كتاب عربموضوعات رئيسية

هل هناك مشروع إصلاح في سوريا؟ هذا ما اطلعت عليه في هذا الملف

انهكت الحرب سوريا  و تحاول الدولة بكل قطاعاتها لملمة الآثار المدمرة لسنوات أرخت بظلالها الثقيلة على المجتمع و المؤسسات . لكن هل هناك خطة نهوض مرسومة لمعالجة هذه الآثار ، وهل هناك رؤية لمستقبل أفضل للسوريين ، هل هناك نظرة عميقة لأهمية تعديل وإصلاح بنية الدولة ؟ . الكثيرون لديهم مثل هذه الاسئلة الملحة .

تلقيت مؤخرا دعوة كريمة من وزيرة  لوزارة حديثة في سوريا لم أكن أعرف عنها شيء تسمى وزراة “التنمية الادارية “

وكانت الدعوة  بصفة ضيف شرف على أحد ورشات العمل في إطار الإصلاح الإداري في سوريا .  كان اللقاء بجمع عدد من الوزراء وكل المدراء العامين في الدولة السورية  لمختلف المؤسسات ، كان الجميع ينصت لخبير في مجال التخطيط يشرح عبر وسائل وتقنيات حديثة كيفية الدخول في خطط ومشاريع للقطاع العام والخاص . كان الشرح ممتعا جدا ويحاكي تجارب عالمية في مجال إدارة المشاريع . أدار الحضور نقاشا عميقا وشفافا من واقع العمل الحكومي . يحتوي على النقد و الاقتراحات و الأفكار الجديدة .

هذا اللقاء لفت نظري لمعرفة مدى جدية هذا المشروع؟ ، وماهي التصورات المستقبيلة له؟  ، والى أين يريد الوصول؟  . اكتشفت أن هذا اللقاء سوى جزء صغير من جهود تجري على مستو الدولة بشكل كامل .

المشروع الصامت والعميق في بنية الدولة السورية ، بدأ إثر إطلاق الرئيس السوري ما يعرف بالمشروع الوطني للإصلاح الاداري في 20 حزيران 2017  والهدف منه محاربة بنية الفساد في سوريا ، وإنهاء حالة الترهل و ووضع معايير للكفاءة وإنهاء المحسوبيات . تم تحميل وزراة” التنمية الإدارية ” هذا المشروع واختار الأسد سيدة سورية ، حاصلة على درجة الدكتوراه  بتفوق من أرقى الجامعات الفرنسية ، ليس هذا فحسب إنما تتمتع بقوة شخصية و فكر متابع لكل ما يحدث في العالم . لم أكن أعرف هذه السيدة من قبل لكني لبيت دعوتها رغبة مني لمعرفة مدى جدية الحديث عن الإصلاح في سوريا .

يولي الرئيس الأسد اهتماما شخصيا بادق تفاصيل ومراحل تنفيذ هذا المشروع ، ويدعم بحزم تطبيقه في كافة مؤسسات الدولة . من وجهة أحد الخبراء الذين التقيتهم في هذا السياق ، فإن الأسد ينظر إلى الإصلاح الاداري كمدخل أو أساس لابد منه لتطبيق الإصلاح الاقتصادي ، ومن ثم السياسي . لينقل سوريا إلى مرحلة الدولة الحديثة . لذلك يحرص الأسد على نجاح مشروع الإصلاح الإداري . ويراهن على نتائجه .

ولهذه الغاية أصبح هناك وزارة في سوريا متواجدة في كل الوزرات والمؤسسات ، وليست وزارة تعمل بشكل منفرد . وشملت خطة الدكتورة سلام  أحداث مراكز مثل مركز “الموارد البشرية “، يعتمد مبدأ التوظيف الالكتروني ، و”مركز القادة” ومهمته رصد المسار الوظيفي للكفاءات النوعية في الدولة . و”مركز دعم وقياس الأداء الإداري”  ، مهتم بوضع الهياكل الإدارية للمؤسسات .

لايوجد مشروع إصلاح في العالم إلا ويقابله ممانعة ، أما لعدم فهم اهميته أو بسبب طبيعة رفض التغيير و النظرة النمطية التي تتمسك بالأساليب التقليدية على أنها مقدسة لا تقبل التحييد. والسبب الأهم وجود متضررين من الإصلاح . ولا يمكن الخوف على هذا الأمل في الإصلاح في سوريا من هذه العقبات  لأنه  حتى الآن يحظى بدعم سياسي من القيادات العليا في البلاد . وهو مشروع الرئيس الأسد شخصيا .

ومن نافل القول أن الموطن السوري لديه المصلحة الأولى في الإصلاح الإداري و الاقتصادي والسياسي ، ولكن لابد من أن يعلم الرأي العام أيضا أن مشاريع الإصلاح هي من نوع المشاريع الاستراتيجية التي تحتاج للتدرج  والجدول الزمني والتطبيق الثابت والعميق كي يبنى عليه تحولا كبيرا غير قابل للنكوص.

اللافت أن المشروع الإصلاحي يتم بعيدا عن التغطية الاعلامية والاستعراض الاعلامي ، و هذا مؤشر على جدية ، لا  تهدف إلى  تسويق وعود للرأي العام ، والحديث عن انجازات المشروع التي لم يلمس المواطن السوري أثرها بعد . وربما نستنتج كذلك أن الاصلاح بالنسبة للرئيس الاسد هو حاجة داخلية وليس وسيلة مقايضة مع الخارج وتحديدا الغرب . ولو أراد أصلاح من هذا النوع لحققت سوريا قفزة كبيرة في مسار الانفتاح على الغرب ، وهذه الدول التي تطالب بالإصلاح في الدول العربية بشكل إنتقائي وفق معيار المصلحة والتحالف ، كانت وجدت في خطوات الأسد ذريعة قوية لتبرير إعادة النظر في سياساتها الخاطئة تجاه سوريا ، لكن بالمقابل سيكون الإصلاح لإرضاء الغرب ، إصلاحا هشا ونفعيا . ونعتقد أن الأسد يفكر بشكل مختلف .

عدت من سوريا متفائلا ، برغم كل المعاناة اليومية التي يعيشها السوريون بسبب نقص المواد الحياتية والضرورية ، لأني شعرت أن هذه المصاعب آنية ، بينما ينتظر سوريا مستقبلا باهرا يستحقه السوريون ، فهم بلا أدنى شك شعب خلاق قادر على بناء مستقبله بثقه .

كمال خلف- كاتب واعلامي فلسطيني والمقال لرأي اليوم

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم