تحقيقات ومقابلاتموضوعات رئيسية

موريتانيا: مكب النفايات الذي حول قرية موريتانية إلى مسرح للاحتجاج والروائح الكريهة

من ابراهيم الهريم -مورينيوز

لم يكن سكان قرية تيفيريت الواقعة على بعد 25 كلم شرق العاصمة الموريتانية انواكشوط التي كانت متنفسا للباحثين عن الاستجمام والهواء النقي، يدركون أن قرارا من السلطات بإنشاء مكب لتجميع نفايات انواكشوط على مساحة 4 كيلومترات سيحول قريتهم من وجهة للاستجمام إلى قرية طاردة حتى لسكانها بفعل تلوث الهواء وروائح النفايات.

ويقع المكب على بعد أقل من كيلومترين جنوب القرية، حيث يزيد موقعه الجغرافي من معاناة السكان إذ تتكفل الرياح بتحويل النسيم التنقي إلى هواء لا يتحمل تنفسه.

ومع تفاقم الوضع الصحي والبيئي في القرية لجأ السكان إلى التظاهر للمطالبة بإغلاق المكب.

وتظاهرت نسوة مساء الثلاثاء على جنبات طريق الأمل للمطالبة بإغلاق مكب النفايات الذي لاتزال شركات خصوصية تنقل إليه نفايات العاصمة انواكشوط،
وتأتي احتجاجات الثلاثاء بعد اعتقال الدرك الوطني 28 من المحتجين يوم الأحد الماضي على إثر مظاهرات أغلقوا خلالها الطريق أمام الشاحنات القادمة من انواكشوط محملة بالأوساخ.

وبعيد إطلاق سراح الشباب الذين اعتقلوا يوم الأحد ، قال المسؤول الإعلامي للمجموعة المناهضة للمكب محمد محمود الخلالي في تصريح لمورينيوز” إن ظروف الاعتقال، التي عقبت اقتحام البيوت لإخراج الشباب منها، كانت جيدة”، وأضاف أنهم لايزالون حتى مساء هذا اليوم يعتصمون أمام مكان احتجاز زملائهم الباقين مطالبين بإطلاق سراحهم.

وعن الهدف من الاحتجاج يقول محمد محمود الخلالي “إن المطلب الوحيد الأول والأخير هو إغلاق المكب بشكل نهائي، ومعالجة آثاره، مشيرا إلا أن السلطات لم تتجاوب معهم قبل هذا التصعيد الأخير، قبل أن يضيف “فقط البرلمانيون يتواصلون معنا دوما”.

وقال ولد الخلالي لـ”مورينيوز” “إن أكثر من 23 شخصا توفوا جراء أمراض السرطان وأمراض أخرى ناتجة عن التلوث البيئي، وأضاف أن رضيعا يوجد اليوم في مستشفى الأمومة والطفولة يعاني من مشاكل في التنفس.”

و أخذت “قضية تيفيريت” زخما بين المدونين الذين أطلقوا وسم “تيفيريت تختنق” على موقع فيسبوك، وكتب النائب البرلماني محمد الأمين سيدي مولود:” [..] يتم حشر حوالي عشرين شخصا في مضيق عرضه متر وطوله مترين، بسبب احتجاج سلمي ضد قتل بطيء بالتلوث والدخان، وسعيا لتنفيذ حكم قضائي”.

وكتب مدون آخر: ” من حق ساكنة تيفيريت أن تتنفس أوكسيجينا صحيا وذلك أضعف الإيمان.. القضية ليست قضية تيفيريت وحدها، القضية قضية الانسان الموريتاني وظلم الدولة”.

متى بدأت القصة؟

بدأت القصة صيف عام 2004، حين تفاجأ السكان ببناء مصنع قالت السلطات إنه لصنع البلاستيك وإعادة تدوير النفايات الصديقة للبيئة، ووعدت السلطات سكان القرية بأن مشروع المصنع هذا سيساهم في التنمية المحلية وسيوفر فرص عمل للشباب.

وفي التفاصيل صدر مقرر عن وزارة المالية يقضي بمنح المجموعة الحضرية قطعة أرضية على مساحة 4 كيلومترات جنوب قرية تيفيريت التابعة إداريا لمقاطعة واد الناقة بولاية الترارة لاستغلالها في إنشاء مكب لمعالجة النفايات.

وبدأ العمل في المكب عام 2007 حيث أوكل إلى الشركة الفرنسية بيزو رنو التي كانت تتولى تنظيف العاصمة انواكشوط ، استغلال المكب ومعالجة النفايات داخله ، وكان استغلال الشركة الفرنسية للمكب، يسير بداية بشكل طبيعي، عدا ما كان يلاحظه السكان من كثافة الشاحنات القادمة من انواكشوط لإفراغ حمولتها، ولم يكن هناك أي ضرر بيئي أو انتشار للروائح المنبعثة من المكب، حسب محامي سكان القرية الأستاذ الشيخ حمدي.

ويضيف الحامي أن الأمور كانت تجري بشكل طبيعي إلى حلول عام 2011 حيث بدأ السكان يلاحظون أعمدة دخان مع فوران وانتشار للروائح، ومع تكرار تلك المشاهد بعث السكان بعدة شكاوي إلى الشركة الفرنسية التي أوفدت خبيرا بيئيا اطلع على إجراءات معالجة النفايات ومدى ملاءمتها للمعايير المتبعة دوليا في معالجة النفايات، من طمر وتركيب أنابيب ذات ارتفاع معين لشطب الغازات لئلا تصل إلى السكان.

2014 عام مفصلي:

بعد نشوب أزمة بين السلطات الموريتانية ممثلة في المجموعة الحضرية والشركة الفرنسية بيزو رنو، أنهت السلطات الموريتانية عقد عمل الشركة الفرنسية، لتتوقف هذه الأخيرة عن استغلال المكب ويتم إغلاقه لمدة شهر بعد أن سحبت الشركة الفرنسية آلياتها من المكان.

تولت المجموعة الحضرية بعد ذلك مهمة نظافة العاصمة انواكشوط وبدأت الشاحنات التابعة لها بنقل الأوساخ إلى مكب تيفيريت.

ووصف المحامي الشيخ حمدي طريقة نقل الأوساخ “بغير المسؤولة، حيث كانت تقوم الشاحنات التابعة للمجموعة الحضرية بالتفريغ الحر دون القيام بأي معالجة، ما نتج، حسب تعبيره، عن أزمة أدت إلى انتشار سحب من الذباب والبعوض.

وغالبا ما يتم رمي الأوساخ خارج المكب فضلا عن عدم اتباع واحترام أي معايير في معالجة هذه النفايات”، حسب ما نقلت مصادر إعلامية عن السكان.

تفاقم الوضع وعدم استجابة السلطات إضافة إلى معاناة السكان اليومية من المكب، عوامل دفعتهم إلى تكثيف تحركهم لإيصال صوتهم.
والدخول بعد ذلك في مسلسل من التظاهر والاحتجاج أمام المؤسسات الحكومية في انواكشوط تارة، وقطع الطريق أمام شاحنات المجموعة الحضرية تارة أخرى، دون أن يجدوا استجابة من السلطات، غير عصي الدرك وغازاته المسيلة للدموع.

وفي 30 سبتمبر2014 اعتقل الدرك الوطني 7 أشخاص في اشتباكات مع السكان الذين حاولوا اعتراض شاحنات المجموعة الحضرية ومنعها من إفراغ حمولتها.

ويتكرر المشهد كل مرة: احتجاج واعتقال وإخلاء سبيل، ويبقى المكب يراوح مكانه والروائح المنبعثة منه تنغص عيش سكان تيفيريت والقرى المجاورة لها !

عزيز.. ليس هناك خطر!

في 25 أكتوبر 2014 زار الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، مصحوبا – من بين الوفد المرافق-برئيسة المجموعة الحضرية اماتي بنت حمادي، مكب نفايات تيفيريت، ونقلت الوكالة الموريتانية للأنباء عن الرئيس في تصريح خصها به قوله “إن المكب لا يشكل أي خطر كان على أي كان، مشيرا إلى أن منطقة الردم الحالية ليست على تماس مع أي تجمع سكاني ولا تشكل مصدر خطر بالنسبة للسكان”.

وبعد هذه الزيارة قال سكان القرية إن الرئيس تعرض للخداع من طرف المجموعة الحضرية، حيث تم تغيير معالم المكب قبيل زيارة رئيس الجمهورية.

وفي الثامن من يوليو 2015 قدم النائب البرلماني عن مقاطعة واد الناقة محمد عبد الرحمن دب باباه، سؤالا إلى وزير البيئة، آنذاك، آمادي كامارا حول “واقع مكب النفايات وآثاره البيئية والصحية، والإجراءات المتخذة من قبل السلطات لإزالة الضرر عن المواطنين”، مطالبا إياه بإنهاء معاناة السكان.

وأخذت القضية عام 2015 منحى قضائيا، حيث رفع المحامي الشيخ حمدي باسم سكان تيفيريت دعوى ضد المجموعة الحضرية وشركة بيزو رنو، طالب فيها بالطعن في القرار الصادر عام 2004 عن وزارة المالية والقاضي بمنح قطعة أرضية للمجموعة الحضرية في قرية تيفيريت.

وأمر القضاء بفتح تحقيق في الموضوع، وتعيين خبير لإجراء دراسة شاملة حول القضية توصل بعدها إلى أن المحطات الثلاث (معايير إنشاء المكبات، آليات معالجة النفايات، وغياب طرق المعالجة) التي تمر بها عادة المكبات المنزلية والمنشآت التي يُظن أن لها تأثرا عكسيا على البيئة لم تحترم في مكب تيفيريت، وهو ما نتج عنه آثار خطيرة على صحة السكان وآثار كارثية على البيئة.

و يبقى السؤال بعد ما يقارب العام من صدور الحكم النهائي الصادر عن الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا، وإحالته إلى الجهات المعنية في وزارة البيئة ووزارة المالية وجهة انواكشوط (المجموعة الحضرية سابقا) ، هل يلقى الحكم تجاوبا من السلطات التنفيذية..؟ !

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى