في هذا الصباح… أفكر في فتيات القرى البعيدة\ هند الحسن

 

في هذا الصباح…
أفكر في فتيات القرى البعيدة،
في ذلك السرب من البجع الملوَّن.
فتيات يغنين في المطابخ الصغيرة،
وهن يُعددن الشاي عصراً بالليمون والحبق،
ويُزلن الغبار عن حواف النوافذ المطلة على أحلامهن.
فتيات يرتدين التنانير الطويلة المزركشة،
ويقفن خلف الأبواب يلوحن للفتيان الصغار ليجلبوا لهن البطاطا والحلوى،
ثم يستخرجن النقود من مخابئ صدورهن،
تلك المخابئ التي تبدو وكأنها أقدم حصالة عرفها العالم.
فتيات لم يُصغين إلى موزارت وهو يدغدغ خصر العالم بأطراف أنامله،
ولم يشاركن هوميروس في كتابة الإلياذة،
ولم ينتسبن إلى أيٍّ من فلاسفة الوجودية،
وربما لم يسمعن يوماً بـ “هراءات داروين “،
ولا يعني لهن التاسع من إبريل شيئاً.
فتيات رائعات،
جلُّ أحلامهن فارس يمتطي صهوة جواد…
أبيض اللون، أو ربما بني، لست متأكدة بشأن اللون.
فتيات يستيقظن باكراً كل صباح،
ويمارسن أعمالهن المنزلية دون كلل،
لا يفكرن في اقتناء حصان،
ولا يحلمن بامتلاك جبل،
ولا يشعرن أن حواء وضعت ذرّيتها أمانة في أعناقهن ورحلت.
وأفكر…
ماذا لو أقايضهن بكل ما لدي ؟
بالليل،
وبالشعر،
وبالكتب،
وبالسهر،
وبالنجوم التي أعرف أسماءها،
وبالغيوم الحبرية التي لا تكف عن المطر،
وبأكواب القهوة المتناثرة على مناضد أيامي ،
بفساتين الدانتيل،
وبالأقراط المدببة،
وبكل ذلك الترف الذي لا يعنيني كثيراً.
وفي المقابل…
آخذ مطبخاً صغيراً تفوح منه رائحة الخبز الطازج ،
ونافذة تطل على حقل،
وصباحاً يبدأ بصياح الديكة بدل رنين المنبه.
ليس لأنني ضِقتُ ذرعاً بحياتي،
ولا لأنني أبحث عن خلاص.
كل ما في الأمر أنني مؤمنة بأن للجمال أكثر من هيئة،
وأن حياةً تُعد فيها امرأة الشاي في قرية بعيدة،
قد تكون، في لحظة ما،
أغنى من مدينة كاملة.
زر الذهاب إلى الأعلى