تحقيقات ومقابلاتموضوعات رئيسية

تلخيص كتاب “الدوائر السبع” (10 من 17) بقلم الدهماء: عن “البظان” “الخداعين الكذابين” و سجن الحمويين..

……………………………في الحامية العسكرية بِ “كيفه” التقيتُ بقريبي الرقيب-أول “كَيدجلي ونْيْ” ” Guidjilé Wagne” وهو من عِرقيَّتي و في مقام الخال بالنسبة لي، و أقمتُ عنده،.. أغلب المباني في “كيفه” من الطِّين و تتوسط “الحامية” مجموعة من الأكواخ الدائرية تجمعتْ في شكل قرية مُصغَّرة يتعايش فيها السود في ما بينهم.

“كَوميات البيظان” كانوا مُلْحقين “بالحاميَّة” يقطنون في حي داخل المدينة، مُخبرون،  يُنفقون جُلَّ الوقت في تفقُّد المحيط وجمع المعلومات من كل مكانٍ حول أماكن تواجد النَّاس، واهتماماتهم،… ويقدِّمون تقارير بذلك لقائد الدائرة،.. أما نحن فنتولى عادة تحت إمرة ” سيمبير” فضَّ النِّزاعات و استعادة المسروقات ، وغالبا ما تكون من الماشية، حيث لا يتوفر غيرها ليُسرق. كان السُّكان يخافوننا جدا فقد كنا مسلحين.

كانت أعداد “لحراطين” كبيرة، تتجمَّع في حي “آدوابه،” بعضهم حرَّرهُ أسيادهُ طَواعيَّة، ويطالبوهم ببعض انتاجهم مقابل استغلال الأرض، والبعض هرب من الأسياد و دخل تحت حماية الفرنسيين،.. و يتناوب “لحراطين” بين العمل للفرنسيين والعمل في زراعة الحقول.

كانت مهمتنا الأساسية جمع الضَّرائب، نتنقَّلُ بعيدا على الإبل والخيل بين القرى والمخيمات لجمع الماشية المستحقة للدولة الفرنسية كضرائب على الأهالي،.. يدفعون ” العشر” يسلِّمه لنا الزعيم نيابة عن جماعته ، و كان لزامًا على الأهالي إطعامنا وإذا امتنعوا نعْمَد إلى مواشيهم نذبح منها ونطعم أنفسها، ولا يمكنهم الاعتراض، فلدينا السلاح، والحقّ في التصرف هكذا.

نَسُوقُ المواشي المُتحصَّلِ عليها من الأهالي الى مدينة “كيفه” ويتولى القائد المساعد للدَّائرة احصاءها ومقارنتها بالضرائب المُبرمجة،  الناس خائفون ويدفعون المستحقات الضريبية في الأغلب كاملة.

خلال الإحصاء نرافق الفرنسيين لإحصاء السُّكان ونبقى على مسافة، “البيظان” خدَّاعون وكذَّابون جدًّا، يحاولون دائما إخفاء أعمالهم وخلط الروايات لتضليل “البيض”.

أنا طبعاً أرتاح لمجموعة “الفولْبي” المنحدرة من “البيل” الموجودة “بلعصابه”، إنهم لا يُصلُّون كثيرًا رغم كونهم مسلمين، يعيشون على جنب، يُؤْمنون جداًّ بالسِّحر، مضيافون، شجعان، ومتفاهمون مع “البيظان” وبينهم روابط بالرضاعة.

جاءتنا أوامر بالتوجه الى “عيون العتروس” لفض اشتباك بين  قبيلتين، وكانت تلك من أكبر المآسي التي شهدتها أثناء خدمتي في الحرس ، لم أعد أتذكر أسماء القبائل ، لكن النزاع كان بدوافع دينية ، إحدى الطائفتين تابعة للقادرية و الأخرى للحموية، من أتباع “الشيخ حماه الله”، “شيخ من نيورو” اعتقله الفرنسيون فترة قبل ذلك.

أحسستُ أن في الأمر شيء غريب لم أفهمه، لكن تبيَّنته بعد ذلك بزمن حين ذهبتُ الى “نيورو” بمالي،..

تم توقيف الكثير من “الحَمويِّين” وطردهم حيث يرى الفرنسيون أن طريقتهم تشكِّل خطورة على وجودهم هنا، كان الأمر غبيا، “الشيخ حماه الله” رجل صالح مشتغل بالدين التقيتُ ببعض اتباعه وانبهرتُ من علمهم وتقواهم  وخصوصا من نزعتهم الدينية، حيث لا يُدرِّسون إلا جهاد النَّفس، أي الحرب التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم  بإعلانها على شرور النفس. لكن “البيض” لم يفهموا شيئا.

“الحَمويَّة” قريبة من “التِّيجانية” طريقة “الشيخ أحمد التيجاني”،  تختلفان فقط في طريقة تكرار الورد، نحن نحفظه 12 مرة والحموية 11 مرة، لكن الظَّاهر أن بعض “التيجانيين  قد بلَّغ عنهم السلطات واتَّهموهم بالدعاية ضدَّ الفرنسيين ، بهدف واحد هو تحسين صورتهم لدى المستعمِر و تقويَّة مراكزهم داخل الطريقة..

عندما تلقَّى قائد دائرة “كيفه” الأمر بإرسال دعم عسكري هناك كان النِّزاع قد انتهى، لكن ظلَّ “البيض” يراقبون “الحَمويِّين” عن قُرب جدًّا، ومع الدَّعم القادم من ” تامشكط ”  طلبوا منا انتزاعهم من مُخيَّماتهم المحاربة:  الرجال والنساء و الماشية،..

الخلاف الدِّيني كان مجرَّد ذريعة  يتظاهرون بها  في  شجارهم ، الحقيقة أن الأقوى كان يُهاجم الأضعف و يسرق ماشيته. وبما أنَّهم استخدموا أسلحةً ناريةً، كانت الحكومة حذرة كلَّما تعلَّق الأمر “بالحمويين”،.. طلبوا منا أن نوقفهم جميعا و أن نجمعهم في مكانٍ واحدٍ، و أمرونا بتشييد حظيرتين كبيرتين، واحدة للرجال وأخرى للنساء، ونتحفَّظ عليهم إلى حين اتخاذ بشأنهم.

في النهاية أرسلوا مجموعة منهم الى سجن “أطار” وأودعوا الأخرى سجن كيفه،.. لكن قبل ذلك تركوهم وقتا طويلا تحت الشمس بلا ماء ولا طعام، تعبوا جدا،.. تعبوا لحد بعيدٍ، حتَّى النساء.

كان من القاسي أن نَسْجنهم ولا نستطيع أن نعطيهم الشراب،.. لم أكنْ الفاعل، كان عليَّ كحرسي تنفيذُ الأوامر.

حاولتُ دائما أن أكون عادلاً في عملي الذي أحببتُ وخدمتُ من خلاله السلم والعيش في أمان،  بتهدئة النزاعات  والحد من الجرائم.

…………………

يتواصل بإذن الله تعالى

…………………

ملخص من كتاب ” Les sept cercles, Une odyssée noire “، ” الدوائر السبع، ملحمة سوداء”، رؤية أحد ” الرماة السود” من مجتمع ” الهالبولار”  الموريتاني لواقع استعمار موريتانيا، صدر سنة (2015م)، بالتعاون  مع خبيرة الأنثروبولوجيا ”  Sophie Caratini ” ، نشرته مطابع ”  Thierry Marchaisse “، بفرنسا.

 

 

 

 

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى