ذاكرة مدرس… كيهيدي وشبح الفتنة.. (1) / ممو الخراش

ممو الخراش

“مورينيوز” (خاص)- المدارس المهنية كالموت، فهي أعسر ما قبلها وأهون ما بعدها، ندخلها بعقل كبير، ومعلومات وافرة ومبعثرة، ونخرج منها بعقل صغير، ومعلومات قليلة جدا لكنها منظمة.

اصطفت باصات تابعة لشركة “اكلوبال” مقابل المدرسة العليا للتعليم في يوم قائظ، قبل افتتاح العام الدراسي (٢٠١١ – ٢٠١٢) بيوم واحد، كانت كالبنيان صففه العاملون، جلست إلى جانب شقيقي الحسن وزميلي محمد الأمين، في رحلة ماتعة في ظاهرها، حيث الوجوه التي تحفنا نعرفها في مجملها، كنا طلابا في نفس المكان وربما اقتسمنا الأغراض وزهيد الزاد في الحي السكني. شغل محرك الباص وانطلق يفري بنا البيد، وفي الطريق انضم إلينا عسكري متوجه إلى مدينة كيهيدي، فتحلقنا حوله نسأله عن تضاريس الولاية، وعن مائها، وهوائها، وغذائها… وبعد غروب الشمس دخلنا المدينة، فكانت المحطةُ الرابيةَ التي يقع عليها مبنى الولاية.

“كيهيدي” في ذلك الوقت تغلي، وشبح الصراع العرقي باد للعيان، فقبل أيام قتل الشاب “لامين مانغان” في “مقامه” برصاص رجال الدرك، وأحرق مبنى العدالة بكيهيدي وباص تابع للشرطة.

كنا قد توقفنا عند بوابة الإدارة الجهوية للتعليم، فوجدناها مغلقة، وواصلنا المسير إلى أن نزلنا مقابل بوابة الولاية، فتلقتنا الكتيبة المرابطة هنالك بالترحاب (قرابة عشر سيارات رباعية الدفع) كانوا شبابا ولم أستبن فصيلهم الأمني أو العسكري، قالوا: “مرحبا بكم، المدينة كما ترون، ونخشى أن تستهدفوا أو بالأحرى يستهدف بعضكم، عليكم أن تحتموا بالولاية أو على الأقل تبيتوا هنا نحرسكم حتى الصباح…” طرحنا عليهم بعض الأسئلة، فنحن لا نستريح دون سؤال. وبعد لحظات جاءت أوامر الوالي بإخلاء المكان، فأمرونا بالمغادرة، وأكبادهم تكاد تَفطّر حسرة، لكنها أوامر.

صعدنا إلى الباص مرة أخرى، وبدأ ينزل من الرابية، فكان كأنما يهوي بنا في بئر بعيدة القاع، خيم الصمت علينا، وبعد أقل من نصف ساعة لم يبق ملتئما منا إلا ثمانية، كنت وأخي ومحمد الأمين من بينهم والبقية معلمون لم نكن نعرفهم لكن “… المصائب يجمعن المصابينا”. نزلنا عند المحطة، وهنالك اتصل بي شخص يستقدمني وأخي إلى منزله، فشكرته، وقلت له سأتصل بكم لاحقا، لم أستوعب فكرة ترك الزملاء – خصوصا بعد نقص العدد – يواجهون ما يحتمل أن يواجهوه، فقد كانت الجموع تتحرش بنا، فرد الأخ ببيت أبي البختري: “لا يسلم ابن حرة زميله @ حتى يموت أو يرى سبيله” فاطمأن قلبي وكنت مؤمنا بذلك.

بدأنا البحث عن ملجأ جماعي، فأكرمنا أحد التجار بتأمين الحقائب، وقفلنا باتجاه المسجد فوجدناه مغلقا وحوله حصير بال ضربنا فوقه “الناموسيات” وبتنا – رغم التعب – مستيقظين نائمين، كأن ضئيلة النابغة ساورتنا.

كانت إقامة صلاة الفجر بصيص أمل، وإن كان الإصباح ليس بأمثل من الليل، حيث تبدأ الاشتباكات باكرا وتنتهي مساء. غادرنا عند الساعة السابعة صباحا باتجاه الإدارة الجهوية، وكانت المدينة شاحبة اللون، مدينة أشباح ممتلئة الرئتين بدخان الإطارات المشتعلة، وواجهاتُ المحلات مكسرة الزجاج، وأفراد الشرطة منتشرون في كل مكان.

بدا المدير الجهوي متجهما كالمدينة، غريب الأطوار، مستفز الكلام، وقد اعتذر عن عدم الاستقبال بأن النحل هاجم مبنى الإدارة أمس، لكنه فاته أن بعضا من نظرائه استقبلوا زملاءنا في منازلهم!

بعد خمس ساعات من الانتظار ثبتت اللائحة على الجدار، (أخي الحسن محول إلى ثانوية “مقامه”، وأنا والزميل محمد الأمين إلى ثانوية “جول”…) كان هذا أول يوم نفترق فيه (أنا وأخي) فقد التحقنا بالمدرسة في يوم واحد، وجمعتنا الجامعة، وكذا المدرسة العليا للتعليم… تمنيت أن أكون أنا الذاهب إلى “مقامه” النائية الملتهبة…

 

شارك