دابل إسپريسو پليز../ عبد الرحيم الفارسي

يتسلل الماء الى جسمي. قدماي تبللتا. لم تسعفني المظلة الكبيرة كثيرا من مطر لندن الصيفي السابق لأوانه. كعادتي أفرُّ يوم الأحد إلى مقهاي المفضل، متى استطعت لذلك سبيلا. فيه أرجع قليلا إلى ذاتي.
وكما جرت العادة، يستقبلك نادلون شبان أجانب بابتسامات عريضة. ثم السؤال السرمدي: طلباتك سيدي!.
لا أغير عادتي. على الأقل هذا هو ديدني منذ قرابة 15 عاما.
“دابل اسپريسو پليز!”.
ينطلق الضجيج من آلة تقطير البن.
تصطدم بي سيدة عجوز، ثم تقول بصوت مرتعش: عفوا سيدي.
إنها صينية الملامح. ربما تجاوزت الثمانين من العمر.
“لا بأس يا سيدتي”، أجيبها بابتسامة.
قبل أن آخذ الفنجان، تخاطبني النادلة اليونانية: هل ترغب في قطعة شوكولاطة اليوم؟.
شكرا، ليس اليوم!.
في نفسي أقول إنني غير قادر على مزيد من السعرات الحرارية. يكفيني أمس أنني التهمت أربع قطع من الحلوى لإطفاء الجوع بعد أن لم أعثر على مكان أتناول فيه وجبة غذائي المتأخرة أثناء تغطية تجمع لمعارضين ايرانيين بإحدى ضواحي لندن البعيدة. عرضت ما بقي بحوزتي من حلوى على المصور الذي رافقني. فأبى واستكبر وألح على أن لا يقع في فخ السعرات الحرارية الضخمة. لا بأس يا صديقي علاّوي. قلت له ساخرا وقد شاهدته يتناول “سندويتشا” غنيا بالكوليستيرول.
وضعت فنجان القهوة على الطاولة. ثم تركت جسمي المتعب يستلقي في “سقوط” حر فوق الكرسي.
موسيقى من أمريكا اللاتينية تقتحم أذني. لا حاجة لي بهذا الضجيج. أريد قضاء وقت أهرب فيه من الوجود إلى ذاتي. أسارع الى ارتشاف القهوة قبل أن تبرد. يغريني المنظر بالتقاط صورة للفنجان، وابن عمه كأس الماء. أتأمل الصورة، فإذا في الخلفية جسد نحيف منهك. أرفع عيني. تتحرك أنامل شخص ثمانيني. إنه وحيد. ربما لجأ إلى المقهى لمخاطبة وحدته هنا. تتحرك أنامله الضامرة، يرفعهما من وسط الفنجان. بينهما قطعة بسكويت. ألتفت إلى عينيه. لقد غرقتا في محجريهما. يدخل قطعة البسكويت في فمه. يا إلهي لقد غادرته الأسنان. يوما ما سأكون على ذلك الحال. ربما!
يرفع الابريق ويصب مزيدا من الماء الساخن في فنجانه. يحدث الارتطام صوتا، سرعان ما يطغى عليه حديث النادلة اليونانية وزميلتها. إنه يحتسي الشاي الأسود الانجليزي.لقد كان هذا مكونا أساسيا من غذاء فقراء بريطانيا قبل بضعة عقود. لعله يذكره بماضيه.
يتحرك العجوز قليلا. تظهر ربطة عنق نظيفة وموضوعة بعناية في مكانها. لا شك أنه يحافظ على أناقة ورثها منذ زمن بعيد. قد يكون غادر عمله قبل عشرين عاما لكي يتقاعد. ماذا كنت أفعل في اليوم الذي أحيل فيه على التقاعد؟. لا أدري.
لقد كنت أحلم بالكثير من الأشياء. وربما كان هو يحلم أن يعيش مدة أطول.
في الصبح فتحت عيني على نبأ وفاة السياسي الأمريكي الكبير جون ماكين. غادر الدنيا الزائلة عن عمر ناهز 81 عاما. سمعته في أحد التقارير يقول إنه لم يكن يطمع أن يعيش هذه المدة. لكنه كان سعيدا بما حظي به في حياته. كابد الاسر لدى الفيتناميين لمدة تجاوزت الخمسة اعوام بعد أن أسقطت طائرته الحربية عام 1967. ربما حياته كانت ستنتهي حينها. لكن كتب له عمر مديد. أتذكره قبل عام ونصف العام في مؤتمر الأمن بميونيخ، حين وقف أمامنا، مستعرضا نظرته للأمن العالمي. لمست فيه ذلك الرجل الذي بدأ يحلم بعالم أفضل للأحفاد. حديثه كان نابعا من قلب رجل ربما تجاوز حدود انتمائه للولايات المتحدة. للرجل مواقف لا تعجبني، خاصة بالنسبة للشرق الأوسط. لكن كانت لديه مواقف مشرفة، لعل أبرزها وقوفه في فجر ذلك اليوم من عام 2008 معترفا بالهزيمة في الانتخابات الرئاسية أمام باراك أوباما. كان مكسور الخاطر، يحبس الدموع في عينيه. لكنه صافح غريمه السياسي، وطوى صفحة المنافسة في تلك اللحظة. كنت حينها أستعد للتوجه إلى مقر عملي في البي بي سي بلندن. أكبرت في ذلك الرجل وأمثاله حبهم لبلدهم. بلد لم ينشأ سوى قبل قرنين أو يزيد قليلا. آه كم يحز هذا في قلبي. لدينا في بلداننا أناس لم يتربَّ لديهم هذا الاحساس بالانتماء للوطن. حين تحدثهم يشهرون في وجهك ورقة الانتساب إلى القارة الفلانية. أسلافهم جاءوا منذ قرون عدة الى اوطانهم الحالية. غالبيتهم جاءوا اما لاجئين أو طامعين في مغانم “بلاد الإسلام”. لكن حنينهم وافتخارهم يبقى الى بلدان اخرى لا يعرفون فيها حتى من اين ينحدرون، ولا هم ولا أجداد أجدادهم سبق لهم أن زاروها.
احمل الفنجان بين أصابعي. ألتفت إلى الشيخ الوحيد. مكانه فارغ…
لقد غادر دون أن أنتبه.

إعلانات