5 سنوات بعد «سيرفال» و«برخان» انبعاث «القاعدة» والجماعات المقاتلة في شمال مالي ودول الساحل…

انقضت 5 أعوام على بدء العملية العسكرية الفرنسية «سيرفال»، في 11 كانون الثاني (يناير) 2013، وطردها «الجهاديين» من تومبوكتو. ولم يعد القضاء على سلطة «القاعدة» في عاصمة شمال مالي، السلام إلى المدينة، ولم يفضِ الحسم العسكري إلى حل سياسي مستقر. والسكان السود يتحفظون تحفظاً شديداً عن «الجلود البيض»، العرب المتهمين بالمصائب كلها. ويغلق الدرك القادمون من جنوب البلاد أبواب مخافرهم خشية اصطيادهم إذا هم خرجوا إلى الشوارع. ويلاحظ بوكر صادق، أحد مساعدي رئيس بلدية تومبوكتو، أن اختلاط الأقوام والجماعات الذي اعتادته المدينة حل محله تباعدها وانفصالها. ويحضن قاع تومبوكتو وشاة ومخبرين يعملون في خدمة إسلاميين مسلحين، وقطاع طرق، إلى المافيات السياسية وعصابات الجريمة. وتعقد هذه الجماعات في ما بينها أحلافاً متقلبة تمليها مصالح ظرفية. فإذا تغيرت هذه المصالح اقتتل حلفاء الأمس.

ومعظم «قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي»، فرع «القاعدة» في بلدان الساحل، قتلوا في المرحلة الأولى من العملية الفرنسية. ونجح بعضهم في الهرب والنجاة بنفسه، على شاكلة هوكا هوكا، قاضي القضاء الشرعي في تومبوكتو. وأطلق سراح هوكا هوكا، بعد أن قضى سنتين في السجن وفاوضت جماعات غير جهادية على إخلائه. ومذ ذاك، يتولى «القاضي» قطع الأيدي والأرجل في إقطاعه بزويرا. ويحمل اضمحلال سلطة الدولة الأهالي، أو شطراً متعاظماً منهم، على القول أن الشريعة قد تكون علاج الظلم المتمادي، على ما يلاحظ صحافي محلي.

ودينا وُلد دايا مثل آخر على التباس الأدوار والأشخاص. فهو أحد قادة «حركة أزواد العربية» من وجه أول، وأحد النافذين المحليين، من وجه آخر. ولا يجهل أحد مشاركته الفاعلة في تجارة المخدرات، وفي تهريب المهاجرين. وكان في صفوف «قاعدة الجهاد» حين استولت على تومبوكتو، في نيسان (أبريل) 2012، قبل أن يطرده منها زعيم «القاعدة»، أبو زيد. فانكفأ على بلده، بير، وانضم إلى «الميثاق، وهو جبهة جمعت عدداً من الجماعات المالية الموالية للحكومة التي وقعت بمدينة الجزائر، في 2015، اتفاق سلام بقي حبراً على ورق.

وخارج تومبوكتو، يقطع «الجهاديون» الطرق، وينصبون الكمائن، ويزرعون الألغام، ويقتلون من يتهمونهم بالتعاون مع السلطات والعمالة للقوات الفرنسية الخاصة. وفي 27 كانون الثاني (يناير) هاجم مقاتلو «الجهاد» قاعدة الجيش المالي في سومبي، وقتلوا 15 جندياً. ويقدر أحد مسؤولي الأمن في الأمم المتحدة تعاظم الأعمال الإرهابية والجنائية بـ3 أضعاف في السنتين الأخيرتين. وتومبوكتو محاصرة. والطريق التي تحاذي النهر خرجت عن حماية السلطة. وتربط تومبوكتو بباماكو رحلة يومية واحدة بالطائرة. وتقود عزلة تومبوكتو المدينة إلى أفولها. فترك قاصدوها زيارتها. وتحوّل أدلة السياحة مترجمين للقبعات الزرق. وخطفت راهبة منذ سنتين وفقد أثرها، وحاذر الأوروبيون المغامرة بزيارة المدينة التي تعد 333 ضريح ولي.

وعلى رغم هذه الحال أعيد فتح جامع سانكوري، ومكتبة الإمام السيوطي التي تضم عدداً كبيراً من المخطوطات القديمة، وبعضها يعود إلى القرن الهجري الرابع (الحادي عشر ميلادي). وفتحت جامعة المسجد أبوابها منذ سنتين. وكان الإمام ابن السيوطي، والد ألفاين السيوطي الذي رعى إخفاء المخطوطات حين احتلت «القاعدة» المدينة، داعية إسلام سمح وحرفي معاً. وإلى اليوم، تحظى دعوته بنفوذ كبير. وعلى خلاف العلماء السيوطيين، ينكر أهل الشمال، من طوارق وعرب، على علمائهم المرتبة والريادة، ويبايعون الجماعات الإرهابية وينخرطون في صفوفها. وهذا جوابهم عن الأزمان الاجتماعية والوجدانية الثقافية التي تعصف بجماعاتهم. وتلقى الجماعات الإرهابية في وسط مالي- وعلى الأخص في منطقة موبتي، وكانت في ما مضى تلقب بـ «بندقية (فينيسيا) مالي»-، ترحيباً ملحوظاً. فقوم البولز Peuls، وهم رعاة ماشية يتفرقون في بلدان الساحل، من السنغال إلى وسط أفريقيا، بؤرة غليان يتفاعل، وقد يجر مالي إلى دوامة جهنمية. وتنتشر الجماعات الجهادية في بلدان الجوار، بوركينا فاسو والنيجر، انتشار الخلايا السرطانية.

وتتولى العملية العسكرية الفرنسية، «بركان»، ومعها قوات أفريقية تحت علم الأمم المتحدة تعد 11 ألف عسكري من غير حماية يعتد بها، استيعاب التهديد، ولا تتعدى الاستيعاب إلى السيطرة والحصر. وغداة 5 سنوات على عملية «سيرفال»، تنزلق القوات الفرنسية والدولية إلى نزاع لا نهاية له. فـ «سيرفال» و «بركان» لم يرسيا حلاً لفشو الجماعات الجهادية في المنطقة، ولم يسع الجهود الدولية فرض السلم من طريق حل سياسي يبت الخلاف بين شمال توسعي وبين جنوب عاجز عن إنهاض دولة وإرسائها على ركن قوي، على رغم مساندة الممولين. وكانت الأمور تؤذن بغير ما آلت إليه حين طردت القوات الفرنسية جماعات «الجهاديين» التي احتلت مالي قبل عام. وفي ليلة 27 كانون الثاني (يناير) 2013 إلى 28 منه، استولت فرقة المظليين الثانية على تومبوكتو من غير مقاومة. وفي 2 شباط (فبراير) حط فرانسوا هولاند في المدينة وطمأن الماليين إلى بقاء القوات الفرنسية الوقت الذي يحتاجه إنجاز المهمة.

ولا شك في أن القوات الفرنسية شتّتت الجماعات المسلحة وقتلت معظم قادتها المعروفين، وطردت مقاتلين من المدن. ولكن هذه الجماعات عادت، بعد كمون دام بعض الوقت، فأحيت شبكاتها، وجددتها، واستأنفت عملياتها الإرهابية. ويتصدر «القاعدة»، والجماعات التي تدور في فلكها، إياد آغ غالي، قائد جماعة «أنصار الدين» الطوارقية. وبسط الرجل سلطته على جماعات مسلحة متفرقة، ووحدها في إطار «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين». وكان إياد آغ غالي، في مرحلة سبقت مرحلته القاعدية، مناضلاً في سبيل استقلال الطوارق وقائد حركات «قومية». ونسج في ذلك الوقت علاقات وثيقة بأجهزة الاستخبارات الجزائرية، الحريصة على مراقبة شمال مالي، حديقة الجزائر الخلفية. وانضم إلى «القاعدة» مع جماعته «أنصار الدين». واستولى مقاتل في صفوف «قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي»، في 2012، على الشطر المالي من الساحل. وتضافر انتسابه المحلي ونفوذه القومي، على رفع مكانته بين أقرانه في إدارة «قاعدة الجهاد» الجزائرية– الموريتانية».

ويعزو مراقبون العمر السياسي الطويل الذي تمتع به الإسلامي المالي إلى الرعاية الجزائرية. ففي مناسبات كثيرة حاولت السلطات الفرنسية قتل هذا الهدف البارز، فأتاحت له السلطات الجزائرية الانكفاء إلى أراضيها. وتعود إحدى هذه المحاولات إلى 2014، في تينزاوتين، على الحدود بين مالي والجزائر. وتنكر الأجهزة الجزائرية معرفتها بتنقلات الرجل ومخابئه، وفي اللقاء الأخير بين الرئيسين الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والفرنسي إيمانويل ماكرون، تجاهل الأول سؤال الثاني عن إياد آغ غالي. وكان موفد الرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كايتا التقى غالي في العاصمة الجزائرية مطلع 2017، وناقش الاثنان سبل المفاوضة بين باماكو و «أنصار الدين»، رأس حربة «القاعدة»، وتولى الإعداد للقاء عبدالملك سلال، رئيس الحكومة الجزائرية يومها. وبادرت إلى فتح قنوات حوار مع زعيم «أنصار الدين»، هيئات دينية محلية تعمل في باماكو.

والقوات المسلحة الجزائرية تضطلع بدور مؤثر في شمال مالي وفي بلدان الساحل عموماً. وترى هذه القوات أن النشاط الفرنسي والأميركي، الأمني والعسكري، يضر بمصالحها ونفوذها. والجزائر هي البلد الوحيد في هذا الشطر من أفريقيا الذي يتمنع من محاربة «الجهاديين» خارج حدوده. وعلى رغم تحفظها التقليدي، انخرطت موريتانيا أخيراً في الحرب على الجماعات الإسلامية المسلحة، وندبت وحدة عسكرية إلى المشاركة في قوة تساهم فيها مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وموريتانيا (الساحل G5). وإحدى مهماتها البارزة هي القتال على الحدود بين بوركينا فاسو ومالي حيث ينشط متمردون يقودهم داعية يبلغ الـ57 من العمر، ويدعى حمدون كوفا. ومعقلها في منطقة موبتي، وهي قطبة بين شطري مالي اللذين يدير واحدهما ظهره إلى الآخر.

وكوفا هو قائد كتيبة من كتائب «أنصار الدين»، وينتمي إلى قوم البولز، ويستلهم مثال سلطنة ثيوقراطية أسسها في القرن التاسع عشر الشيخ أمادو بازي، الصوفي الأصولي. وأسس شيخ الطريقة سلطنته في أعقاب جهاد رفع لواء الشريعة. ودرس كوفا في باكستان، وحين عودته أعلن الكفاح على وارثي الشيخ أمادو باري، وندد بفساد النخب المحلية، وطعن على ولائها للـ «مغتصبين» المتربعين في باماكو. وفي 2012، شارك في اجتياح «الجهاديين» تومبوكتو. وفي 9/1/2013، خاض إلى جنب «القاعدة»، معركة كونّا على جيش مالي الذي انهزم يومها، وسرعت هزيمته التدخل الفرنسي. وأيد إياد آغ غالي كوفا، ومده بالسلاح والمدربين، وأسعفه على إنشاء قوات خاصة في إمرته، وعلى استغلال نقمة قوم البولز على ملاكي الأرض الذين يسطون على السكان، ويصادرون حصة من إنتاجهم. وتحرض قوات حمدون كوفا، قومه على قومي بومبارا، والدوغون، وتتهمهما بالوكالة عن السلطة السوداء، البعيدة والمنسية في باماكو. ويبلغ عديد القوة 100 مقاتل إلى 150، ويتقاضى المقاتل 230 يورو حين تجنيده. ولا يحصي الرقم عدداً أكبر يدخل فيه الأتباع والمخبرون والأنصار اللوجستيون. ويتوقع آدم تيام، كاتب دراسة موثقة في أزمة وسط مالي، أن تؤدي اضطرابات الوسط إلى تقسيم مالي شطرين، وتحريض الشمال على الاستقلال، وإبقاء الوسط على حال تستدرج إلى شتى ضروب الانزلاق.

تييري أوبيرليه – مراسل عن «لوفيغارو» الفرنسية 29/1/2018.

المصدر