ثقافة وفنموضوعات رئيسية

زَمَانُ الطَّيبينَ.. طُرفةُ صَديقَتي الخَالَة/ علي الجنابي

خالتي وحيدةُ وأنا لا أملِكُ خَالةً سواها، وهي صديقتي، وتملكُ طرفةً وحيدةً وما ملكَت طرفةً عداها. هي تزورني لتنالَ رضايَ وهي الكبيرةُ، وقليلاً أزورُها أنا ولا آبهُ لرِضاها، لكنّي وطاعةً لأمرِ الرَّحمنِ بِصِلةِ الرَّحِمِ زُرتُها قبيلَ شهرٍ لأشجوَ شجاها في مداها..

أجل، زُرتُ َخالتي ذاتَ أشراقةٍ في المُبتَسَمِ، ذاتَ أنشراحةٍ في الصدرِ تٌزيّنُها والَوجهُ بِبَشاشةٍ مُتَنَسَّم. فوجهُها مُتَرَسَّمٌ واليَدانِ بِفَيرُوز مِن وَشَمِ.

نَديَّةٌ هي بعُقودٍ ثَمانيةٍ، لا تَعرِفُ الكبائِرَ إلا حظَّاً من لَمَمِ. ذاتُ نَكهةِ ريفٍ حَنونٍ أَصيلٍ أشمّ.

نِصفُ قرنٍ لها في بغدادَ، دارِ العِزّةِ والكَرمِ، ومَا فارقَتْها نَكهةُ الرّيف وهي صِبغتُها، وهي الأصلُ عِندَها والمُعتَصَم.

ad

ولقد أقسَمَتْ لي أنَّ صِبغاً ما وَطِىء إظفرَها، وأنَّ اُذُنَها كانَت في صِراعٍ مع النَغمِ. ولئن ٱسْتَدْلَلتم عن دارِ صَديقتي الخَالة، سيقولون: آوه!

سَنَدُلُّكم، أَوَ تَقصِدون بَيتَ المَحجُوبةِ المُحتَشِمِ؟

رَصِيدُ خَالَتِي (طُرفةٌ) يتيمةُ، سَمِعتُها مِنها عَدَدَ ما على الأرضِ نَجَم! طُرفةٌ ثُقلُها دَمّرَ ما في (غينيس) مِن سِجلّاتِ ومن رَقَم.

طُرفَةٌ عَتيقةٌ أقدمُ من فرعونَ، وأعتقُ من عنخ آمونَ ومِن كُلِّ تأريخٍ وقِدم.

ومَا فَتِأت تَقصِفُني بها كلَّما زُرتُها طَلباً للأجرِ وَمزيدٍ من النِعَمِ.

قَذَفَتني بها في البارحةِ، غَفرَ اللّهُ لِكلينا، وأعاذَككم من شِرذماتِ الهَرَمِ.

تَقصِفُني هي، فَتُقَهقِهُ هيَ وَحدها بِقهقةٍ مُتَسارعةٍ كَأنَّها تَقذِفُ الحِمَم!

فَلا ينفعُ آنئذٍ مَعَها تجاهِلٌ ولا لَجَمٌ، ولا تَخاصُمٌ ولا قَسَم، ولا حتى إن رَماها جَليسُها بوابلٍ من الشَّتمِ.

فَضِحكتُها أمواجٌ لا تَهدأُ إلّا بعدَ هَزيمةِ خافِقِها وإفرَاغِهِ من الزَّخَم!

ولكن خالتي لا إثمَ لها، بل أثمُ جَليسِها أنَّهُ تَجَرَأ ولأَهوَالِ طُرفتِها إقتَحَم.

أنا أصَغرُها بِثلاثةِ عُقودٍ ومُغرَمٌ أنا بطُرفتِها الفريدةِ المريدة وبِظُلمِها والسَّأم. وسِرُّ غَرامي كامِنٌ في لَذَّةِ سردها المُمِل لِطُرفتِها:

فهوَ سردٌ مُدَمدَمٌ مُشَرذَم، بقَهقَهاتٍ مُذَبذَبة، ودُموعٍ مُصبصبة، وبأكتافٍ مُكَبكَبة تَرقُصُ معها حتى خاصرتُها وطياتُ الشَّحَم!

وعجبي من خالتي! فإنَّها لا تُبالي بِمَن أحاطَها، أضَحِكوا معها، أم اُصيبوا منها بِقَهرٍ أو بِسَقَم!

مُحَدِّقٌ أنا بِبَصري ونَاظرٌ لها بوَجهٍ باسِرٍ آسِرٍ بسَأم: أوَ يُعقَلُ هذا يا خَالتاه ! ثم..

أرَانيَ أنجَرِفُ ضَاحكاً مع شَلالِ قَهقَهاتِها، وتَائِهاً ما بينَ عَجَبٍ ونَدَمٍ. ولأختِمَ جولتي بمَلامةٍ على زيارتي لها وبِتَوبِيخٍ وشَتَم.

جذورُ صَديقتي الخالة ليسَ كمثلِ جذوري، فجذورُها من هُناك..

من زَمانِ الطِّيبِ والنَّقاهةِ وأطيافِ الشَّجَن. زَمانِ البَسمَلةِ والحَوقَلةِ والتَّوَكلِ والسَّكَن.

زمانِ العِزَّةِ لِلرُوحِ وجَبيِنِها والشَّاربِ واللَّحىً. زمانِ العُنفوانِ رَغمَ كلِّ قَحطٍ وحَزَن.

زمانٍ وَجدُهُ مُغرَم بالضّاد ويَرفُضُ كلَّ حَرفٍ بِلَحَن، ويَبغُضُ كلَّ رذيلةٍ وتقليدٍ للغرب ساذجٍ حتى بِصُندوقِ الكَفَن.

زمان يَقشَّعِرُ بَدنُهُ مِن لفحاتِ غِلٍّ، ونفخاتِ ذُلٍّ، ومن عريٍّ ولَّعَن.

ذاكَ زمانٌ ما عَرَفَ (آيفوناً) ولوعَلِمَهُ لمَا تَغيّرَ، بل لأزدادَ تَشَبُثاً بصَحرائِهِ، وبِعِطرٍ الوَطَن!

أنا أعلمُ ألّا رَغبَةَ لكِ لِسماعِ طُرفَتِها؟ نعم.. لكنّي سَأتلُوها ومالكم من محيص، إنتِقاماً ووَفاءً لتَهدِيدي بِفَضحِها علناً في جريدةِ (الرأي اليوم)  وبمقالٍ رخيص، فصابِروا واصبروا على ما في رنينها من عويص، وتَفَضَّلوا فٱسمَعوها بعد تشذيب مني وتلخيص، أبقى جثمان الطرفة هوَ هو فلا تقليص ولا تنقيص:

(طَلبَ الجَابي – وهو مُحَصِلُ الأجورِ في حافلةِ نقلٍ – الأجرةَ مِن عَجوزٍ تَجلِسُ في طَستٍ لها دَاخلَ الحافلةِ؟ رَمَقَتْهُ العَجوز بنَظرةِ عَجبٍ ورَدَّتْ: ليُسامِحُكَ اللهُ بُنَيّ، أفي طَستي قاعِدةُ أنا أم في حَافِلَتِك!).

لا تقَهقِهوا رجاءً، فتدعموا طرفةً عتيقةً ويبورُ ثأري وانتقامي من صَديقتي الخالة

يغداد

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى