تحقيقات ومقابلات

التبرع بالأعضاء ما زال محتشما رغم إباحته شرعا

على الرغم من أن الفقهاء المعاصرين ومؤسسات الإفتاء ومجامع الفقه متفقة على مشروعية هذا الإجراء؛ بل مندوب إليه لما يحققه من مقاصد ضرورية تتعلق أساسا بحفظ النفس البشرية واستمرارية الحياة، ورفع المشقة والحرج عن الناس؛ دون أن يلحق بالمقابل أي ضرر بالمتبرع في بدنه، وهو ما ينسجم أيضا وقواعد الفقه وأصوله؛ لاسيما إن تعلق الأمر بنقل الأعضاء من الموتى إلى الأحياء، خاصة قرار المجمع الفقهي التاسع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته المنعقدة في جدة عام 1408هـ. وقد تسبب غياب هذا العرف عن المجتمع في تفشي ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية واستمرار معاناة الكثيرين من أمراض مستعصية لا تجد لها علاجا سوى في مثل هكذا تبرعات، في انتظار حل عملي قد يأتي به استنساخ الأعضاء البشرية أو توفيرها اصطناعيا، وسننقل هنا آراء بعض الفقهاء المعاصرين في مشروعية التبرع بالأعضاء وزرعها وفق ما يأتي.

* القرضاوي: التبرع بالأعضاء يجوز ولو بين المسلم والكافر
 لا شك أن التبرع بالأعضاء جائز بل مستحب بشروطه وقيوده، إذا كان التبرع بالمال صدقة لإنقاذ فقير أو مريض أو بائس من أعظم القربات إلى الله تبارك وتعالى فما بالك بمن يتبرع ببعض بدنه، هذا أمر محبب في الإسلام، إن الله يعتبر هذا من ضمن إحياء النفس {..من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ..}[المائدة:32]، فنحن نساهم بالتبرع بالأعضاء في إحياء نفس بشرية، وكل عمل في هذا الجانب يعتبر من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، إغاثة ملهوف، إنقاذ إنسان من آلام يتألم بها، إنجاد حياة الإنسان بدل ما كان يموت، ممكن يقعد عدة سنين، طفل أو شاب أو رجل أو امرأة، فهذا من أعظم الأعمال التي يباركها الإسلام.. والإنسان لكي يتبرع بجزء من بدنه لا بد أولا أن يكون بدنه سليما، تكون أعضاؤه سليمة، وفي أشياء لا يجوز طبعا.. ولا يجوز التبرع بالأشياء التي هي مفردات في الجسم. وبشرط أن يكون العضو المتبرع به سليما تماما وأن يملك الشخص حق التبرع، فلا يجوز مثلا أن يتبرع إنسان غير بالغ ولا عاقل، ولا يجوز للولي أن يتبرع عنهما وربنا مكن الإنسان أنه يتصرف في هذا الجسد بما لا يضر الجسد، وهذه الأشياء التي تفيد الملايين من الناس، مشروع ويجوز للمسلم أن يأخذ من غير المسلم، وأن يعطي غير المسلم. فهذه المسألة إنسانية، الإنسان يرجو فيها وجه الله، الخير الذي يقدمه يقدمه ابتغاء وجه الله سواء كان لمسلم أوغيره.

* الشيخ أحمد حماني
نقل الأعضاء لا يعد إهانة للميت
لقد كان الشيخ أحمد حماني من السباقين للقول بمشروعية التبرع بالأعضاء وزرعها حيث ورد إليه سؤال من السعودية سنة 1972م في هذا الشأن، فأفتى بأن زرع الأعضاء جائز ومشروع؛ لأنه يتسبب في استمرار الحياة، والله يقول:[من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا]، وعليه فالمتبرع بعضو يتسبب في امتداد الحياة كالذي يعفو عمن وجب عليه القصاص، أو ينقذ غريقا من الماء، أو حريقا من النار. وأفتى رحمه الله لمن سأله عن ذلك بأنه يجوز التبرع بعضو لإنسان محتاج إليه بشرط أن يكون العضو التبرع به غير ضروري لحياة المتبرع، ويمكن له أن يعيش بدونه، كالتبرع بكمية من الدم، أو بإحدى الكليتين، فإن هذا العمل جائز يثاب عليه فاعله، لأن فيه إحياء لنفس من الموت. أما إن كان العضو المتبرع به ضروريا لحياة المتبرع فإنه لا يجوز في هذه الحالة ثم جاءت فتواه  سنة 2003 التي يقول فيها: (زرع الأعضاء كالعيون والكلية وجلد الميت والقلب ينزع من ميت حديث الموت أو الوفاة ويزرع في صدر حي لاستمرار حياته وكذا العين تنزع من الميت لتزرع في جسد إنسان حي) وأن نزع هذه الأعضاء من الميت (مقبول في الشرع ولا يعتبر إهانة للميت. وللحي أن يتبرع بنفسه أو يوصي أن يستفاد من أعضائه بعد مماته ولوليه أن يتبرع بذلك، مبرزة الثواب الكبير الذي يناله المتسبب في إحياء نفس إنسانية. الشيخ جاد الحق علي جاد الحق:
التبرع يجــــوز بشــــــــــروط
بعد استعراض أدلتهم وما جاء في كتب الفقه نرى ما يأتي: (أولاً): إذا كان المنقول منه ميتًا، فإن كان قد أوصى أو أَذِن قبل وفاته بهذا النقل فلا مانع من ذلك، وكرامة أجزاء الميت لا تمنع من انتفاع الحي بها، تقديمًا للأهم على المهم، والضرورات تُبِيح المحظورات كما هو مُقَرَّر، وإن لم يُوصِ أو لم يَأْذَن قبل موته، فإن أَذِن أولياؤه جاز، وإن لم يَأْذَنُوا قيل بالمَنْع وقيل بالجواز، ولا شكَّ أن الضرورة في إنقاذ الحي تُبيح المحظور. وهذا النقل لا يُصار إليه إلا للضرورة. (ثانيًا): إذا كان المنقول منه حيًّا، فإن كان الجزء المنقول يُفْضِي إلى موته مِثْل القلب كان النقل حرامًا مطلقًا، أي سواء أَذِن فيه أم لم يَأْذَن؛ لأنه إن أَذِن كان انتحارًا، وإن لم يأذن كان قتلاً لنفس بغير حق، وكلاهما مُحَرَّم كما هو معروف. وإن لم يكن الجزء المنقول مُفْضِيًا إلى موته، على معنى أنه يُمكن أن يعيش بدونه فيُنْظَر: إن كان فيه تعطيل له عن واجب، أو إعانة على مُحَرَّم كان حرامًا، وذلك كاليدين معا أو الرِّجْلين معًا، بحيث يَعجَز عن كسْب عيشه أو يسلك سبُلًا غير مشروعة. وفي هذه الحالة يستوي في الحُرْمة الإذن وعدم الإذن. وإن لم يكن فيه ذلك كنقل إحدى الكليتين أو العينين أو الأسنان أو بعض الدم، فإن كان النقل بغير إذنه حُرِّم، ووجب فيه العِوَض.

*  الشيخ جاد الحق علي جاد الحق:
التبرع يجــــوز بشــــــــــروط
بعد استعراض أدلتهم وما جاء في كتب الفقه نرى ما يأتي: (أولاً): إذا كان المنقول منه ميتًا، فإن كان قد أوصى أو أَذِن قبل وفاته بهذا النقل فلا مانع من ذلك، وكرامة أجزاء الميت لا تمنع من انتفاع الحي بها، تقديمًا للأهم على المهم، والضرورات تُبِيح المحظورات كما هو مُقَرَّر، وإن لم يُوصِ أو لم يَأْذَن قبل موته، فإن أَذِن أولياؤه جاز، وإن لم يَأْذَنُوا قيل بالمَنْع وقيل بالجواز، ولا شكَّ أن الضرورة في إنقاذ الحي تُبيح المحظور. وهذا النقل لا يُصار إليه إلا للضرورة. (ثانيًا): إذا كان المنقول منه حيًّا، فإن كان الجزء المنقول يُفْضِي إلى موته مِثْل القلب كان النقل حرامًا مطلقًا، أي سواء أَذِن فيه أم لم يَأْذَن؛ لأنه إن أَذِن كان انتحارًا، وإن لم يأذن كان قتلاً لنفس بغير حق، وكلاهما مُحَرَّم كما هو معروف. وإن لم يكن الجزء المنقول مُفْضِيًا إلى موته، على معنى أنه يُمكن أن يعيش بدونه فيُنْظَر: إن كان فيه تعطيل له عن واجب، أو إعانة على مُحَرَّم كان حرامًا، وذلك كاليدين معا أو الرِّجْلين معًا، بحيث يَعجَز عن كسْب عيشه أو يسلك سبُلًا غير مشروعة. وفي هذه الحالة يستوي في الحُرْمة الإذن وعدم الإذن. وإن لم يكن فيه ذلك كنقل إحدى الكليتين أو العينين أو الأسنان أو بعض الدم، فإن كان النقل بغير إذنه حُرِّم، ووجب فيه العِوَض.

هيئة كبار العلماء بالسعودية:
من الحظر إلى الإباحة والصدقة الجارية
من جهتها هيئة كبار العلماء بالسعودية وبعد أن ظلت منذ بداية الثمانينات تميل للقول بالحظر بناء على آراء ابن باز وابن عثيمين قررت بداية التسعينيات القول بالمشروعية؛ حيث جاء في قرارها: بعد المناقشة وتداول الآراء قرر المجلس بالإجماع: جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه، إذا دعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه. كما قرر بالأكثرية ما يلي: (1) جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه . (2) جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك .

دار الإفتاء المصرية
وجود ضرورة قصوى أهم شرط لمشروعيتها
من جانبها، قالت دار الإفتاء إنه من الوسائل الطبية التى ثبت جدواها فى العلاج والدواء والشفاء للمحافظة على النفس والذات نقل وزرع بعض الأعضاء البشرية من الإنسان للإنسان، سواء من الحي للحي أو من الميت، وهذا جائز شرعا إذا توافرت فيه شروط معينة تبعد هذه العملية من نطاق التلاعب بالإنسان الذي كرمه الله ولا تحوله إلى قطع غيار تباع وتشترى، بل يكون المقصد منها التعاون على البر والتقوى وتخفيف آلام البشر، وإذا لم توجد وسيلة أخرى للعلاج تمنع هلاك الإنسان وقرر أهل الخبرة من الأطباء العدول أن هذه الوسيلة تحقق النفع المؤكد للآخذ ولا تؤدي إلى ضرر بالمأخوذ منه ولا تؤثر على صحته وحياته وعمله في الحال أو المال .وهذا حينئذ يكون من باب إحياء النفس الوارد فى قوله تعالى:  “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”، ويكون من باب التضحية والإيثار؛ ووضعت دار الإفتاء عددا من الضوابط للمشروعية؛ منها: أن يكون المنقول منه العضو قد تحقق موته موتا شرعيا وذلك بالمفارقة التامة للحياة، أى موتا كليا، ولا عبرة بالموت الإكلينيكى، لأنه لا يعد موتا شرعا، لبقاء بعض أجهزة الجسم حية، إلا إذا تحقق موته بتوقف قلبه وتنفسه وجميع وظائف مخه ودماغه توقفا لا رجعة فيه، وكان عمل بعض أعضائه إنما بفعل الأجهزة، وثانيا: الضرورة القصوى للنقل بحيث تكون حالة المنقول إليه المرضية في تدهور مستمر ولا ينقذه من وجهة النظر الطبية إلا نقل عضو سليم من إنسان آخر حي أو ميت، ويكون محققا للمنقول إليه مصلحة ضرورية لا بديل عنها. وثالثا: أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل في حياته وهو بكامل قواه العقلية وبدون إكراه وبحيث لا يؤدي النقل إلى امتهان لكرامة الآدمي، بمعنى أنه لا تتضمن الوصية نقل كثير من الأعضاء بحيث يصير جسد الآدمي خاويا، ورابعا: ألا يكون العضو المنقول من الميت إلى الحي مؤديا إلى اختلاط الأنساب بأي حال من الأحوال، كالأعضاء التناسلية وغيرها، وخامسا: أن يكون النقل بمركز طبي متخصص معتمد من الدولة ومرخص له بذلك مباشرة بدون أي مقابل مادي بين أطراف النقل، ويستوي في ذلك الغني والفقير، وبحيث توضع الضوابط التي تساوى بينهم في أداء الخدمة الطبية ولا يتقدم أحدهما على الآخر إلا بمقتضى الضرورة الطبية فقط التي يترتب عليها الإنقاذ من الضرر المحقق أو الموت والهلاك الحال.

إعداد: د .عبد الرحمان خلفة -صحيفة النصر

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم