عندما يستفز الليل أنفاس المرايا.. / عبد الرحمن هاشم

عندما يستفز الليل أنفاس المرايا الحبلى بنبض الغمام و ترسو الأمواج على شواطئ المدن ذات العماد و يزهر المغيب في فناجين الصبح المنهزم أمام أسراب الفراشات الملونة ذات القوام الرشيق و هي تتسلق هام الشموع الخافتة يعاودني سؤال دارس محير لماذا لا نشبههم في شيء ؟
عندما ذهب أجدادنا إلى هناك رقت طباعهم فشييدوا مدن ذات عماد صروح و سوح صقلية و الأندلس دليل تحضر و عندما عادوا إلى احقافهم الجدباء تبدلت الطباع من بناة و فاتحين إلى لصوص فاسدين ، لماذا ؟
لماذا نخبهم تدمر العالم من أجل استمرار إيقاع الحياة البنفسجية ذات الشعر الناعم و العيون الزرقاء و الأجساد المتنهدة كلما لامس الثلج أفران النشوة ، و نخبنا تدمر أوطانها من أجل لحظة مسروقة هناك حيث الكأس و الجسد و الثلج و النار ، وحده بياض المال يزاحم بياض الثلج و حجم الأرصدة يوغل في مأساة وطن الأولياء ..!، ملامح العطاء الإنساني مشهودة في نصب مرفوعة و جداول رقراقة و صروح مهيبة و عامل نظافة يمكنه أن يخطب ابنة أستاذ جامعي أو وزير لأن أنفاس الورود الحمراء أنهت عهود الإقطاع ، لأن نخبا دفع ثمن تحرير شعبها بدل تنويمه و تضليله .
نهر واحد شماله طمي و طين و جنوبه عذب فرات
نجومهم ترسل لهم أحبار العالم و تبشر بصحو الفضاء و نجومنا تحدث عن شراء فلان لقطيع من البقر و فيلا في تركيا أو المغرب و زواج فلان من منت افلان و مهرها المقنع الأبيض ، نجومنا حرف مشوه يستوطن العقول البليدة عندما تأخذ الأيادي السارقة من حنطة آدوابه كي تعبر ضفاف البوسفور…، أيها المعذب في جدبه و المهان في فاقته خذ من قامتك ما تكمل به المسير نحو حلمك بوطن الأولياء و الصالحين فإن رفات (تيبه) و أيام (لمجيحري) مقيمان هاهنا ما أقام عسيب.
يطاردنا (الحش) ضريبة الإنتماء و سطوة بطاقة التعريف عندما تكون لغما في يد (جلفه أو تاشتايه) و يطارحنا الصيف أخلاقه جياعا فلا تنقضي أيامه إلا وقد ازدادت جموع الحفاة الأجلاف من أهل البادية الذين يزرعون الفوضى و يرفضون الوطن بقيمه التي ترفض الإنتماء لعشب الأرض و عيون البقر و ملامح العلف التي لا تعترف بحدود .
نخبهم تحترم إشارة المرور بينما هنا لا يسلم رجل الشرطة من سباب انذال مراحل التيه بل و فينا من يغرس في بناته و زوجته احتقار من يقف على أبوابهم حارس أمين ، هناك يقبل الندى شفاه الزهور و أجساد المرايا دون خوف ، يراقص الشتاء معاطف الشقراوات دون خوف ، و يتم تدوير القمامة كي تنفع الناس و تمكث في الأرض دون خوف …
نقلا عن صفحة عبد الرحمن هاشم.