انخفاض تكاليف المعيشة فى خمس مدن عالمية


نتيجة لتغير الأوضاع والتأثيرات السياسية في العالم، أصبحت الحياة في عدد من المدن في الآونة الأخيرة أقل تكلفة من ذي قبل.
لقد التقى صعود القوميات على مستوى العالم مع هبوط في أسعار النفط العالمية، ما أدى إلى تغيرات هامة في الاقتصاد العالمي على مدار السنة الماضية. ونتيجة لهذه التطورات، شهدت مدن معينة كانت معروفة بأنها من بين أكثر مدن العالم تكلفة، انخفاضا في تكاليف المعيشة.وسواء كان السبب هو أحداث السياسة العالمية، وتغير الصادرات والواردات، أو تقلبات أسعار العملة، فقد شهدت مدن مثل لندن، التي صوتت حديثا للخروج من الاتحاد الأوروبي، انخفاضا مفاجئا في تصنيفها المتعلق بغلاء المعيشة، وذلك في قائمة تكاليف المعيشة الصادرة عن وحدة المعلومات بمجلة الإيكونوميست البريطانية.وحيث أن قيمة العملة المحلية قد انخفضت مقابل العملات الأجنبية الأخرى (مع ارتفاع معدل التضخم المحلي بشكل حاد)، من المرجح أن الوافدين الأجانب الذين يعملون في شركات أجنبية كانوا من أكثر المستفيدين من هذه التغيرات، والتي تمثلت في تراجع تكاليف المعيشة.

كيف تخطط للانتقال إلى مدينة أخرى ذات تكاليف معيشية أقل؟

وقد تحدثنا مع وافدين ومقيمين يعيشون في هذه الأماكن لنعرف كيفية تأثير هذه التغيرات عليهم، وكيف يمكن توفير المال في هذه المدن التي أصبحت ذات تكلفة أقل بشكل مفاجيء.
لندن – بريطانيا

كان للتصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي (أو البريكست) الذي جرى عام 2016، تأثيرا سلبيا بشكل فوري على الجنيه الاسترليني، عند مقارنته بالعملات الأخرى. وبعد أن كانت لندن تتربع على قمة جدول المدن الأعلى تكلفة للمعيشة، تراجعت إلى الترتيب الثامن عشر في سنة واحدة فقط.

بلفاست: المدينة البريطانية ذات تكاليف المعيشة المعقولة

فقد توافد السياح الأجانب إلى البلاد لشراء البضائع الفاخرة وغيرها، إذ تبين إحدى التقديرات أن الإنفاق الأجنبي ارتفع بشكل حاد إلى أكثر من 36 في المئة، مقارنة بالعام السابق لذلك.

وطالما أن العملات الأجنبية أقوى من الجنيه الاسترليني، فقد ارتفعت أسعار السلع المستوردة، كما يقول إيان رايت، مؤسس شركة النقد الدولية “موفر دي بي دوت كوم”، مضيفا أن الأكثر من ذلك هو أن حجم الواردات تراجع.

ويتوقع الخبراء أن ترتفع نسبة الواردات من السلع المهمة، مثل الفاكهة والخضراوات، بنحو ثمانية في المئة تقريبا، نتيجة لعملية البريكست.

ومازال هناك الكثير من الوسائل للعيش بنفقات أقل، كما أن العثور على صفقات جيدة لشراء البيوت بات يتصدر قائمة البحث على شبكة الإنترنت في بريطانيا. وبشكل عام، فإن السكن في جنوب وشرق لندن يعد أقل تكلفة من السكن في الغرب أو الشمال.

ويقول رايت ذو الأصول الكندية: “لندن غريبة جدا من حيث إمكانية أن تجد سكنا تابعا لمجلس المدينة يقع بجانب البيوت التي يبلغ سعرها عدة ملايين من الجنيهات”.

ويعيش رايت في “آبي وود” جنوب غربي لندن، حيث يقول إنه يمكن استئجار منزل مقابل ألف جنيه استرليني، أو شراء منزل بحوالي 325 ألف استرليني. ويضيف: “بينما لا يوجد في المنطقة الكثير من مظاهر العمران والنشاط، فإن بقايا وآثار كنيسة ليسينيز آبي من القرن الثاني عشر الميلادي، والحدائق العديدة والغابات المجاورة، كلها يمكن أن يستمتع بها الإنسان بلا مقابل”.

ومن بين الخيارات قليلة التكلفة حديقة ليتون الأولمبية شرقي لندن. كما أن منطقة إيست كرويدون جنوبي لندن تم تطويرها بشكل كبير، وستضم قريبا مركزا جديدا للتسوق، لكن مازال هناك مجال لأن تجد بيتا للإيجار مقابل 500 جنيه في الشهر.

ورغم وجود مزاج معاد للمهاجرين في بريطانيا، حسبما يقول رايت، إلا أنه واثق من أن العاصمة البريطانية ستبقى منفتحة ومتعددة الثقافات، ويضيف: “يوجد في لندن انعزال عرقي أقل من مدن أخرى في الولايات المتحدة، ولذلك يوجد في لندن مهاجرون ووافدون أجانب من كافة أنحاء العالم، يعيشون جنبا إلى جنب، وهو الأمر الذي أعتبره أفضل ما في لندن من صفات”.
بكين – الصين

تراجعت العديد من المدن الصينية إلى ترتيب يزيد عن العشر درجات في تصنيف هذا العام، بما في ذلك بكين التي تراجعت بستة عشر نقطة. وبينما لم يوضح التقرير أسباب ذلك، إلا أن مصادر عزت التراجع إلى انخفاض الطلب على الصادرات الصينية، وانخفاض قيمة اليوان الصيني مقابل الدولار.
ويبلغ سعر إيجار الغرفة الواحدة شهريا في تونغ جو، التي تبعد 22 كيلومترا شرقي مركز المدينة، 2500 رينمينبي (وهو اسم آخر لليوان).

ويقول الأمريكي أوم بافالو، الذي يعيش حاليا في بكين: “لكن أفضل ما يمكنك القيام به كأجنبي هو أن تجد غرفة أكثر قربا لمركز المدينة بحوالي 4000 رينمينبي، وهو ما يمكنك فعله حقا في الأجزاء الجيدة من المدينة قرب سانليتون (على بعد تسعة كيلومترات إلى الشمال الشرقي من المركز)، وغولو (على مسافة خمسة كيلومترات من المركز)”.

ما الذي يجعل سنغافورة “أغلى” مدينة في العالم؟

وبشكل عام، فإن جنوب وغرب مدينة بكين أرخص من شمالها وشرقها. وهناك طرق أخرى لتوفير المال تشمل استخدام قطار الأنفاق بدلا من سيارات التاكسي.

ويقول جوش أونغ، مدير التسويق الدولي والاتصالات في شركة “تشيتا موبايل” في الصين: “إن استخدام التاكسي للرحلات المتوسطة والطويلة في بكين يستغرق وقتا أطول، ويكلف أكثر بكثير من قطار الأنفاق”.

ويضيف: “في البداية، يكون ذلك شاقا بعض الشيء، خصوصا أثناء ساعات الذروة، لكن بقليل من البحث تستطيع أن تعرف طريقك”.

أما عن الطعام، فيقول أونغ: “الطعام الغربي في الصين هو الأغلى سعرا. لكن هناك محلات تقدم شرائط المكرونة، ومحلات تقدم الحلوى على مقربة من مكان إقامتك”.


لاغوس – نيجيريا
تراجعت أيضا العاصمة النيجيرية لاغوس بمقدار 16 موقعا في الترتيب، بسبب تراجع أسعار النفط العالمية، إذ يعتبر النفط أهم صادرات البلاد. وربما يكون ذلك جيدا للموظفين الأجانب، لكن هاشم زين، سفير جمعية الوافدين الأجانب التي تحمل اسم “إنترنيشن”، وهو أمريكي من أصول عربية، يقول إن ذلك قد يخلق تحديات أمنية إضافية، إذ أن التضخم في سعر العملة أدى إلى رفع أسعار السلع بالنسبة للسكان المحليين، وهو الأمر الذي قد يقود إلى السرقة، وغيرها من الجرائم المشابهة.ويقول السكان المحليون إنه لا ينبغي لهذه التغيرات أن تدفع أحدا لمغادرة نيجيريا. ويقول زين: “أشعر بأنني في وطني هنا في نيجيريا، بسبب موقف وطريقة تعامل الناس. روح المبادرة والإصرار، إضافة لوجود متسع من الوقت للفرحة بغض النظر عن الظروف الصعبة، من الأمور التي تشجعك على البقاء”.وتنقسم لاغوس إلى قسمين رئيسيين: المدينة الرئيسية والجزيرة (والتي تتألف فعليا من عدة جزر، لكنها منفصلة عن المدينة الرئيسية ببحيرة لاغوس).

ويقطن غالبية الأجانب في منطقة الجزيرة، بما في ذلك ضاحية فيكتوريا الثرية على بعد 17 كيلومترا جنوبي مركز المدينة، وهي جزء من شبه جزيرة ليكي، أو في منطقة إيكويي المساوية لها في الثراء، وهي ضاحية تتألف من جزيرة بمفردها، وتبعد 15 كيلومترا جنوبا من مركز المدينة، وكانت قد شُيدت للوافدين البريطانيين أثناء الاستعمار البريطاني.

دليل المغتربين للعيش في “أغلى مدن العالم”

وعلى مقربة منها، شُيدت مدينة جديدة هي “ليكي فيز”، وتقع على بعد عدة كيلومترات من الجزيرة.

وعلى الأرجح، يحتاج الذين يعملون في مجال التصنيع إلى الإقامة في المدينة الرئيسية وليس في الجزيرة. وبعض أفضل المناطق المفضلة للأجانب هي ليكيجا (15 كيلومترا شمال مركز المدينة)، وليوبيجو (ثمانية كيلومترات شمالا).
مكسيكو سيتي – المكسيك

تحتل هذه المدينة المركز رقم 82 من بين 132 مدينة في عام 2017 في قائمة الإيكونوميست للمدن الأكثر تكلفة. وكانت مكسيكو سيتي على الدوام من المدن ذات التكلفة المنخفضة، لكنها تراجعت أكثر لتسع مراكز أخرى في ترتيب هذا العام.

وبينما تتراجع قيمة العملة المكسيكية مقارنة بالعملات الأجنبية، ترتفع معدلات التضخم، وتزداد أسعار السلع قليلا، بما في ذلك أجرة الحافلات، بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وهو الأمر الذي تسبب في احتجاجات واسعة شهدتها المدينة مؤخرا.

ولهذا السبب، فإن المشي لمحطة المترو أفضل من الحافلة، كما تقول لورين كوكينغ، القادمة من لندن، والتي كتبت ذلك في مدونتها بعنوان “مدونة السفر إلى المكسيك”.

وبينما تعتمد كوكينغ على المواصلات العامة وتفضلها على المواصلات الخاصة، إلا أنها توصي باستخدام خدمة تاكسي أوبر للتنقل في ساعات الليل المتأخرة، وتقول: “غالبا هي أرخص من التاكسي العادي، وأكثر أمانا من المواصلات العامة، خاصة في ساعات الليل المتأخرة”.

ومن السهل أيضا توفير المال بالتسوق في تيانغويس (أو الأسواق المحلية) بدلا من أسواق السوبرماركت الكبيرة. وتقول كوكينغ: “لا تكاد تصدق فرق السعر. فالطعام هو الجانب الحياتي المفضل لدي هنا”.

وتقول إن معظم الأجانب يأتون إلى ضاحيتي روما، ووكونديسا، لكن هاتين المنطقتين قد لا يعكسان الحياة الحقيقية للمدينة. وتوصي بالسكن في الضواحي، مثل نارفارتي أو ديل فالي (على بعد 7.5 و9 كيلومتر جنوب المدينة).

وتقول: “هذه الضواحي سكنية، وتعكس الحياة المكسيكية الحقيقية، وفي مأمن نسبي من الزلازل. ونفس الشيء يقال عن ضواح في جنوب المدينة، مثل كوبيلكو، و كويواكان، على بعد 15 و12 كيلومترا جنوبي المدينة”.

وتقول ناتالي بي، وهي مكسيكية تعمل في شركة السياحة المكسيكية “ماي لوكال كازن”: “كويواكان ضاحية جميلة من العصر الاستعماري، وتكثر فيها البيوت التقليدية والحدائق الجميلة، والشوارع الهادئة، وهي منطقة تسوق تعج بالحركة والأطعمة اللذيذة المباعة في الشوارع والترفيه”.

كيف يتغلب المغتربون على ارتفاع تكاليف المدارس؟

وتضيف: “أما لمن يفضلون عيش تجربة مكسيكية أكثر تقليدية في منطقة سكنية، فإن مدينة لا نارفارتي تعد خيارا جيدا. وقد بنيت هذه الضاحية في فترة الأربعينيات وحتى السبعينيات، ومازالت تحتفظ بالطراز المعماري الأصلي، والشوارع الهادئة، والأجواء العائلية”.
بوينس آيرس – الأرجنتين

بعد لندن، شهدت العاصمة الأرجنتيية بوينس آيرس أكبر تراجع في قائمة المدن التي انخفضت تكاليف المعيشة فيها.

وقد تراجعت بوينس آيريس بمقدار 20 مركزا، وذلك بسبب هشاشة الاقتصاد الأرجنتيني. وقد اعتاد سكان المدينة على هذا التقلب في الأسعار، كما تقول مادي لانغ، وهي أمريكية تعيش في المدينة منذ عشر سنوات، وتدير موقع “بوابة بوينس أيرس الثقافية” على الإنترنت.

وتقول لانغ: “الاقتصاد شديد التقلب. لكن السكان هنا لا يبدون اكتراثا لذلك طالما توفرت اللحوم للشواء”.

وتصف لولا بلاك، مرشدة وسفيرة في جمعية “إنترنيشنز” هذه المدينة بأنها حضرية، لا تخطيء العين جمالها، ويسودها الاسترخاء، وتحمل مزيجا من اللمسة الأوروبية واللاتينية”.

ومن أجل الاستمتاع بهذا الإحساس، ينبغي أن يفكر الأجانب في العيش في مدينة بورتو ماديرو، على بعد أربعة كيلومترات جنوب غربي مركزالمدينة، وهو حي نظيف راقٍ يقع على مقربة من المحيط، أو في حي سان تيلمو التاريخي، على بعد أربعة كيلومترات جنوبي مركز المدينة، لكن هذه المنطقة غير آمنة.

أما الزائرون للمدينة للاستمتاع برقصة التانغو التي تشتهر بها، فما عليهم إلا أن يقيموا في منطقة ألماغرو، التي تقع في الوسط، على بعد ستة كيلومترات من مركز المدينة.

تقول لانغ: “تعتبر هذه المنطقة مثالية نظرا لموقعها المتوسط. فهي قريبة من منطقة باليرمو السياحية، ومنها يسهل الوصول إلى مركز المدينة. وتجد في هذه المنطقة البارات والمطاعم، وصالات التانغو، والفرق التي تعزف الموسيقى، وحياة حقيقية كاملة”.

الكثير من الأنشطة المجانية والحدائق أيضا تجعل المدينة منخفضة التكلفة.

وتقول لانغ: “مئات المجمعات التجارية والحدائق تمثل بيئة مثالية لقضاء الأمسيات في شرب الشاي التقليدي في بلادنا، وفي التأمل والاسترخاء”.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .