الدكتور عبد الله العتيق الدين يستعرض مسيرته في التعليم والبحث وخدمة التراث العربي ببيت الشعر

نظم بيت الشعر ـ نواكشوط، مساء اليوم الخميس 13 أغسطس 2026، جلسة جديدة من سلسلة «تجارب مثمرة»، المخصصة لاستعراض المسارات الفكرية والثقافية والمعرفية لشخصيات موريتانية راكمت تجارب في مجالات الكتابة والبحث والتعليم والإبداع.
واستضافت الجلسة الدكتور عبد الله العتيق الدين، الأستاذ والباحث والأديب الموريتاني، وأدارها مدير بيت الشعر الدكتور عبد الله السيد، الذي قدم للضيف ولمسيرته العلمية والأدبية قبل أن يفسح المجال لاستعراض تجربته أمام الحضور.
وتناول الدكتور عبد الله العتيق الدين خلال حديثه جوانب مختلفة من مسيرته، متوقفا عند نشأته الأولى، وتكوينه العلمي، وتجربته في التعليم، ثم انتقاله إلى مرحلة التأليف والبحث والتحقيق، وما ارتبط بذلك من اشتغال باللغة العربية وآدابها وتراثها.
وفي حديثه عن بداياته، استعاد الضيف ملامح نشأته في بيئة ريفية ذات طابع محظري، مشيرا إلى أن المحيط العائلي والاجتماعي الذي نشأ فيه كان يولي العلم والأدب عناية خاصة. وقال إن تلك البيئة وفرت له، منذ وقت مبكر، صلة بالتراث العربي ومصادره، وفتحت أمامه مجالا واسعا للاطلاع على الأدب واللغة.
وأوضح أن حديثه عن المراحل الأولى من حياته لا ينفصل عن سياق اجتماعي وثقافي أوسع، مفضلا، بحسب ما عرضه خلال الجلسة، التركيز على المرحلة التي بدأت فيها علاقته بالتأليف والبحث تأخذ مسارا أكثر وضوحا، وعلى ما رافقها من قراءة واسعة لأمهات كتب السير والأدب ودواوين الشعر العربي.
وقال في هذا السياق إن تجربته في القراءة والبحث قادته إلى الاهتمام بـ«عيون الأخبار، وروائع القصيد، ونوادر الأغراض، وغرائب الأحداث، وعجائب القصص، وحكم أعيان العرب»، موضحا أن هذه الموضوعات شكلت، بحسب تجربته، جزءا من اهتمامه بالتراث الأدبي العربي ومصادره.
وتوقف ابن الدين عند تجربته التعليمية، التي امتدت، وفق ما قدم عنه خلال الجلسة، من التدريس في التعليم الرسمي بمراحله الأولى والثانوية إلى الإسهام في تكوين المعلمين والأساتذة، فضلا عن التدريس الجامعي، مع استمرار اهتمامه بالتأليف والبحث في اللغة العربية والأدب.
وانتقل في حديثه إلى علاقته بالتأليف، مستعرضا عددا من الأعمال التي رافقت مسيرته، من بينها بحثه «الشعر الصوفي الشنقيطي في منطقة العقل من 1230هـ إلى 1430هـ: نصوص مختارة»، الذي تناول فيه نماذج من الشعر الصوفي الشنقيطي بالدراسة والتحقيق.
وقال إن هذا العمل يمثل إحدى التجارب التي يعتز بها، موضحا أن اشتغاله على النصوص الشعرية الصوفية الشنقيطية أتاح له الوقوف على جانب من الإنتاج الأدبي المحلي، والعمل على جمع نصوصه ودراستها وتحقيقها.
كما تناول تجربته في جمع وتحقيق ديوان محمد بن المختار السالم، موضحا أن عمل المحقق، من وجهة نظره، يتجاوز ترتيب النصوص وجمعها إلى العناية بالنص الأدبي والمحافظة عليه. وقال إن «تحقيق الدواوين لا يعني، في نظري، مجرد جمع النصوص وترتيبها»، معتبرا أن هذا النوع من العمل يرتبط أيضا بحفظ الذاكرة الأدبية وصيانة النصوص من الضياع والتحريف.
وتحدث الضيف كذلك عن كتابه «معجم مشاهير الشعر القديم»، الذي قدم من خلاله تعريفا بعدد من الشعراء العرب القدماء، مع نماذج من أشعارهم، موضحا أن اختياره لهذا النوع من التأليف جاء في سياق اهتمامه بتقريب المادة الأدبية من القارئ.
وأشار إلى أن هذا العمل يجمع، في تصوره، بين التعريف بالشخصيات الأدبية وتقديم نماذج من إنتاجها، بما يسمح للدارس والقارئ بالتعرف على جانب من سير الشعراء ونصوصهم.
واستعرض ابن الدين أيضا كتابه «الرقيق الأنيق من مختار ما قرأت من شعر رقيق أو نفيس»، باعتباره ثمرة من ثمار قراءاته الشعرية، حيث جمع فيه نصوصا مختارة من تجارب شعرية متعددة.
وقال إن «الانتقاء من الشعر ليس مجرد جمع للنصوص»، بل يرتبط، بحسب ما أوضح، بذائقة القارئ ورؤيته للنصوص التي يرى أنها جديرة بالحضور في الذاكرة الأدبية، مستعرضا في هذا السياق علاقته الطويلة بالقراءة الشعرية والاختيار.
ولم يقتصر حديث الضيف على البحث والتحقيق، بل تناول أيضا تجربته في التأليف الشعري، مستعرضا دواوينه «شؤون وشجون»، الصادر في حلب سنة 2008، و«رؤى وأحلام»، و«أنين ورنين».
وأوضح أن الشعر ظل حاضرا في مسيرته إلى جانب البحث والتأليف والاشتغال باللغة، معتبرا أن هذه المسارات المختلفة تلتقي في علاقته بالكلمة العربية، من خلال القراءة والتأمل والتحقيق والإبداع.
وقال إن تجربته «لم تتشكل من مشروع واحد مغلق»، بل جاءت، بحسب وصفه، في صورة رحلة طويلة مع الآداب العربية، تعددت خلالها أشكال الاشتغال بين البحث والتحقيق والتأليف والاختيار الشعري وكتابة القصيدة، مع بقاء اللغة والأدب في مركز اهتمامه.
وتطرق خلال الجلسة إلى جانب آخر من إنتاجه يتعلق بالتأليف التعليمي والنظم في علوم العربية، مستعرضا من بين أعماله «مائة بيت في قواعد الإملاء» و«مرجع الإملاء في منابع الإملاء»، إلى جانب منظومات في الصرف والنحو، من بينها «عين الفعل»، و«المصادر»، و«أوزان الصفات»، و«مستدرك الجواب»، و«في معاني الأفعال المزيدة»، و«المنادى»، و«الجوازم».
كما استعرض جانبا من اهتمامه بالتراث الإسلامي والسيرة النبوية، من خلال منظومته «حسوات الرحيق من غزوات الصديق» المتعلقة بحروب الردة، وكتابه «الطوق الذهبي على أسماء الصحابة من آل النبي»، المرتبط بتراث أحد العلماء الشناقطة المتقدمين.
وخلال النقاش، تركزت أسئلة الحضور على تفاصيل مختلفة من تجربة الضيف، خاصة علاقته بالتراث، ومساراته في القراءة والتأليف والتحقيق، وكيف تداخلت تجربته التعليمية مع اشتغاله الأدبي واللغوي.
وشهدت الجلسة مداخلات من باحثين وكتاب وأدباء ورواد بيت الشعر، تناول أصحابها تجربة الضيف من زوايا مختلفة، وطرحوا أسئلة حول عدد من محطاتها ومؤلفاته، قبل أن تختتم الأمسية بصورة تذكارية جماعية.
وتأتي جلسة الدكتور عبد الله العتيق الدين ضمن سلسلة «تجارب مثمرة» التي ينظمها بيت الشعر ـ نواكشوط لاستضافة شخصيات ذات تجارب في مجالات الفكر والثقافة والأدب، وإتاحة مساحة للحوار حول مساراتها وتجاربها في الكتابة والبحث والإنتاج المعرفي.

زر الذهاب إلى الأعلى