أرشيف صحفيموضوعات رئيسية

من حكايات الذعر و الدم في أزواد…غرغرة الطفلة “اميتا” وصفير الريح

باسيكنو (موريتانيا)- من الشيخ بكاي- (أرشيف ) – قربت الطارقية مرياما مصباحا بتروليا يرتعد من وجه طفلتها التى تحتضر وأمتزج الدمع على وجنتيها بحبات الرمل الهاربة من ولولة رياح الصيف في ليل صحراوي موحش يلف خمسين ألف لاجئ من العرب والطوارق الماليين على الحدود بين موريتانيا وجارتها الجنوبية الشرقية مالى ؛ وبصوت متهدج شرعت المرأة تسرد لـ”الحياة” قصتها:

“كان ذالك فى السادس من هذا الشهر (آذار- مارس) … خرجت مع نسوة نجمع الحطب، وحينما عدنا الى الحي (حي بدوي) وجدنا الجنود يحرقون جثث رجال ويطاردون آخرين مستخدمين المدافع…”. وتضيف مرياما وهي تغالب غصة بكاء تخنقها: “بحثت عن زوجي فلم أجده… أخذنا الأطفال وهمت فى الصحراء بصحبة امرأتين . وكانت الرحلة من غوندام ( بلدة في أزواد) الى هنا طويلة (حوالي 140كلم) ومتعبة على الأقدام … وأنا كما ترى حامل”.

وطبقا لمصادر الجبهة الإسلامية العربية لتحرير أزواد “نفذت مذبحة غوندام أثناء هدنة وقعتها السلطات مع جبهات التحرير الأزوادية فى 8 شباط (فبراير) الماضى، وتنتهي فى السادس من نيسان (أبريل) القبل”. وقال محمد بن سالم وهو عربي في الخامسة والعشرين ويعمل مع آخرين على تشكيل خلايا تابعة للجبهة فى المخيمات “استهدف الهجوم حيين بدويين لقبيلتي “كل أنصر” و”كل أغزاف” الطارقيتين، وقتل فيه أربعون شخصا بينهم أطفال….”.

وحينما تسأل محمد بن سالم عن أسباب الحادث يجيب:”هناك إرادة واضحة لدى الحكومة المالية في تصفية سكان أزواد مستغلة عدم اهتمام العالم لما يدور في المنطقة”. وتسأله عن العلاقة بين الاحياء البدوية ومنظمات الثوار فيكون الرد:” هناك علاقة مهمة جدا هي أننا كلنا شعب ازواد…. مع أن الحكومة تعتبر البدو غطاء للمحاربين”.

وتعود بدايات نزوح سكان “ازواد” إلى موريتانيا الى نهاية 1989 . وكانت”الحياة” تطرقت إلى هذا الموضوع فى آذار (مارس) 1990، وتحدثت بالتفصيل عن فرار الآلاف الى بلدة “ويرنغل” الموريتانية الواقعة على الحدود على رغم تكتم السلطات فى البلدين على المشكل. وذكرت “الحياة” حينها أن السكان المحليين تعرضوا لهجوم، حيث أضرمت النار فى الخيام ، وكان الرجال السود يسرقون الأبقار والخيول. ولم تتجاوز التهم الموجهة الى السلطات فى تلك الفترة “عدم توفير الأمن”. لكن منذ نيسان (أبريل) من العام الفائت “بدا واضحا تورط الجيش بشكل فاضح” كما ورد على لسان محمد بن سالم .

يرتفع صراخ إمرأة فى خيمة مجاورة ويختلط بغرغرة الطفلة “اميتا” وصفير الريح… وأنتقل الى مكان الصوت ، فقد جاء نازحون جدد لم يتحدثوا عن وقوع مذبحة، لكن غريزة الخوف قادتهم إلى هنا :”كنا بالقرب من غوندام وخفنا أن يحل بنا ما أصاب أهلها” قال أحدهم. كان أهم ما جاء به الهاربون الجدد هو تجريد خديجة(40عاما) من بصيص أمل كان يراودها :  “لقد أكدوا مقتل زوجي الذي كنت أمني النفس بأنه نجا من المذبحة”. تقول المرأة لـ ” الحياة”.

وكان البشير ولد احمد زوج خديجة اختفى مع أبناء عمه الأربعة بعد هجوم شنه الجيش على بلدة ليرة (70 كلم من الحدود) فى أيار (مايو)الماضي. وقالت المرأة وهي تتلوى على أرض رملية هي فراش خيمتها المصنوعة من القماش البالي : ” سمعنا إطلاق النار فى ذالك اليوم ومن ثم شاهدنا الجنود يطوقون المدينة…حملت أمي، هذه العجوز التى تراها أمامك ، على حمار وفررنا بصحبة عدد من النساء والأطفال”. ولا تعرف خديجة أسباب الهجوم، لكنها تقول:”سمعت هنا من يقول إنه كان انتقاما من قيام مقاتلين ازواديين بهجوم على مركز عسكري قبل يوم واحد من الواقعة “.

مخيم باسكنو واحد من ثلاثة مخيمات أقامتها الحكومة الموريتانية بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
وتضم المخيمات خمسين ألف شخص طبقا لمصادر محلية، لكن المفوضية تقول إن عدد المسجلين لديها لا يتجاوز خمسة وثلاثين ألفا. وقال أحمت آغ همام منسق مخيم باسكنو لــ “الحياة” : “يصعب إعطاء رقم ثابت . فعمليات النزوح مستمرة ويصل يوميا ما معدله خمسون شخصا”. وأعرب همام عن خشيته ” من أن تفرغ منطقة ازواد من كل سكانها قبل نهاية العام”. وقال: “لقد فر الكثيرون إلى الجزائر والنيجر. وفى موريتانيا الآلاف من الذين استطاعوا التحرر من وضعية اللاجئ فى هذه المخيمات وتوزعوا على مدن البلاد”. واضاف همام الذي كان يعمل مدرسا فى ازواد قبل نزوحه: “هناك ذعر شامل فى المنطقة، ولم يعد فى مقدور العربي أو الطارقي دخول المدن فى مالي لشراء احتياجاته. وأصبح من المألوف أن يجري أطفال المدن خلف أي بدوي يدخل وتنتهى العملية بقتله”.

يعيش سكان المخيمات أوضاعا صعبة للغاية ويشكون من نقص حاد فى الأغذية والملابس. وقالت هيئة إغاثة عربية لـ ” الحياة”: “يموت يوميا خمسة وعشرون شخصا بسبب الجوع”. ويقول مسؤولو المخيمات إن معدل الوفيات “يقدر بشخص واحد للأسرة كل يومين “.

وقال اللاجئ احمد بن سيدي لــ”الحياة”: “إننا نموت هنا بشكل مخجل…ومن الأفضل أن نموت بأسلحة الجيش المالى، لا بالإسهال”. وقال لاجئ آخر :”الموت يطاردنا . فررنا منه فى بلادنا، وهاهو يحاصرنا هنا. ومن العار أن يتجاهل العالم معاناتنا فى خيام الذل مثلما صمت عن تقتيل السلطات لنا” . ويقول محمود بن احمد وهو مدرس سابق فى مدرسة حكومية فى مالى: “مات الكثيرون بسبب سوء التغذية خلال الأسابيع الماضية من بينهم سبعون طفلا”. واضاف “ما تقدمه الهيئات الدولية والحكومة الموريتانية لا يكفى، اضافة الى أن الأغذية التى يعرفها السكان غير موجودة خصوصا الألبان واللحوم”.

ووزعت هيئة الإغاثة الإسلامية خلال الأسابيع الأخيرة كميات من الأغذية والأغطية على سكان المخيمات. وقال ناطق باسم الهيئة “إن ما حصلنا عليه الى الآن لا يكفى خصوصا مع بداية موسم الصيف”. ودعا الى عملية تدخل دولية عاجلة. وكانت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين قدمت بعض المساعدة. وقال مصدر فى”الجبهة العربية الإسلامية لتحرير ازواد” إن المفوضية وعدت بتخصيص نحو ثلاثة ملايين دولارلمساعدة المنكوبين.

وافتتحت منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة مركزا لها فى مخيم “باسكنو” للعناية بأطفال تحولوا الى هياكل عظمية آدمية. وتقوم المنظمة بإعداد الحساء وتوزيعه على طوابير الأطفال التى تنتظم فى ساعات الصباح الأولى. وقال مسؤول موريتاني لــ”الحياة” إن ماقدم حتى الآن هو دون المستوى المطلوب، وان بلاده غير قادرة على انتشال اللاجئين من الموت المحقق. ودعا الى تدخل دولي بحجم المأساة .

وتنطلق من المخيم سيارتان عابرتان للصحراء. ويثير انتباه المرء أنهما من دون أضواء فى عتمة ليل داكن …وأسأل عن السبب فيأتى الرد بعد تردد وتبادل للنظرات والهمسات:”هاتان السيارتان لأحد التجار، وهما فى طريقهما الى “أزواد” للإطلاع على أوضاع بعض الأهالى”.

وأوأصل الإستماع الى حكايات الذعر… تقول حليمة : “إخوتى الثلاثة، وأبي مفقودون، وأعتقد أنهم فروا الى النيجر. هذا إذا لم تكن الحكومة قتلتهم (الجيش) أو سجنتهم”. كل القصص متشابهة: هذا فقد أخاه أو أمه، وتلك تبحث عن ولد أو أخت، وذاك يبحث عن زوجة.

وتبذل اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهودا للم شمل الأسر. وقال مارتين دامارى مندوب اللجنة لــ”الحياة”: ” نتلقى من اللاجئين بيانات تتعلق بالمفقودين، ونرسل برقيات إلي الدول التى نزح اليها بعض سكان الشمال المالى طالبين البحث عن هؤلاء المفقودين لنوافى ذويهم بأخبارهم”.

فى المخيمات يحصد الموت الأطفال، ويواجهون الأمراض والجوع، لكن الأهالى ينظرون الى المستقبل من خلال الحرص على تعليم أبنائهم. وقال منسق مخيم باسكنو احمت آغ همام لــ”الحياة”: “طلبنا من جميع الذين تعاطفوا معنا المساعدة فى بناء مدرسة لأطفالنا. واستجابت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وهيئة الإغاثة الإسلامية”. لكنه يشرح: “هناك بعض المشاكل، فقد دب صراع أو تنافس بين البعض من أهالى الأطفال حول لغة التدريس. وقد حسمنا المسألة باعتماد العربية والفرنسية”. وقال همام، وهو مدير المشروع :”لدى هيئة الإغاثة الإسلامية موقف مسبق من المنظمات الغربية ، فهي تعتقد أن المفوضية السامية ستعمل على تنصيرنا”.

وقال أبو بكر الصديق، وهو أستاذ سابق للتربية الإسلامية فى مالى وينتمى إلى المجموعة العربية: “طلبت منا هيئة الإغاثة الانتظار قبل أفتتاح المدرسة، لكن نحن فى الحقيقة لسنا فى موقف من فى مقدوره الرفض… طلبنا مدرسة واستجابت المفوضية وسلمتنا بعض التجهيزات والكتب باللغة الفرنسية “. وأضاف:”مسألة اللغة مهمة، لكن المهم الآن هو تعليم الأطفال، وسيكون المعلمون من أبناء شعب أزواد ذوى الخبرة فى التعليم”. وقال فاضل بن مالك،وهو من انصار الجبهة الإسلامية العربية لتحرير ازواد: “إن الطوارق مسلمون وينبغى ان تكون العربية لغتهم الأولى، ولا أمانع فى تخصيص نسبة ضئيلة للفرنسية”.

ويمضى ليل”باسكنو” كئيبا متثائبا… المصابيح البترولية تموت واحدا تلو الآخر… ويستسلم اللاجئون للأحلام المفزعة وهم يفترشون الأرض ويجترون ذكريات ماض ولى، وحاضر مذبوح… وفى أحد أركان المخيم يواصل مصباح “ذليل” الاشتعال، فقد فضلت الطفلة “اميتا” – التى لم تكمل عامها الثانى- اللجوء الى باطن الأرض هربا من قسوة من هم على سطحها.

“الحياة” اللندنية
6 ابريل 1992

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

12 رأي على “من حكايات الذعر و الدم في أزواد…غرغرة الطفلة “اميتا” وصفير الريح”

  1. Some symptoms associated with neck wretchedness ceuquo.artritis.amsterdam/online-consultatie/kraakbeen-in-english.html could show the forcefulness of a brashness kinsfolk or the spinal gash is at secure, or it is doable that there is an underlying cancer or infection. These symptoms inhor.terug.amsterdam/dokters-advies/schouderprothese-operatie.html can swarm radiating spell, tingling, numbness, or fissure into the shoulders, arm, or hands, neurological problems with coffee accustom, walking, coordination, or bladder and upce.artritis.amsterdam/hulp-van-de-dokter/asnr-spine-nomenclature.html bowel place down, fever or chills.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.