ثقافة وفنموضوعات رئيسية

مغارة الصابوق.. لغة الرمل والريح وسرد المختلف/ محمد تحريشي

مغارة الصابوق، مجموعة قصصية قادمة من أرض توات و تديكلت لصاحبها عبد الله كروم من ولاية أدرار بالجزائر، و هي ثاني عمل للرجل بعد المجموعة الأولى حائط رحمونة ؛ صدرت عن ”دار الكلمة” بالجزائر في 134 صفحة، من القطع المتوسط، وتضم 15 قصة قصيرة. حوت مجموعة مغارة الصابوق القصص التالية: (زينة المدائن، عاصفة الرمل المنسي، رحمونة الحائط الذي لن يسقط، هبة بئر، واللحن الذي اختنق، مغارة الصابوق، أشواق تيلمسو، المعذبة، سعاد وآية الكرسي، تواتي في مادور، المعلم بوبريطة، دماء ليست للبيع، الوصية، دوما أحبك، لها نقش الصخرة.)

سرد يؤسس للغة الرمل و الريح و لغة الحرمان و الجوع و العطش، لغة الضياع و التيه ، سرد يقوم على استحضار بنية الرحلة في الكتابات الحجية لما تصبح الصحراء مجالا خصبا للكتابة و أفاقا رحبة للإبداع بتوظيفها للحجية و الخرافة و الأسطورة بوسائل تقوم على الإفصاح حينا و الكتمان أحيانا ، و البوح تارة و التعمية تارة أخرى، إنها نوع من الترميل لرسم معالم لوحة تشكيلية نابعة من لغة الجريد و الكرناف و الزيوان لبناء قصبة تحمي ساكنيها و تمدهم بدفء السرد و الحكاية فتتحول السبخة إلى جنة من خيال أو عرسة من عرسات العطاء المتخيل. ويصبح للصوت لغة تجد من يحسن الاستماع إليها بحس مرهف:” هذا الصمت البكر يسكنني، يستهويني بشراهة فائقة المذاق، أنسى فيه دنيا الناس، أنسى فيه التناحر على المادة، على الحكم البائس، على المكانة في قلوب الخلق، على أجساد النساء، و على قطع الأرض. – أيها الرمل الصامت، إلام؟ !!..

أنا هنا منذ الأزل. تارة أميل للسكون. وتارة أخرى أهوى الثوران فأسند نفسي للريح، فتحملني معها حيث تريد.. من وقارك تعلمت بلاغة الصمت…”

إن هذه المجموعة القصصية هي ملامسة للكتابة والصحراء التي استهوت الكثير من الكتّاب بجمالها وبقدرتها على إغواء من يزورها ويقع في سحرها وقد يسلبه الإرادة في مقاومة هذه الضخامة والاتساع واللامحدود ليستعير حكمة الصمت فينسج منه عاصفة من العواطف والمشاعر لأحداث وقعت أو يمكن لها أن تقع كما تخيلها المبدع في هذا العمل. لقد عمد عبد الله كروم مؤلف هذه المجموعة القصصية إلى فتح صفحات التاريخ و الوقائع المرتبطة بالصحراء؛ صحراء الحياة و صحراء القهر و صحراء الاستغلال و صحراء الشعوذة و الأعراف و التقاليد الموغلة في القدم التي تشد المجتمع نحو تخلف قهري يمارس وجوده في الحياة اليومية لأهل توات و قورارة و تديكلت و الساورة و بشار وما جاورها :” جئت لدنياكم و لم أعرف أبي”الغزواني” الذي اختنقته قبل ولادتي أبخرة المنجم المشؤوم، أعني المنجم الفحمي بالقنادسة، المفترس الصناعي الذي أكل رئات المقهورين، أولئك الذي ذهبوا ضحية الاستعباد دون أبسط حقوق إنسانية، إنه منجم العار في صفحات المجرم المحترف.” هكذا نجد عبد الله كروم يختار من اللغة ما يكشف عن ذلك الحرمان والاستغلال والاستعباد، ” قريتي حدود ما أعرف في هذا العالم، لم أكلف ميزانية الدولة بفلس، فأنا في حياتي لم أدخل مستشفى، وحرمت من التعليم، ولم أركب سيارة أو دراجة…” بمثل هذا التكثيف والاقتصاد اللغوي يعتصر لنا هذا القاص تجربة في الحياة كلها معاناة وحرمان مع قناعة لا تنقطع على الرغم من الفقد والعوز. يكتب عبد الله كروم من رحم المعاناة عن الأمل وسط الضياع وعن التيه وسط الوهم وعن الحلم وسط الخيال.

ad

قامت هذه المجموعة القصصية على خصوصية فنية تنهل من طبيعة السرد والصحراء؛ والذي يقترب من عوالم سحرية وغرائبية وعجائبية قد تمثل إضافة للسرد في الجزائر، مما يولد لدى القارئ شغفا وتعلقا بما يمثل تجاوزا للمألوف والمعتاد بقدرته على اختراق كل أفق انتظار. وقد يجد المتلقي نفسه في حيرة وقلق وهو يكتشف هذه العوالم من البساطة والعمق في الوقت نفسه، ويجد نفسه أيضا مشدودا لطبيعة سرد عن الصحراء من الداخل يستمد وجوده من تموجات الكثبان الرملية وامتداد الرق وانبساط الحمادة وامتدادها. سرد يلامس الطبيعة الصحراوية ويحكي لنا عن الإنسان وعلاقته بالمكان والحيز والجغرافيا والحيوان والنبات والنخلة والفقارة والماء. ويحكي لنا أيضا عن صراع الإنسان مع أخيه الإنسان، وصراع هذا الإنسان مع الطبيعة. سرد يقدم وجها آخر للظلم وللاستغلال وللجبروت والقوة، ويقدم من زاوية أخرى صورا عن الحب و التعاون و التكافل الاجتماعي.

مغارة الصابوق مجموعة قصصية تدعوك إلى مغامرة من نوع خاص. إنها سرد صحراوي بامتياز. يطرح سؤال النسيان والتناسي لذاكرة تأبى ذلك، وتقاوم بالحرف وبالكلمة وبالحركة وبالثبات كل مظهر يسعى إلى محوها أو تجاوزها. تعلن من خلال علاقتها بالمكان والزمان وبالطبيعة إننا هاهنا صامدون ومتحررون ومرتبطون بالأرض. ويستدعي هذا السرد سحر الكتابة وإغواء القراءة بما يحمله من مشروع فني وجمالي عن الإنسان وعن الجماعة وعن الرجل وعن المرأة وعن العائلة وعن المجتمع. كتابة عن الهامش والمهمشين وعن الهناك وعن البعيد والأبعد، وعن المختلف والمتباين وغير المتشابه في اللون والملبس والمأكل و في الحديث، و مع ذلك فهو منا و علينا، كتابة اركولوجية عن الاستمرار في الوجود و الإصرار على ذلك. كتابة عن العادات والتقاليد وعن الطقوس الاحتفالية، وفي الوقت ذاته تقدم تصورا جماليا للثورة على بعض التقاليد البالية التي تكرس الخرافة في المجتمعات المتخلفة والمهمشة، فتكشف عن بعض الممارسات الاجتماعية التي تحافظ على الوضع كما هو من تغيير يضر بأصحاب المصالح والنوايا.

اختطّ الكاتب عبد الله كروم خصوصية الاختلاف داخل الثابت من السرد الجزائري، وهو يروم كتابة عن الصحراء تراعي خصوصية الأعراف والتقاليد والمعرفة بالحيز الثقافي، وفي الوقت ذاته تسعى هذه الكتابة إلى خلخلة ذاك الثابت في الحياة الصحراوية رغبة في تبدله نحو الأحسن من زاوية رؤية فنية تقدم إضافة إلى ما كتب عن الصحراء؛ هذا المجال الأنثروبولوجي المميز الذي استوى كل من مرّ به بدءاً من الإنسان الذي قيّد مروره هذا في المغارات وعلى صخور الجبال برسومات ما زالت تشهد على وجوده. وما اختيار القاص عبد الله كروم مغارة الصابوق عنوانا لمجموعته هذه إلا أنه أراد يترك أثرا كما تركه الأولون وكتّاب مخطوطات الرحلات الحجية الذين سجلوا مرورهم بالمكان بلغة تقوم على الوصف وذكر معلومات مهمة عن المكان وعن السكان بطريقة مكثفة

لعل من خصوصية هذه المجموعة القصصية أنها اتسمت ببناء لغوي مميز تحضر فيه حكايات الجدة وأنماط السرد العربي. لغتها بسيطة موحية ومحملة بالدلالات والرموز تقوم على التكثيف بالاقتصاد في اللفظ والتوسع في المعنى، لغة واصفة ومنتقدة تقف عند جزئيات قد لا ينتبه إليها. لغة قريبة من لغة الحكي اليومية وفي الوقت تتخذ لنفسها خاصية الامتناع لمن حاول مجاراتها. لغة تلتقط المميز والنوعي والمتباين والمختلف والخاص. لغة غير بريئة ولا حيادية بل منحازة غير سطحية تهتم بالبنيات الفكرية لهذا المجتمع. لغة تغامر نحو مجتمع يعيش في مغارة من العادات التقاليد والبنيات الفكرية والعلاقات الاجتماعية والممارسات الثقافية.

الجزائر

Print This Post
العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى