وعذابات الانسحاق الداخلي والوجودي، طمعا في القبض  على أطياف أحلام قوس قزح، الهارب باستمرار.

  • ألم في الذاكرة

نتعرف على شخصيات الرواية، وما ارتبط بها من وقائع وأحداث،  وأحلام ومحن، وخيبات اجتماعية اقتصادية، وسياسية من خلال، التاريخ الفردي والعلائقي الاجتماعي لأبي العلاء. باعتباره الشخصية الرئيسية في الرواية، التي تشهد على نفسها وعلى مجتمع المغرب الحديث والمعاصر.

لا يخفي السارد تحيزه الكبير المبدئي الأخلاقي والمعياري، لشخصية أبي العلاء كمناضل يساري. أفرزته نضالات الحركة الطلابية بجامعة فاس بظهر المهراز. فقد وضع أبو العلاء بصمته الثورية في ساحات الجامعة، بين صفوف الطلاب، ووسط الحلقات النقاشية التي تميزت بالصراع الحاد والعنيف بين اليساريين والإسلامويين. هذا الصراع الذي سيجد امتداداته في الصراع السياسي الاجتماعي المجتمعي بين التيارات اليسارية والاسلاموية. حيث استطاع هؤلاء الوصول الى بعض مؤسسات الدولة، كالقضاء. فالمحاكمة الصورية التي عاش أطوار محنتها أبو العلاء، كان فيها القاضي/ الخلطي خصما شرسا في ساحات الجامعة، كمتحول سياسي من التعاطف مع اليسار الى الانخراط في صفوف الحركة الاسلاموية. التي تعتبر في نظر القوى السياسية المعارضة  تيارا سياسي إداري، بشكل أو بآخر، أنتجته الدولة للجم وإضعاف كل القوى التقدمية واليسارية، التي كانت تقارع وتواجه، وتقف في وجه توجهات وخيارات، وسياسات الدولة المتناقضة كليا مع مصالح وتطلعات أغلب الفئات المجتمعية.

فالمعركة السياسية التي خاضها أبو العلاء في الساحة الجامعية، وهو يعري ويفضح ليس فقط  الممارسة السياسية للدولة، بل أيضا الممارسة السياسية للإسلامويين، وجد نفسه يخوضها بشكل آخر، من خلال العنف السياسي الذي مورس في حقه كمعتقل رأي. حاول السارد تسليط الأضواء على سيرورات القهر المخزني التي عاشها الشعب، سواء من طرف القواد، الذين مارسوا بطشهم وتسلطهم على الناس، وحاشيتهم المتسلطة( إخوة الحسين) في ظل الإستعمار والمخزن، أو من قبل القهر المستحدث للقواد الجدد بعد الاستقلال. وفي هذا السياق من الاهتمام والالتزام السياسي، عمل أبو العلاء على كشف الغطاء عن بشاعة ما تعرضت له منطقة ( الريش) و ( أحولي) البلدة المنجمية. فقد أغلق المنجم، دون التفكير في مشروع مجتمعي بديل يمكن أن يستوعب كارثة الانسحاق الوجودي للعمال و كل القرى والبلدات المجاورة. فقد تحولت الى أماكن منكوبة في العمق الإنساني المجتمعي، وظاهريا الى تحف فنية تجتذب السائح، وتذل الساكنة التي تعرضت للإهمال والنسيان والاقصاء الوجودي. هذه الإشارات البسيطة التي أتى عليها السارد،  وقد تلبسها الصمت القاسي، وهو يرخي سطوته الرهيبة مانعا اكتمال الاعتراف والتحرر النهائي مما ترسب في الأعماق من خدوش وجراحات مؤلمة، وغصة في الحلق، وانكسار في القلب المشحون بعشرات  الخيبات والاحباطات، والانسحاق المدمر للقيمة الإنسانية. هي إشارات تنتج في سيرورة القراءة خصائص فكرية ودلالية، على أن متخيل السيرة ليس شأنا فرديا خاصا. مآسي القهر الاجتماعي التاريخي، قد مست الساكنة، دون أي استثناء.

لم يكن أبو العلاء نبتة برية، ولا سلالة نجسة كافرة خبيثة استوطنت رحم البلد، كما يزعم الإسلامويون. بل هو التعبير الأصيل عن هوية حرة تمارس ثراءها  وانفتاحها وتفاعلها،  وتعيش تعددها واختلافها النوعي، في جمعها بين المحلي والعالمي. بين الوجه المشرق لما يشكل الذات من مصادر أنفسنا،( رمزية الفقيه المنفتح الحسين) وبين التنوير الغربي النقدي. فهو القادم من بيت الحسين وجدانا، معرفة، وخلقا وممارسات، والفاعل النقابي/السياسي الذي أفرزته المعارك النضالية المعرفية والسياسية الميدانية.

تضعنا الرواية أمام شخصية سيزيفية ( أبو العلاء) تقارع كمّا هائلا من الصخور الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية. بالإضافة الى الكثير من العادات والتقاليد والقيم، التي تربى عليها في تنشئته الاجتماعية الثقافية. لقد تشرب كل ذلك منذ طفولته في بيت الحسين الفقيه الورع القنوع والمتخلق.  هذا البيت هو الذي احتضنه، ومنحه دفء الوالدين بعد أن توفيت أمه زينب، وتخلى عنه أبوه الفرنسي. وفي هذا البيت تأثر أبو العلاء بالحسين الى درجة الانتشاء والتلذذ كلما صادفه يقرأ القرآن، تحت شجرة الرمان في بستانه الجميل.  وقد تشبع بالكثير من أفكار الفقيه الحسين، كوصايا مغدورة، خربها الفقر، وشوه عمقها النبيل، فصارت مجرد عبء ثقيل، عذب قلبه وأثقل كاهله، وتلبس روحه كقيم اجتماعية ثقافية. فهي رغم نبلها وهشاشتها الوجودية، يستحيل أن يدير لها الظهر، وأن يقول وداعا لما سكن الأعماق. ليس لأنها قوية وحقيقية لا تشوبها شائبة. بل لأنها رغم ازدواجيتها التناقضية، أخذت مظهر التصورات والمعتقدات الأقرب الى الحقيقة المقدسة.

 كما جعلته بشاعة الحياة، المفعمة بالتفقير والتهميش والجوع والقهر، يدرك كيف يتشوه الفرد بعد أن تنزع عنه قيمته الإنسانية. وتدفع به نحو اختيارات مؤلمة في التخلي عن نفسه في فقدان الكرامة الإنسانية. الشيء الذي يورطه في التخلي عن أقرب الناس إليه من حبل الوريد.

عندها تتناسل العشرات من الأسئلة المحرقة التي يستحيل مقاربتها، أو محاولة فهمها عندما يكون الانسان مهددا في وجوده الإنساني الاجتماعي. هذا ما عاشه أبو العلاء كواحد من أفراد أسرة الفقيه الحسين، التي عانت كثيرا من ويلات التهميش والتفقير والجوع، والدونية المادية الاجتماعية، في بلدة لا تختلف فيها الأسر كثيرا من حيث وضعها الاجتماعي والاعتباري.

  • حورية بوصفها دعوة للاعتراف بالإنسان

تضعنا الرواية أمام مفارقة صعبة القبول والتقبل والفهم والمقاربة. كيف أمكن للفقيه الشيخ التقي الورع، البعيد عن جبروت إخوته وظلمهم للناس، صاحب اليد النظيفة التي لم يلوثها بمناصرة رجال سلطة المخزن، أن يتنازل ببساطة عن جزء منه/ طفلته حورية. كل الأسئلة بقيت معلقة لأن الطفلة حورية التي رحلت ذات يوم مشؤوم الى العاصمة، لن تعود. ” بيعت في نظر الكثيرين. أجرت في نظر البعض. زوجت قبل الأوان. لمن يا ترى؟ لمن دفع الثمن؟ من كان ينوي أن يقبل المقاوم مثل هذا العرض؟ ومن كان يظن أن الفقيه الذي ننتظر البركات من مصحفه الكريم سيدخل مسجدنا ببلغته؟”.

 نعم حورية التي تركت جرحا عميقا في القلب لن تعود أبدا. قد تكبر وتتزوج وتعيش كأيها الناس باحترام وكرامة، وقد تعود يوما الى البيت نفسه، لكن أبا العلاء ومن معه، من أفراد الأسرة والعائلة والجيران، ممن عاشوا التجربة القاسية والمرعبة، ستظل صورة الطفلة موشومة في القلب بحرقة القهر والانسحاق الوجودي. الطفلة التي رحلت ذات مساء غريب مشحون بالحزن القاتل، لن تعود. وهذا ما جعل ذلك الرحيل وتلك اللحظة الهاربة في الزمن ، وهي تغتصب العمر، تحضر في ذاكرة أبي العلاء. تقفز طرية كجرح غائر خلفته مدية القهر، لتؤكد حجم المأساة التي تمس الانسان في عمقه الأصيل. من يضمد الجرح النازف باستمرار، من يزيح الصخور التي جثمت على القلب وهدت الروح، من يعيد صفائح الذات الى عهدها الأول قبل ذلك المساء الموبوء، ومن ومن ..؟ حتى عودة حورية ذات يوم لن تقوى على إعادة صفاء النبع النفسي والروحي والجسدي إلى عهده الأول الأول.

هكذا يفتح السارد دفتر الحساب العسير على الذات، موجها أبا العلاء نحو الزوايا المجهولة القابعة في الكهوف المظلمة للمعيش اليومي، والتفقير القسري الذي حرم البسطاء من خيرات وثروات الوطن. يسلط الأضواء على الزوايا المعتمة، وما ترسب في النفس من آلام ، وما نتج عنها من عذابات، زادها قهر الصمت شراسة وعدوانية. وهذا ما جعل الناس لقمة سائغة وسهلة، تلتهمهم نيران حرائق البؤس والجوع والحرمان، وفيضانات النهر الغدار، وقهر سلطة المخزن. يضيء السارد هذه السياقات حتى نتعرف حجم الاكراهات الضاغطة التي دفعت فئات مجتمعية نحو حافة البؤس القذر، والجوع القاتل والماسخ لقيمة وكرامة الإنسان. الشيء الذي استغله ذوو النفوذ في فتح مسارب للمزاد السري والعلني لبيع أو تأجير  القيمة الإنسانية. هكذا يضعنا السارد وجها لوجه أمام الحكمة الشعبية، الخاصة بمثلث الموت التي نصبت شباكها في تفاصيل المعيش اليومي(يردد الناس عادة ثلاثة احذر منهم: المخزن والنار والنهر).

لهذا يحاول السارد اقناعنا على أن رحيل حورية ليس إلا تمظهرا رمزيا بسيطا، لبشاعة الحياة التي تجرع الناس مرارتها، بقسوة وعنف اقتصادي سياسي لا يطاق. اكتووا فيها بحرائق الرحيل المتفاوتة الأشكال، و الحدة والشدة والقسوة، من التهجير، والتفقير إلى الموت البطيء. خاصة وأن السجن السيئ الذكر(تازممارت) في تاريخ المغرب الحديث والمعاصر على مرمى حجر.

3 استدراك

ليس من السهل على القارئ أن ينتزع نفسه من أحشاء الرواية، حين يكون متورطا في دهاليز السرد بشكل أو بآخر. خاصة إذا تعلق الأمر بمتخيل السيرة القريب من لعنة الذاكرة المشتهاة. يظل سقفك عاليا وأنت تطارد صمتها  المبتور. كما لو أنك تفتش إبداعيا عن التفاصيل والوقائع والمحطات النوعية التي ظلت مستعصية على التعبير. ليس بسبب ضعف إبداعية النص، أو أن السر كامن في البتر والانتقاء الذي يغالط اشتغال الذاكرة، ويربك متخيلها الأدبي. بل لأن تعرية الذات في مجتمعنا لايزال من الطابوهات التي يستحيل اختراقها أو انتهاك محظورها الأخلاقي الزائف. واعتبار تلك الجرأة نوعا من التهور الأقرب الى الفضيحة. لذلك من الصعب ممارسة هذا الشكل الإبداعي وفقا لما تمليه شروط ومنطق الكتابة الأدبية في ظل غياب الفرد والحرية الشخصية الفردية.

فالكاتب عبد الله أيت بولمان رمى بصخرة من الجبل في البركة، على أمل أن يتابع السيل الجارف للصخور اندفاعه الهادر لاقتلاع كل المتاريس الأخلاقية التي تقف في وجه الكتابة الإبداعية.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى