لاستعارة المكنيّة والمجاز العقلي بين انزياح الدلالة ومنطق الإسناد / عماد خالد رحمة

ليست البلاغة العربية زينةً لفظية تُضاف إلى المعنى بعد اكتماله، بل هي آلية تفكير، وطريقة مخصوصة في رؤية العالم عبر اللغة. وفي قلب هذا الجهاز البلاغي الدقيق تتجاور الاستعارة المكنيّة والمجاز العقلي بوصفهما صورتين لانزياح المعنى: الأولى تنقل الدلالة عبر الخيال والتشخيص، والثانية تعيد ترتيب العلاقة بين الفعل وفاعله وفق منطق عقلي لا حرفي. وبين الخيال والإسناد، تتجلّى قدرة العربية على تجاوز ظاهر القول إلى عمقه.
أولًا: الاستعارة المكنيّة – حين يُحذف المشبَّه به وتبقى آثاره
الاستعارة المكنيّة نوع من الاستعارة، وهي مجاز لغوي يقوم على تشبيه حُذف أحد طرفيه، وهو المشبَّه به، ورُمز إليه بشيء من لوازمه أو صفاته. فهي تقوم على الإيحاء لا على التصريح، وعلى الحذف لا على الذكر، مما يمنحها طاقة بلاغية عالية، لأنها تشرك المتلقي في عملية الاكتشاف.
فعندما نقول:
«نطقت الجدرانُ بما كتمته الصدور»
فلسنا نزعم حقيقةً أن للجدران ألسنة، بل نشبّهها بالإنسان المتكلم، ثم نحذف المشبَّه به (الإنسان)، ونُبقي على لازمة من لوازمه (النطق). هذه هي الاستعارة المكنيّة في أنقى صورها: تشخيص الجماد، وإكسابه فعل الأحياء.
بلاغيًا، تكمن قوة الاستعارة المكنية في قدرتها على تكثيف المعنى دون إثقاله بالشرح. فهي لا تقول إن الجدران مثل الإنسان، بل تجعلها إنسانًا بالفعل اللغوي. وقد عدّها عبد القاهر الجرجاني من أرفع ضروب البيان، لأنها «تُنْقِل السامع من المعقول إلى المحسوس، ومن الذهني إلى المشهدي».
نحويًا، يبقى التركيب صحيحًا على مستوى الإسناد، إذ يُسند الفعل إلى فاعل ظاهر، غير أن الانزياح يقع في مستوى الدلالة لا في مستوى القاعدة. وهذا ما يميّز المجاز اللغوي عن الخطأ اللغوي: فالأول مقصود ومؤسَّس على علاقة بلاغية، بينما الثاني خلل في النظام.
ثانيًا: المجاز العقلي – حين يُنسب الفعل إلى غير فاعله الحقيقي
إذا كانت الاستعارة المكنيّة تنزاح بالدلالة عبر الخيال، فإن المجاز العقلي ينزاح بها عبر الإسناد. وهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير من قام به حقيقةً، لعلاقة معتبرة، مع وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.
نقول مثلًا:
«بنى الخليفةُ المدينةَ»
مع أن الذي باشر البناء هم العمّال، لكن الفعل أُسند إلى الخليفة لعلاقة السببية أو الأمر. فالعقل يدرك أن الإسناد هنا غير حقيقي، لكنه مقبول ومفهوم ضمن السياق.
المجاز العقلي لا يغيّر الكلمات، بل يغيّر منطق الفاعلية. وهو بذلك أداة بلاغية دقيقة تعكس رؤية ثقافية للسلطة، والمسؤولية، والتأثير. وقد أحسن البلاغيون حين عدّوه مجازًا لا في اللفظ، بل في العقل؛ أي في طريقة فهم العلاقة بين الفعل ومن يُنسب إليه.
قواعديًا، يظل الإسناد سليمًا من حيث النحو: الفعل له فاعل، والجملة مستقيمة. غير أن البلاغة تتدخّل لتقول إن هذا الفاعل مجازي لا حقيقي. ومن هنا يتجلّى الفرق بين النحو الذي يحكم صحة التركيب، والبلاغة التي تكشف عمق الدلالة.
ثالثًا: بين الاستعارة المكنية والمجاز العقلي – اختلاف المسار ووحدة الغاية
يشترك الأسلوبان في كونهما مجازين، أي خروجًا عن المعنى الأصلي، لكنهما يختلفان في الآلية:
الاستعارة المكنية تقوم على التشبيه والحذف والتخييل، وتستهدف إثارة الصورة.
المجاز العقلي يقوم على الإسناد غير الحقيقي، ويستهدف إعادة توزيع الفاعلية.
فالقول:
«ابتسم الصباح»
استعارة مكنية، لأن الصباح شُبّه بإنسان حُذِف، وبقيت لازمة من لوازمه.
أما القول:
«أنجحت الإدارةُ المشروعَ»
فهو مجاز عقلي، لأن النجاح نُسب إلى الإدارة مع أن المنفّذين كُثُر.
ومع هذا الاختلاف، يجتمع الاثنان في غاية واحدة: توسيع أفق المعنى، وتحرير اللغة من أسر الحرفية، دون خرق نظامها القواعدي.
خاتمة
الاستعارة المكنية والمجاز العقلي شاهدان على عبقرية العربية في الجمع بين الدقة والمرونة، بين النظام والانزياح. فهما لا يلغيان القاعدة، بل يشتغلان داخلها، ولا يهدمان العقل، بل يعيدان توجيهه. وحين نفهمهما، ندرك أن البلاغة ليست ترفًا لغويًا، بل شكلًا من أشكال الوعي، وأن اللغة لا تقول ما تقوله فقط، بل ما تلمّح إليه، وما تُخفيه بين سطورها.


المصدر: الفيسبوك – صفحة منبر الأدب.

زر الذهاب إلى الأعلى