تحقيقات ومقابلاتموضوعات رئيسية

يوميات صائم: “صواع الملك” / محمد رياض العشيري

 
أريد أن أقف اليوم عند جزء من سورة يوسف عليه السلام وحكاية “صواع” الملك.
والصواع هو القدح الذي كان يشرب به الملك، وهو أيضا قدح الكيل الذي يكال به. وكنا في بعض مدن مصر نستخدم هذا المكيال حتى وقت غير بعيد، وربما لا يزال مستخدما في بعض القرى.
وتبين حكاية “صواع الملك” رغبة يوسف عليه السلام في الإبقاء على أخيه بنيامين الذي جاء مع أخوته في رحلتهم الثانية إلى مصر. ولذلك افتعل واقعة الصواع، فوضع قدح الملك، الذي كان من فضة بحسب رواية التوراة، في وعاء بنيامين بعدما كال لهم ما جاءوا يبتاعون من غلال وحبوب. وبعد أن تركوا مجلس يوسف عليه السلام أعلن القصر عن السرقة، ووجه الاتهام إلى القافلة التي كانت تضم أبناء يعقوب عليه السلام.
“فَلَمَّاجَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ. قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ. قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ” (يوسف:٧٠-٧٢)
ودافع إخوة يوسف عن أنفسهم، نافين تهمة السرقة:
“قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَاكُنَّا سَارِقِينَ” (يوسف:٧٣)
لكن رجال القصر أرادوا استدراجهم لأنهم يعلمون أن “الصواع” في وعاء بنيامين، وأرادوا أن يكونوا منصفين معهم ويعاملوهم بحسب شريعتهم هم، في معاملة السارق:
“قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ. قَالُواْ جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ” (يوسف:٧٤-٧٥)
كانت شريعة يعقوب عليه السلام، وهو نبي من أنبياء الله تعالى، أن من يسرق يستعبد. وكان يوسف عليه السلام على علم بها، وسعى إلى تطبيقها مع أخيه بنيامين حتى يبقيه إلى جانبه. يقول سفر التكوين في هذا:
“فقال: نعم، الآن بحسب كلامكم هكذا يكون الذي يوجد معه يكون لي عبدا، وأما أنتم فتكونون أبرياء” (١٠)
“… الرجل الذي وجد الطاس في يده يكون لي عبدا، وأما أنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم” (١٧)
أما شريعة ملك مصر فكانت – بحسب المرويات – ضرب السارق وتغريمه ضعف ما سرق (صفوة التفاسير)
ولما سمح أخوة يوسف بتفتيش أوعيتهم، جيء بهم إلى يوسف ليتم تطبيق الحكم. وبدأ يوسف عليه السلام في تفتيش أوعيتهم بدءا بأكبرهم حتى وصل إلى أصغرهم، وأراهم أن “الصواع” به:
“فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ” (يوسف:٧٦)
لم ترو حكاية “صواع” الملك، ضمن قصة يوسف عليه السلام، وكغيرها من قصص القرآن الكريم، اعتباطا. بل كان وراءها، في رأيي، درس مهم لنا في باب العقوبات، واختلاف العقوبة باختلاف الشريعة.
فقد كانت عقوبة السارق في مصر القديمة – بحسب ما روي – هي أن يجازى بدفع ضعف ما سرق وقد يتعرض للضرب أيضا. أما عقوبة السارق في شريعة يعقوب عليه السلام، فكانت الاسترقاق، بيد أنا لا نعلم مدة استرقاق السارق وهل هي مؤقتة ومحدودة أو مدى الحياة.
وفي ضوء هذا سننظر في اليومية التالية إلى عقوبة السارق في القرآن الكريم.
العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى