أنواكشوط_الثمانينات أحــداث بقـيـت فـي الـذاكـرة

مع مطلع الثمانينات بدأت المقاطعات الجديدة في انواكشوط (بعيد توزيع الأراضي منتصف السبعينات) والذي تم خلاله ترحيل سكان الأحياء (المخيمات) الموجودة أنذاك غير بعيد من القصر الرئاسي في المنطقة المسماة حاليا ” تفرغ زينه ” والمعروفة شعبيا أنذاك ب ” حلة شرويطة ” ….إلي جنوب غرب أنواكشوط (السبخة والميناء حاليا) والتي سميت أنذاك … “المقاطعة الخامسة ” و ” المقاطعة السادسة ” علي التوالي تبعا للتقسيم الإداري المتبع أنذاك المعتمد علي الأرقام ..من المقاطعة الأولي (التيارت)…..إلي المقاطعة السادسة ( الميناء )
…..بدأت في التطور والتمدد ..وسرعان ماتشكلت حولها أحياء عشوائية أو أحياء إنتظار (كبات ) …كانت تضم تجمعات كبيرة من السكان أغلبهم من النازحين الجدد إلي أنواكشوط..كانت تلك الأحياء رغم الفقر وضيق ذات اليد… بيئة بسيطة وآمنة وجميلة….تعايش فيها السكان من كل الأجناس…. غير بعيد منها كانت توجد ” الوقفة أو Arrêt bus “وهي ملتقي بين المقاطعتين الخامسةوالسادسة ومحطة نهائية للتاكسيات وحافلات STPN. الشهيرة…أنذاك وهي حافلات كانت تذكرتها من الميناء إلي التيارت ب 5 أواق ثم أصبحت لاحقا 10 أواق كانت هذه الحافلات محط إعجاب وإهتمام كبير من لدنا نحن أطفال الثمانينات ..وكثيرا ماتتبعنا سائقيها وهم يصعدون إليها ويهبطون منها كمن يتتبع طاقم مكوك فضائي….! كان ب ” الوقفة ” ملعب يسمي ” أملمب ” تجري فيه دائما مباريات في المصارعة التقليدية ” أمبر “.. تحظي بجمهور كبير ….خصوصا أيام العطل ……وكانت ” Arret bus “….بالنسبة لنا قمة التحضر والتطور…بحافلاتها..أضواءها…مطاعمها كماكانت زيارتهافرصةلاتعوض…………………..كنت هناك أنذاك في بدايات الدراسة ” اللوح ” وفي أيام ” خرود ” كنت أذهب إلي العاصمة (كبتال) …..كنت مع جدتي ” ميمونة بنت النابغة اليعقوبي “…تلك المرأة التقية العابدة والمستغفرة في الأسحار…وبقية السلف الصالح… تغمدها الله في فسيح جناته …وكانت مُدرستي ” مرابطتي ” للقرآن الكريم المرأة الفاضلةو العابدة ” آمِنَةٌ بِنْتْ الْحٌمٌدْ اليعقوبي ” و نِعمٓ الوالدة والمربية…..لا أنسي أنني كنت لديها تلميذا مدللا…وغمرتني بكل العطف والحنان وكان لها الفضل بعد الله سبحانه وتعالي في تمكني من القراءة والكتابة وحفظ سور من القرآن الكريم….ورغم جلوسي سنوات عديدة علي مقاعد الدراسة…. مازالت صورتها ماثلة أمامي …وهي تمسك اللوح ” لتكتب لي….الأحرف الأولي..فلها مني كل العرفان بالجميل والإمتنان…تغمدها الله في فسيح جناته.
بقيت من تلك الفترة ومابعدها أحداث كثيىرة عالقة في الذهن…. رغم حداثة السن وإن كان الكثير من التفاصيل قد طواه النسيان…!!
* — كـومانـدوس 16 مـارس 1981—
ضحي ذلك اليوم …كنا مجموعة أطفال علي وشك الإنتهاء من ” اللوح ” …عندما أهتزت جوانب الكوخ الذي نستظله …وترددت أصوات قذائف وإنفجارات من بعيد …لم ندرك الأمر…..لاحظنا حركة غيرطبيعيةسرت في الحي…كانت لاتخفي علي العيان..! ثم بعد ذلك تفرقنا كل إلي أهله…بعيد ساعات بدأت الأخبار تتوارد.. قال قادمون من ” الوقفة ” Arrêt bus أن ” الدشرة ” فيها إنقلاب.. و ..” لخبيط ” ..و..” الصنادره “…… بحلول ساعات المساء بدأ الناس يرددون بعض الأسماء …وبحلول الليل تحلق الجميع حول الراديو الذي أذاع بيانا يفيد بفشل المحاولة….وقال البيان إن كوماندوس قادم من المغرب بقيادة ……الكولونيل محمدولد أباه ولدعبدالقادر(كادير)…و….الكولونيل أحمدسالم ولد سيدي..والملازم دودو سك…رحم الله الجميع ..قد سيطروا علي معظم المناطق الحساسة ….لمدةساعات…بهدف قلب نظام الحكم…وأن العملية قد تم إفشالها ..وقد قبض علي الجميع…مرت أيام ثم أيام …والكوماندوس علي كل لسان …وكان لهذا الحدث صدي كبيرا لدي الأطفال….فغير بعيد من حيناكانت توجد بقايا سيارات قديمة (كراج للبناني) كانت “عصبتنا ” تتخذ منها معسكرا …كانت ” العصبة ” من أطفال الحي في تلك الفترة تسمي ” أرْمَي Armée ” وهي تجمعات من الأطفال والمراهقين…يكونون مسلحين بعصي أوحجارة …وقل أن تخْلوا من قناصة مسلحين بمقاليع ” أمبقات ” Lance-pierres ..وقد تتخذ أحيانا قبعات وأحزمة من المواد المتوفرة…وتقيم نقاط تفتيش في بعض الأزقة لأعتراض ” الأطفال الأعداء” ..ويقود هذه التجمعات عادة أطفال ” مقدامين ” و ” سلطويين “…..كانت هذه التجمعات ” أرمات ” السمة الغالبة لأطفال ومراهقي.. ذالك الجيل…وأرجح أن من أسبابها ” حرب الصحراء ” ….كما كان كوماندوس 16 مارس مصدر إلهام لها…!!
* — تطـبـيق الـشريـعـة الإسـلامـيـة ___ “إقامة الحدود ”
تميزت فترة حكم المقدم ” محمدخونا ولد هيداله القصيرة نسبيا ( 4يناير1980 إلي12دجمبر1984) بعدد كبير من القرارات والخطوات الجريئة…مثل قرارإقامة الحدود (تطبيق الشريعة)..وتغيير عطلة الأسبوع إلي الجمعة..والقيام بأعمال تطوع مثل إزاحة الرمال عن طريق في تنسويلم وتسميته شارع 24 نسبة إلي خطاب ولد هيداله في 24 أبريل…. وإن لم يتم تعبيده إلا في فترة الرئيس ولد الطايع….غير أن هذا كله كان يجري في جو يطبعه التخبط والديكتاتورية…ومحاولة تطبيق أنظمة سياسية وإقتصادية مستوردة…مثل هياكل تهذيب الجماهير وهي تشبه إلي حد كبير …بخلاياها.. ولجانها… وكشافتها (فتية الجماهير)… بعض أنظمة الحكم في مناطق أخري وكان من نجومها أنذاك ” النقيب أبريكه ولد أمبارك ….في صباح أحد تلك الأيام ..أظنه عام 81 أو 82 لا أتذكر… توقفت سيارة بيجو 404 كاميونت أمامنا …أحضرها ابن العم والوالد ” أحمد محفوظ ولد أبات ” رحمه الله…وكان أنذاك المدير المساعد لمكتب ” رابطة العالم الإسلامي ” بإنواكشوط …ركب الجميع وركبت…كانت الوجهة إلي شاطئ البحر قرب فندق صباح حيث سيتم تنفيذ بعض الحدود الشرعية ( قصاص….وقطع أيدي..) وهو ما كان يسمي شعبيا تطبيق الشريعة…وصلنا الساحة كانت جموع كبيرة من أهل انواكشوط موجودة ..علماء..ومسؤولين …ومواطنين..رجالا ونساء ..شيبا وشبابا وأطفالا…بعد الإجراءات المعهودة دوي أزيز بضع رصاصات … وأنزل الرجل المنفذ فيه القصاص من علي العمود ..ثم نفذت عملية قطع اليد (لا أتذكر بالضبط أي العمليتين كانت هي الأولي)… وكان هناك حماس وتفاعل كبير من الجماهير الحاضرة …كما كان حضور العلماء والقضاة..بارزا تلك الأيام سمعت – فيما بعد- أنه كان من بينهم فضيلة الإمام “بداه ولد البوصيري “رحمه الله …و فضيلة القاضي ” أبين ولد ببانه ” حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية وهو أحدأبرز القضاة الذين واكبوا تطبيق الشريعة أنذاك ……حضرت بعد ذلك في ملعب العاصمة ( غير بعيد من منزلنا) إقامة حد الجلد علي بعض الأفراد …واتذكر أنذاك ونحن صغار في مدرجات ذلك الملعب…أن كل منفذي الحد والمقام عليهم كانوا ملثمين..وكانت هذه العملية تتم تحت حراسة مشددة وتنظيم دقيق وإن شابها بعض القصوركمايقول البعض.
*— إنـقـلاب 12/12 /1984_____________
كان صباحا عاديا من صباحات أنواكشوط ..لنا كتلاميذ في السنة الرابعة إبتدائية…وسط العاصمة أنذاك…بعيد خروجنا من المدرسة بقليل بدأنا نسمع حديث الناس عن ..حدوث إنقلاب …سقوط الرئيس… اللجنة العسكرية…معاوية…لم تكن تلك المسميات تمثل لنا الكثير…ولم نفهم الكثير من التفاصيل… بعودتنا للمدرسة في المساء( كانت الدراسة أنذاك بفترة صباحية وأخري مسائية)… حدثنا زميلنا في الفصل (خ. ع) كثيرا ..عن قريبه الرئيس الجديد …لم يمض يوم أو أثنين…حتي أنطلقت مسيرات تأييد في كل مكان (أطلق سراح كل السجناء السياسيين أنذاك)… كانت هتافات… فيف معاوية…فيف معاوية(وهي هتافات ستستمر بعدذلك بفترة طويلة وستتطور…!!) في كل مكان ..سرنا مرارا في تلك التظاهرات بجانب سيارة الإذاعة (سيارة حمراء مرتفعة نسبيا عن الأرض كنا نراها دائما في الإحتفالات)…كانت أغلب هذه المسيرات تنتهي في الساحة الواقعة أمام القصر الرئاسي “القديم ” وهي الساحة التي كثيرا ماأرتدناها أنذاك للعب الكرة وكانت تسمي ” تيريه مينيستير Terrain ministères ” وقد أصبحت الآن جزءًا من حديقة القصر الرئاسي…..
* — أول إنـتـخابات بـلـديـة تـعـدديـة 1986
مساء ذكري عيد الإستقلال 28/11/1986 كنا مجموعة أطفال … غير بعيد من كارفور BMD …ننتظر أحد باصات STPN…نمني أنفسنا باللحاق بإنزال المظليين الذي كان ينظم يومذاك شمال تيارت…وبينما نحن نروح ونجيء ..في ذلك المكان قطع السكون أصوات أبواق السيارات(أغلبها أنذاك بيجو 504 ..ورينو R12…)..ومكبرات الصوت…تدعواللتصويت للائحة الزرقاء …وبعضها للائحة الصفراء…. وبدون تردد أعتلينا إحدي تلك السيارات وهتفنا كمايهتف البعض…!! .وقد أستغرق منا الأمر أياما لندرك أنها حملة إنتخابية للبلديات وبدأنا نتعرف علي أسماء اللوائح المترشحة وألوانها…أذكر أنها كانت أربعا ..زرقاء.. وبيضاء..وحمراء..وصفراء……أشتدت المنافسةبينها… خصوصا بين اللائحة الزرقاء(الخظره) المدعومة أنذاك من الزعامات التقليدية وتحظي ب ” دعم ” الدولة..و اللائحة البيضاء (البيظه) بزعامة الدكتور ” محمد محمود ولد أماه ” وتحظي بدعم وتعاطف كبير من الشباب والأطرو بعض الحركات السياسية ..كانت لهذه الإنتخابات لكونها أول إنتخابات تعددية” ديمقراطية ” صدي كبيرا في أنواكشوط وداخل البلاد حيث خلفت مشاحنات وإنقسامات إستمرت لفترة طويلة بعدذلك..! في أنواكشوط فازت اللا ئحة الزرقاء وإن بفارق ضئيل علي اللائحة البيضاء في الشوط الثاني يوم 19/ دجمبر ..وبسبب خلافات بين أعضاء اللائحة” الزرقاء ” الفائزة أستطاع الدكتور “ولد أماه “ من اللائحة “البيضاء ” الفوز بمنصب ” أول عمدة منتخب لبلدية أنواكشوط ” في الثمانينات..
* — أحـداث 89 الـعـرقـيـة______________
في السنوات الأخيرة من الثمانينات بدأنا نسمع عن ماسمي ” قوات تحرير أفارقة موريتانيا ” المعروفة ب ” FLAM ” … ورأينا تظاهرات لأفراد منها أو متعاطفين معها…وأكثر من مرة ونحن طلابا في ” إعدادية البنين ” أخرجنا من الفصول بعد أن أجتاح مدرستنا طلاب متعاطفين معها…..! أغلبهم قادمين أنذاك من “الثانوية الفنية ” …كما شاع تلك الفترة أن بعض أفرادها قاموا بإحراق بعض سيارات SG ” سيارات حكومية ” ….وفي نفس الفترة عام 1986 وزع منشور “الزنجي الموريتاني المضهد ” الذي لم يكـِل الكثير من ” المديح ” للنظام الحاكم أنذاك وللمكون ” العربي ” من الشعب الموريتاني .. وكان في نظر البعض إمتدادًا ل ” بيان 19 “عام 1966…ثم جاءت المحاولة الإنقلابية عام1987 التي قام بها ضباط زنوج شباب ..وأعقبتها إعتقالات ..ثم إعدامات…كانت سماء أنواكشوط تزداد تلبدًا بالغيوم……ولم يكن السياسيون عن ذلك ببعيد …ووصلت تلك التوترات إلي الجارة الجنوبية السينغال ..حيث تعرض الموريتانيون ( المكون العربي بأبيضه وأسمره..) هناك لحملات تشويه ومضايقات من أطراف لها علاقة ب ” حركةأفلام ” الموريتانية…ولم تكن تنقص الوضع ..إلا الشرارة …وجاءت هذه الشرارة في أحد أيام شهر ابريل1989…حادث حدودي بين رعاة زنوج موريتانيين و مزارعين زنوج سينغاليين… ولم يكن ل ” البيظان ” فيه ناقة ولا جمل …بدأ السلب والنهب لمحلات الموريتانيين …ثم تطور الأمر إلي الإعتداءات الجسدية والقتل والسحل… وحاول بعض الساسة السينغاليين إمتطاء تلك الأحداث لتحقيق المكاسب …منهم ” عبدو جوف ” و ” عبدالله واد “…و آخرون …مع بدأ وصول الفارين من الأحداث في السينغال أواخر شهر أبريل ( رمضان أنذاك) بدأت مناوشات في مقاطعة الميناء والسبخة….ثم أنتقلت تدريجيا إلي العاصمة ..ذلك اليوم كنا في ساحة إعدادية البنين…رأينا الأدخنة تتصاعد وبدأت تصل إلينا أصوات وصيحات تلك المناوشات…لم تصل ساعات مساء ذلك اليوم …حتي تحولت تلك المناوشات إلي عمليات سلب ونهب لدور ومحلات السينغاليين…جاء الليل وخلت الشوارع تلك الليلة من الحركة…في اليوم الثاني بلغت الأحداث ذروتها وأنتقلت إلي مناطق أخري بعيدة ..مثل ” أنواذيبو ” …وسقط قتلي… وبدأت هذه العمليات تطال بعض ” الزنوج الموريتانيين ” حيث نهبت دورهم ومحلاتهم ولم تسلم أرواحهم أحيانا …من طرف بعض “الغوغاء ” الذين لم يرعون فيهم إلاً ولا ذمة…للأسف الشديد
في مساء اليوم الثاني وقبيل الإفطار تدخلت السلطات بحزم… وسيرت سيارات تحمل مكبرات صوت تحذر الناس من الخروج بعد السادسة (حظر للتجوال) كثيرا مافرض في الثمانينات والتسعينات..!! مرت علي إحدي هذه السيارات ذلك المساء في ” سوكوجيم PS ” حيث أسكن أنذاك ….. ثم بدأت السلطات تجميع السينغاليين في “جامع ابن عباس “..تمهيدا لتسفيرهم إلي السينغال…كان لأحداث أنواكشوط تلك صدي سيئا في داكار …حيث أشتدت عمليات النهب والقتل بحق ” البيظان “…ولم تمض أيام حتي طويت صفحة التواجد ” البيظاني ” في السينغال التي مرت عليها عقود كثيرة …!! وبدأ الجسر الجوي بين موريتانيا والسينغال لنقل مواطني البلدين………… وفتح جرح لم يندمل حتي الآن !
#أنواكشوط_الثمانينات
من صفحة Ahmed Ebatt