نواكشوط: بيع الماء والنجارة وأنشطة أخرى..برنامج حكومي لاستقطاب حملة الشهادات الجامعية

نواكشوط- الشيخ بكاي- (أرشيف)- يجلس احمد ولد سيدي كل صباح على مقعد قرب حنفية عمومية في احد الاحياء الشعبية في العاصمة الموريتانية نواكشوط، و يقضي معظم الوقت في قراءة شارل ديكنز وويليام شكسبير وفي بيع الماء.

وحصل احمد على البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها منذ اعوام، لكنه لم يجد عملاً حتى اختير ضمن 51 من حَمَلة الشهادات الجامعية في اطار برنامج تشغيل نفّذته “مفوضية حقوق الانسان والدمج ومكافحة الفقر” التابعة للحكومة الموريتانية.

“هذا البرنامج مفيد لنا. اذ لنا الآن رواتب هي افضل من لا شيء، ونحن على الاقل نقتل الوقت في انتظار ايام افضل”، يقول احمد لـ”الحــياة” مسـترخياً على مقعده القديم.

ويأتي البرنامج الذي يشمل تمويل متاجر صغيرة وورشات نجارة ونشاطات صغيرة اخرى في القطاع غير المصنف، في اطار جهود للحكومة الموريتانية تهدف الى مكافحة الفقر.

وانطلق البرنامج العام 1988 حيث تم حصر كل العاطلين الحاصلين على شهادات جامعية. وحصل 51 شاباً على عمل، اذ فتح بعضهم متجراً بفضل قروض من المفوضية، وافتتح آخرون مناجر، وتحول شبان الى سائقي تاكسي. ويعتبر باعة الماء الاكثر حضوراً، وحلّ معظم هؤلاء محلّ فقراء آخرين اكبر سناً كانوا وسطاء في بيع الماء بين الاحياء الفقيرة والشركة الوطنية للماء والكهرباء التي تملكها. ويبيع هؤلاء مياه الشرب في براميل يحملها وسطاء آخرون على الحمير، ويتجولون بين المنازل الشعبية بـ200 اوقية اقل قليلاً من دولار واحد.

“راتبي هو 30 الف اوقية 120 دولاراً”. يقول احمد. وهو “برغم ضآلته مقارنة بتكاليف العيش، يربطني بالحياة، ويعطي معنى للوقت. وانا افضل من آلاف من زملائي يجلسون بلا عمل ولا دخل”.

وفي وقت سابق هذ العام طلب الرئيس الموريتاني من رجال الاعمال المساعدة في برنامج التشغيل. فالتزموا اكتتاب نحو الف من حملة الشهادات، لكن “جيش العاطلين اكبر”، يقول محمد الاستاذ في التعليم الثانوي. ويضيف: “في بيتنا اربع شهادات جامعية نسي حاملوها العمل بعد بحث طويل بلا جدوى. رحم الله فترة السبعينات وبداية الثمانينات حيث كان العمل عقاباً احياناً”، يقول الاستاذ متحسراً. ويضيف: “كانت فرص العمل متاحة الى درجة ان الراغبين في الدراسات الجامعية والعليا من الفئات الاقل حظوظاً كانوا يرغمون على العمل في الوظيفة العمومية وخصوصاً في التعليم. وذلك بامتناع الوزارة عن تقديم منح دراسية لهم في الخارج. وأنا نفسي ارغمتني وزارة التعليم على المدرسة العليا لتكوين الاساتذة بعد حصولي على الثانونية العامة. وكانت الوزارة تقدم كثيراً من الحوافز للمعلّمين والاساتذة لتجد من يقبلون بالتدريس. والآن يتدافع حملة الشهادات الجامعية الى مسابقات المعلّمين في المدارس الابتدائية”.

وألزم صندوق النقد الدولي الحكومة الموريتانية خلال السنوات الـ15 الاخيرة وضع حد للاكتتاب، مع استثناءات محدودة في قطاعي الصحة والتعليم.

وحصلت موريتانيا خلال هذه الفترة على بليونين ومئتي مليون دولار من القروض والمنح. وانفقت الحكومة 123 مليوناً من هذا المبلغ في تنفيذ مشاريع في الاتصالات وكهربة المدن والمياه وتعبيد الطرق. وعلى رغم ان السلطات تتحدث عن “تحسّن التوازنات الاقتصادية الكبرى” فان بيوت الموريتانيين دفعت ثمن برامج “الاصلاح الاقتصادي” غالياً، اذ استمرت اسعار المواد الاستهلاكية الضرورية في الارتفاع الجنوني، فيما ظلت الرواتب على حالها، ولم تعد الدولة تستقبل طلبات الباحثين عن العمل في بلد لا يلعب فيه القطاع الخاص دوراً رئيسياً في ميدان الشغل.

تفاصيل النشر:

المصدر: الحياة

الكاتب: الشيخ بكاي

تاريخ النشر(م): 23/12/2000

تاريخ النشر (هـ): 27/9/1421

منشأ:

رقم العدد: 13800

الباب/ الصفحة: 6