مفهوم “السحوة” (الحياء) في موريتانيا .. صامد في الريف منكسر في المدينة

نواكشوط- “مورينيوز”- من الشيخ بكاي- (أرشيف)- “عليكم اللعنة !” قال العجوز احمد وهو يشيح بوجهه عن الشاشة الصغيرة، دون ان نعلم ما اذا كان يصبّ اللعنة على الممثلة الجميلة التي كانت تخاطب رجلاً وقوراً: “ابي أنا أحب خطيبي وسأنتظره مدى العمر” أم على الشبان المستغرقين في متابعة الفيلم، من دون حياء من هذا الكلام “القبيح”. فالرجل وصل الى نواكشوط اخيراً من البادية حيث يخضع كل ما له صلة بعلاقات الرجل والمرأة للحظر، وحيث تقاس اخلاق الفرد بمدى التزامه الحياء.

ويضرب المجتمع الموريتاني، في الريف خصوصاً، حظراً على اسم الزوج والولد البكر. ويقوم هذا المحظور اللغوي على مبدأ الاستبدال. فقبل ان تطعن في السنّ لا تنطق المرأة باسم زوجها الذي تشير اليه بـ “هو أو “الراجل” او “ذاك الراجل” او “ذا الرجل”. كما لا تنطق المرأة باسم ابنتها أو ابنها البكر، وغالباً ما تطلق على البنت تعبير “الطفلة” وعلى الولد الذكر “الطفل” حتى لو كان “الطفل” رجلاً، و”الطفلة” امرأة متزوجة.

وعموماً لا يجلس الرجل مع زوجته واولاده امام من يكبره من الاقرباء الذكور، ولا يتحدث معهم او عنهم امامه. وينطبق الامر نفسه على المرأة. وعادة لا يزور الكبير الصغير في بيته الا في غياب الزوجة والاولاد.

وتعتبر كلمات “حب” “زواج” “خطبة” “عرس” وغيرها من الكلام المحظور الذي لا يخوض فيه الشخص مع من يكبره سناً، واذا حدث لسبب ما، مثل الحوار التلفزيوني الذي أغاظ العجوز احمد، ان نطق احدهم بأي من هذه الكلمات، وجب على الصغير الانسحاب بسرعة. ويستثنى من الحظر معلّم الفقه الذي يحق له وحده الحديث عن المحظورات وغيرها أثناء درسه لأنه “ما من العلم حياء”.

ومن الحياء ايضاً ألا يلتقي الرجل ابداً والد زوجته منذ ان يعقد عليها القران. واذا دخل احدهما مكاناً يوجد فيه الآخر، تراجع الداخل فوراً. ولا يشرب الرجل عادة او يأكل امام أم زوجته التي تمتنع بدورها عن ذلك.

ويدخل التدخين ضمن المحظورات اذ لا يدخّن المرء امام من يكبره سناً من ابناء العمومة. والتدخين امام المسنين من رجال اي قبيلة او طبقة مكروه بشكل عام. لكن بعض هذه القيم آخذ في التراجع بتأثير التغيرات التي طرأت على بنية المجتمع الموريتاني التقيلدي بدءاً من السبعينات بفعل الانتقال السكاني الكثيف من الريف نحو المدينة.

وبرغم امتعاض العجوز احمد من كلمات وردت في حوار بين ممثلين على الشاشة، فانه هو نفسه بسبب الظروف التي أمــلتها المدينة، يكسر المحظورات بوجوده داخل بيت ابنه في العاصمة، جالساً في غرفة ملاصقة لتلك التي تضم زوجة ابنه واولادهما.

واذا كانت المرأة الريفية ما تزال تحظر على نفسها او يحظر عليها النطق باسم زوجها، فان اختها في المديــنة بدأت تتحرر من هذا القـيد، او هي تحررت كلياً.

تفاصيل النشر:

المصدر:

الكاتب: الشيخ بكاي

تاريخ النشر(م): 30/1/1999

تاريخ النشر (هـ): 13/10/1419

منشأ:

رقم العدد: 13112

الباب/ الصفحة: 1 – ملحق مجتمع