ثقافة وفن

قطوف أدبية ../ محمد محفوظ أحمد

ما لبثت جدلية: قول الشعر أدبا وإفادة، أو تركه ورعا وعبادة، أن قضى عليها تمدده وانتشاره واستحسانه وازدهاره، في عصر النهضة الأدبية التي شهدها هذا القطر الشنقيطي أو الموريتاني، على حين تقهقرٍ وانحطاطِ له في منابعه العربية بالمشرق.حتى سامر الشاعرُ محمذ بن السالم الحسني كلبَه “فيداح” بالشعر، وطلب منه روايته! في سخرية خفية من استسهال كل من مشى على قدمين لقول الشعر وإنشاده:
أصِخْ لسردِ قَريضِ الشعر “فيداح” * إن كنت ممن لسرد الشعر يرتاحُ
قد أصبح الشعر ـ عَمري ـ لا رُواة له * إن لم يكن من رواة الشعر فيداح!
نِعمَ المرافقُ لولا قُبح منظره * ينفي الذياب اذا يعوي فتنزاح…

لقد أفضت تلك “النهضة” الشعرية، والعلمية أيضا، إلى ظاهرة “الاستعراب” التي طغت على المجتمع البظاني بشكل يقارب “الهستيريا” من أجل الانتماء، النسَبي/العرقي، إلى الدوحة النبوية الشريفة، أو إلى أقرب جذر لها من أشهر الصحابة على الأقل!!
وبسبب هذا التنافس المحموم كان استخدام الشعر والبراعةُ فيه من أعدل الشهود على صحة النسب العربي؛ فكثر الشعر وعلا كعبه، ونمت دراسة اللغة العربية، وبات إتقانُها بالسليقة من أقطع الأدلة وأقوى الحجج على نقاء النسب من أي شائبة عجمية! حتى قال قائلهم جميعا؛ بلسان بيانه أو لسان حاله:
إن لم تقم بيناتٌ أننا عرب * ففي اللسان بيان أننا عرب

وأما أحمدُ بن عبد الله الملقب “الذيب الثاني” فيذهب أبعد من ذلك، حيث يقول:
لنا العربيةُ الفصحى وإنا * أعم العالمين بها انتفاعا
فمُرْضَعُنا الصغيرُ بها يناغي * ومُرْضِعُنا تُكوِّرها قناعا
ويقول آخر:
مِصداقُ أني كريم العيص، منتسبٌ * الى قريش بيوتِ العز والجذل:
نَسجى القريضَ وإحكامي قوافيَه * ولا أميز بين العطف والبدل!
وفي الشعر يقول رائد إبداعه الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديا (سيدنَ):
وقلت للائمٍ قد لجَّ يلحو: * كفاك اللومُ بالكلِم اليسير
رويدَكَ إن بيتا من قديم * من الشعراء ذي نسب خطير
يعز علي الرواة ألذُّ عندي * من الدنيا ومن مال كثير
أما المختار السالم بن علي (الغطمطم) المالكي، فالشعر مُؤتَم به وتابع له؛ بل طبعٌ له يأتي غلبة:
الشعر بالطبع في كفِّي أزِمَّته * تجيب بالطوع أمرَ الفكر أمتهُ
ولو غدا في صَلاة وهو مجتمع * يوما لصَلَّت إلى فكري أئمَّتُه …
يأتي بلا هِمَّةٍ مني وكم رجلٍ * يعيا وقد أعملت في الشعر همتُه
ولو نسجتُ إلى “الضليل” قافيةً * من القوافي لهزَّت منه لِمَّتُه
وأحمل الدينَ منه إن دُعِيتُ له * إذا “الفرزدق” ضاقت عنه ذمتُه
والمرءُ ذو الرمة المشهور ما اشتهرت، * إلا لكونيَ لم أحضرهُ، رمته!
ويقول:
تعَودتُ حوكَ الشعر عند تكلُّمي * وعلَّمَنِيهِ اللهُ دُون التعلم
فما ليَ عن إنشائه من تأخُّرٍ * وما ليَ عن إنشاده من تقدُّم
وفي نفس المعنى يقول:
الشعرُ طوع خواطري وأوَامِري * ما انقادَ قبلَ أوَامِري للآمر
كم شِدتُّ قصْرا كان منهُ باليا * وعمَرت بيتا ما له من عامرِ…
يأتي القريحةَ مَوجُه متلاطما * فتسحُّ تقذف كالغَمام الهامِرِ…
ثمَرُ اللُّغى في خاطري ذو نِعمة * أوَ مَا سِوى ذي ثمْرةٍ كالثامِر؟

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى