تحقيقات ومقابلاتموضوعات رئيسية

الروائية الفلسطينية رجاء بكرية: الرواية العربية تعاني.. والأدلجة فنٌّ وليست توثيقا/ حوار محمد القذافي مسعود

رجاء بكري، أديبة، وفنانّة تشكيلية، ناقدة في مجال الفنّ المرئي.

 أستاذة محاضِرة في موضوع التعدّديّة المجاليّة، والكتابة الإبداعيةّ, في المراكز الثّقافيّة والكليّات الأكاديميّة تعيش في حيفا منذ  1996

صدر لها عواء ذاكرة رواية، النّاصرة 1995.

 الصّندوقة ( مجموعة قصصيّة) . المؤسّسة العربيّة، بيروت 2003

 امرأة الرّسالة (رواية)، دار الآداب، بيروت 2007 سبتمبر

امرأة الرّسالة (الطبعة الثانية)، دار الجندي ، فلسطين 2014

 امرأة الرّسالة, رواية (ترجمه للكرديّه), وزارة الثّقافه، أربيل، 010

  باهرة, مجموعة قصصيّة (ترجمة للكرديّة)، مؤسّسة نما، أربيل، 2009

الباهرة، مجموعة قصصيّة، دار الجندي- القدس، 2015

عَيْن خَفشة، رواية، الأهليّة – عمّان، يناير، 2017

نمِرُ الثّلوج، (رواية للفتيان). عمّان، يناير يناير 2022

كما حصلت على عدة جوائز جائزة القصة القصيرة النسائية لنساء حوض المتوسط لعام 1997 ، عن قصّة  “الصندوقة”، مارسيليا، فرنسا.  جائزة، فنان مبدع، قسم الفن التشكيلي، وزارة المعارف

جائزة فناّن مبدع بين السّنوات 2001 \2002، 02 \03 جائزة الإبداع الأدبي 06 عن روايتها “امرأة الرّسالة”، وزارة الثّقافة- القدس جائزة الإبداع الأدبي 09، عن ترجمة روايتها “امرأة الرّسالة” للكرديّة، وزارة الثّقافة، أربيل جائزة الإبداع الأدبي 018، عن مجمل إنتاجها الأدبي، وزارة الثّقافة_القدس درع مؤسّسة نما الكرديّة لشخصيّة العام الأدبيّة في التّرجمه:

فيما يلي نص المقابلة:

ما هي أهم التحديات التي تواجه الرواية العربية؟

كيف تكسر منطق السّرد الرّوائي بالجذب الفنّي الحرّ، ولو كان من ثوابت المكان مكانك. وأعني التّأسيس لعالم سردي يزخم المتلقي بجماليّات العالم على تفاوت مستوياته. فما لا يتنبّه اليهِ صُنّاع الرّواية أنفسهم أنّ روتين العوالم المزدحمة بالوجوه مثلا قد يُفسدُ ايقاعَ جماليّاتها وأدوات سفرها الحسيّ الى المتلقّي. على اعتبار أنّ المنطق الحسيّ هو منطق اخر يقابل إيقاع المنطق السّرديّ ويؤسّس لعناصره الجماليّة.  أذكر رواية اشتغلت على تكرير البطل على طول الحدث وأفسدت متعة دهشتها تماما. أسميتها رواية مأزومة ورغم ذلك حازت على جائزة لضيق الخيارات في حينه. الرّواية عموما مطالبة بتوفير رصيد يكفي الرّوح كي تُخَض بِها المخيّلة لتتوهّج. هكذا تستفزّ المتلقّي حسيّا، وما لم تفِ بشرطِ وصولها اليه ستظلّ تجربة مارقة، ونحن نريد التّجربة الّتي تدعم ثباتها فينا بدون ثرثرة لا طائل منها، نقديّة كانت أم تنظيريّة لأنّ لحظة الكتابة لا تحتمل الثّقل، بل تحتاج أن تتجرّد ممّا هو أرضي وتسمو خفيفة في رهف السّماء.لا بدّ من الإشارة هنا أنّ المدرستين عموما لا تعنيان القارىء كثيرا حين يملّ ما يقرأه، يرميه وينام.

إلى أي حد تضر الأدلجة بالنص؟

الأدلجة بعينيّ فنٌّ وليس توثيقا، يتعلّق بالزّاوية الّتي يرى منها الرّوائي نصّه. هي تقنيّة ليست سهلة ويمكن للكاتب أن يخطىء مسار قلمه وهو ينسحب خلف تيّارها، السرّ في الحنكة الحسيّة الّتي سيعتمدها. الحسيّة حتما قبل الفِكريّة لأنّها منجى التشوّش السّردي، والكاتب منجاهُ الحقيقي تيّارهُ الشّعوري، حين يمتطيهِ يزخمهُ فكرهُ. روايتي “عَين خَفشَة” اشتغلت على هذا الموضوع بفيض ذاكرة وقلب وعلى حذر. عبر مسارها المتداخل استطعتُ أن أستعيد ذاكرة النّكبة الفلسطينيّة في حرّ تفاصيلها ومواقعها.

ما ضرورة أن يبحث الروائي عمّا لا يقال ويقوُله بطريقته؟

الضّروري في الرّوائي ألّا يشبه أحدا الا ذاتهُ وحين يضع بصمتهُ فأن تنتقل بالعدوى الى سواه كعدوى شافية تأخذ كلّ من يُلامِسُهُ الى الرّغبة في احداث تغيير. سؤالكَ جميل ويصبُّ في باب الاختلاف، وبعينيّ مُهمّةُ الرّوائي أن يتجاوزَ رتلا طويلا من الممنوعات كي يُعلنَ ما يعجز عنه سواه في الحياة بالمجمل. ثمّة أشياء لا يمكن لأيّ أحد حتّى أن يقولها ما عداه. هذا هو فنّ الكينونة، اذ لا يكفي أن تكون كائنا تحت سماء اللّه، بل أن يكون لك دور لا يجيدهُ سواك. مهمّة الرّوائي أن يًدهِشَ الحياة بما لم تصادفهُ ولم تره. يثوّر اللّغة، يختطف لغة السّرد مثلا الى غابات لا يعرفها الاّه، ومدن تعيش تحت بحار لم يسمع بها غيره، وربّما يعثر على مسبّبات منطقيّة لأن يعيش الحبّ في مناطق أخرى من العالم لا تعرفها الحياة ذاتها. فتغيير مفاهيم التّواصل مع الرّوح كما الشّخوص المتخيّلة والأمكنة تقع على عاتق الرّوائي، هو ناسجها وهو الحاكم بأمر غاباتها أو حدّة صخورها. ومن هذا المفترق يأتي السّؤال ماذا نكتب؟ نكتب أنفسنا أوّلا خارج ذاتنا في خضّة عنيفة للثّابت في مدلولاتها. نثير الشّك في عوالم لم يجرؤ عليها غيرنا، فنغسلها من المرايا العابرة كي تحدّد وجهها الأوّل بتفاصيله العذبة، أليست العذوبة جلّ ما نطمح اليه في مذاق الحرف حين نضع لبنة الدّهشة الأولى في رواياتنا؟

 كيف ترين الرواية خلال العقد الاخير؟

ما يثير استغرابي الاقبال الكمّي على كتابة الرّواية، حتّى أنّ رتلا طويلا من الشّعراء خاصموا قصائدهم وانشغلوا بالسّرد وعوالمه الدّخيلة. وبقدر ما يثير الأمر السّعادة لاحياء هذا الفنّ العميق بقدر ما يدفع لتساؤل لحوح، هل انتشار الجوائز حول المشاريع الرّوائيّة سببا فيما يحدث؟ وللاجابة على سؤال شائك كهذا سوف نتجنّب الخوص في الأسماء ومناحي وهجها، والنّبش في معاني قصائدها وتخصّصات رُصاصِها أو حبرها الحيّ الّذي أفرغتهُ من مادّتهِ أو أطلقتهُ على رؤوس العصافير المارقة وطارت.

وفق ما تابعته، فانّ التّجارب الرّوائيّة الحديثة مسلك فرعيّ في صرح الرّواية العربيّة الواسع. يزخر بالمغامرات لهدف واضح، انجاز نصّ يستحقّ أن تحتفي به الجوائز. وهو ما يضيّق على خناق جماليّات الهجس الفنّي في الكتابة الرّوائيّة، لأنّ الحقيقة الّتي تسعى اليها الرّواية على اختلاط مذاهبها وأدواتها وأساليبها غير ذلك. من يخوض غمار هذا الفنّ النّوعي يدرك جيّدا أنّه يؤسّس لتجربة ذاتيّة ثرّة، تراكميّة جدّا، كثيفة الفصول شتائيّة المواسم. تفيضُ ولا تشتّي، تزخّ ولا تكزّ، تخبىْ في صدور النّساء الفاتنات حكايا عشق لا أسماء لها. تُشرعَ أعراش المخيّلة على كنوز رجال تجاوزت مُغُر علي بابا بأميال، فتجاوزت الدّهشة الّتي نستحق. وأريد هنا أنّنا كقرّاء وكتّاب على حدّ سواء نستحقّ أبوابا أشدّ ثراء من تفاصيل الحاصل كي نطلق أسماءنا على عمل روائيّ. فالرّواية فتح جديد للقلب أوّلا وللفرادة ثانيا، ولدهشة النّوعي في التّجربة ثالثا، لذلك تظلّ كرَزا نادرا مُشتَهى، وربّما هذا ما لا يفهمه من يطلقُ رصاصهُ مكانَ وَردِهِ على الفضاء فيصيب العصافير على خطأ، ويُسقِطُ دهشةَ سماءٍ تلزَمُهُ، وهوَ يخوضُ أدغال الكتابة.

ماذا تغيّر في شكل الرّواية؟

ذات يوم شكّل صدور رواية عيدا للأدب. وتسألني ماذا تغيّر؟ قبل الآن كانت للرّواية قيمة أشدّ بهجة ومتعة وجمال، تتقاسم ظهورها الحالة الثّقافيّة من أقصاها الى أقصاها، على غير ما يجري الآن حيث أخذت مسلكا فرديّا بحتا. ما يحدث الآن أنّ معايير الفكر، تغيّرت، وشروط الدّهشة والمتعة والمشاركة تغيّرت أيضا. جنون الشّهرة السّريع أخذ من جماليّات الكتابة رحلتها الماتعة إلى الحُلُم والسّفر والاكتشاف، وكلّ ما يحدث اليوم أنّنا نتابع أقلام مهرولة نحو أبطالها. سريعة العبور بين محطّات الحدث. وأنت لا تعثر تماما على جماليّات المشروع بقدر ما يلازمك جماليّات التّجربة، تجربة غالبا ما تكون لمعة لمرّة واحدة تريد أن تستنفذ طاقتها في عمل واحد تصل به لأبعد مكان وتختفي. واذا كانت ستتابع فسوف تفعل لكنّها لن تكون بنفس الجودة. جيل الحبق الّذي ننتمي اليه في التّسعينيّات جيل رعى الفكرة في أُصص الخلّ الفارغة وأنبتها كَما يُنبِتُ نرجِسة في عمق صخرة. على مهل وبكامل شغف الأصابعَ والرّوح لصناعة حياة على الورق. تأخذ من الواقعِ شيئا يجذّرها في قلب الحكاية ثمّ تعلو في غاباتها البعيدة حيث لا يعثر عليها أحد حتّى تقبض على عوالمها الدّافقة غبطة وحياة.

وما ينقصك كروائية؟

سؤال جميل، والاجابة عليه أبسط ممّا تتوقّع. لا ينقصني شيئا غير أن ترفل مدينة روحي بسكينتها. ما أفعلهُ للرّواية مصدره ايماني بضرورة تغيير النّهج في الكتابة، أسلوبها، أفكارها، خطّتها، مصادر ثرائهاـ واضافتها لمحيط الكتابة العام. أهجس بلا آخر بفكرة لم يغامر بها أحد، لم يستيقظ على مساكبِ اخضرارها سواي، لأنّها من خصوصيّات أفكاري ومرجعيّاتي العقائديّة، السيّاسيّة، الحسيّة وأبعادها الجماليّة. الحسيّة تحديدا الّتي ترهَف كلّما عثرت على قوقعة بحريّة خالية من كائنها الجميل الّذي غادر وتركَ مكانا فارغا للنّبوءة. على صعيد العلاقة بيننا كفلسطينيين يعيشون في مناطق ال 48 والعالم العربي، ينقصنا الاعتراف بجهادنا الطّويل في حفظ هويّتنا وحقّنا أن تتعامل المرجعيّات الثّقافيّة بمادّتنا الأدبيّة كما تفعل مع أيّ كاتب في العالم. يرهقني مثلا فكرة تهميش رواياتنا في المسابقات الأدبيّة لمجرّد أنّنا نعيش داخل الخطّ الأخضر. فرواية الفتيان الأخيرة والوحيدة الّتي كتبتها في الآونة الأخيرة “نمر الثّلوج” هُمّشت في عديد المسابقات الأدبيّة وحرمت من التّوازي مع شبيهاتها من العالم العربي. وفكرة اعتبارنا عرب ال 48 مرفوضة تماما. فصِبغةُ الهويّة الّتي نتوفّر عليها تصنّفنا دون حق في خانة الغرباء، ما لا نقبل فكرة تأثيثِهِ المغلوطة وغير المتوازنة مع خطوط الكتابة الصّفراء والحمراء. لسنا يهودا ولسنا جزءا من عالم عربي واسع يتعثّر في تحديد انتماءاتهِ، ماذا نكون إذن؟ على المنظومة الثّقافيّة العربيّة أن تفيق من نومتها الطّويلة بشأن لوننا. العالم تغيّر وانقلبت معاييره، وعلى ضيوف الحالة الثّقافيّة أن يعتبروا معايير الاختلاف في مُنجز الحالة الأدبيّة منوطة بكمّ الاختلاف الثّقافي النّوعي لمشروع الفردانيّة لكلّ أديب على حدة. أن تفتّح عيون    الابداع على استثناءاتهِ هو من يحكم في السّبق على مستوى الإنجاز والحضور معا.

مدى قبولك لآراء النقاد بشكل نهائي؟

لاخلاف لي مع النّقاد، مهمّتهم أن يصدّروا انطباعات عن المُتَع الفكريّة والرّوحيّة الّتي ترافق رحلة سفرهم في العمل الأدبي. تعجبني صحوة حبرهم حين يندهشون. المنظومة السّليمة مطالبة أن توفّر للنقّاد منبرا يوزّعون منهُ أوراقهم النّقديّة، وأعني يصدّرون فكرهم الانتِقائي عن الأعمال الأدبيّة، فالسّاحة الأدبيّة بحاجة ماسّة للفكر. لا يمكنها العيش بعلا من أدبها الجميل؟ كيف سينشأ حِراكا نوعيّا اذا اقتصر الأدب على اجترار نصوصه وسط غيابِ زجاجة مكبّرة ترى الى التّجديدات الخارقة للعادة فيه. لكنّ الحقيقة أنّ حضورهم لن يكون سببا في تبنّي رُؤاهُم. سيرمي فكرهُ ويترك لي حريّة التأمّل. لن يكون الاجتهاد النّوعي في النّقد عبر اقناعك بجدوى التّغييرات المفترضة في بصمتك، بل بتلميع ما تُستَثنى فيهِ وتختلف فيهِ عن سواك، لذلك أنا أعتبر النّقد بصمة من بصمات الجمال النّوعي في الكتابة أكثر ممّا أعتبره بوصلة. حتما هو لا يوجّهنا بقدر ما يمنحنا مسافة لتأمّل ما أنجزناهُ. ويبدو لي أنّنا نختلف في تعاملنا مع هذا اللّون النّوعي في الكتابة حتما كمُتلقّين سواء كنّا كُتّابا أم رُواة كلّ وفق حاجتهِ الشّخصيّة لمرايا يرى منها ذاتهُ دون حاجة أن يفسّر لهُ سواهُ ذاتهُ.

الطموح لتحقيق أسلوب جديد؟

 أسلوب الرّوائي هي بصمتهُ، ولونه. السرّ الحقيقي في مشروعهِ هي بصمته. البصمة هي الكتابة بمُتَعِها واشكالاتها، بازدحاماتها وزحمِ هواجسها، بازدهار خِطابِها. كلّها معا تشكّلُ طبعة لخطوط الفِكر الأدبيّ الخاص بكاتبها. أمّا عن طموحي، فأنا لا أطمح بل أفعل. ومنذ الحرف الأوّل الّذي سجّلتُهُ في روايتي الأولى الّتي توجّس النّقد في الاقترابِ منها خالَفتُ السّائد، واعتليتُ صهوَ المُغامَرة. هناكَ اقتطعتُ لنفسي مسارا فرديّا مشيتُ فيهِ بثقة بالغة لكن بحذر شديد. مشروع التّجريب الذّاتي هو من يفتح دروب جديدة لبصمات الأصابع والقلب. علينا كروائيّين اختاروا مسار الفِتنة والادهاش أن نطمح بتجديد مشاريعنا الرّوائيّة قلبا لثورات المياة الرّاكدة في بحار الأدب. هاجس التّجديد حالة وجوديّة من حقّ الرّوائي أن يقلب نظامها حدّ ارباكِ القارىء الّذي يجرُؤ على اللّحاقِ بقِطارِ عَوالِمِه. هكذا أرى رحلة الكتابة قطار يتجاوز خطوط العالم كي يثأر من الغائب في الرّواية الجيّدة. بصمة لا يُساوَمُ على جودةِ الرّيش الّذي تحاكُ منهُ حكايتها ولا فنيّة الارتطام الّذي سيلفّ بمخيّلةِ قارئها عالما يصيرُ ملكُ .      الجديد يعني أنّك تلجأ لشكل جديد يخ في الكتابة الرّوائيّة لم يلجأ اليهِ أحد. في كلّ مرّة يخوض كاتب رواية يدخل من باب لم يطرقه

ما رأيك بمستوى الرواية بعد نجيب محفوظ؟

أعتقد أنّ المقارنة غير عادلة. نجيب محفوظ حالة كلاسيكيّة على مقاس عالم يجنح الى الواقعيّة بتحيّز واضح حتّى على مستوى رسم الصّورة فنيّا. هو من أسّس لمدرسة الحياة الّتي لاطَمَهُ مِخرَزها. بعينيّ  مقارنتها بسواها تجَنٍّ على مشروع الرّواية العربيّة عموما لأنّ من كتبَ بعد محفوظ امتطى صهوة تيّارات تجريبيّة أخرى منطلقات عوالهما المغامرة والابتكار. غَسلُ الرّؤياا بزيتِ القلبِ والمخيّلة سفرٌ ملوّن بينَ مطبّات الهواء، وهو سفِر أسلوبيّ يتبعُ جسور الدّفق، ولا علاقة لهُ بمتون الرّواية التّقليدي مثلا الّا فيما ندر، حتّى أنّنا لا نتبيّن الشّخوص ولا أبعادها في أحايين كثيرة. الجهات اليوم مفتوحة على عصف التّجريب، بتطرّف طروحاتهِ أحيانا. محفوظ سفينة محمّلة بالغرائب، وما بعدهُ مراكبَ تمخرُ عبابَ الموج.

من أين تخلق الشخصيّة الروائيّة في أعمالكِ؟

تقصد البطل حتما. لا بطولة في غياب الشّغف. من الممرّ الخلفيّ للشّوق والهجس والانفعال تشتعلُ أنفاس البطل. لكنّ الهجس ليس جسرا حتميّا اليه، ولا تزاحم الانفعالات واقتتالِها عليه، لكن حتما هوَ كمُّ الاثارة الّتي يخلقها مرورهُ غيبا أو حضورا في النَّفَس والمُخيّلة معا. سيمتلكُ من الغرائبيّات والوضوح ما يؤدّي بكَ لملاحقتِهِ أكثر ممّا يُلاحِقُكَ، والنّبش في خصوصيّاتهِ حدّ ابتكارِ ما يُجنِّبُكَ التّصادمِ بهِ عينيّا. حتّى مشاريع السّفر اليه طيرانٌ بلا هدف غالبا على درجِ الرّوحِ. كلّ دهشةٍ في حضورِهِ ممكنة، وكلّ تطوير لأبعادِهِ اتّساع نحو ازدحام القلب بالصّور لأنّه لا يظلّ على صورة واحدة. هو التّداخل في الأمزجة ومصادرها، متعُها وخَرابُها، عَتمُها ووهجُها وانفلاتاتها. تأتي من حالات التّناغمِ في شفافيّة روحِكَ كصانِعٍ للحالة أوّلا ثمّ تتجاوزُها لتفاصيلِ الاختلاف، من هناك تتشابكُ الصّور وتُمطُرُ الحياةُ من نوافِذِ جسَدِكَ عليها. البطل لا بدّ أن يدَوِّخَ عالمَكَ أنت ويصارعَكَ قبل أن تُرسِلَهُ الى قارئكَ, هو اختبارٌ لنضج مشروعِكَ في أوّلهِ وآخرهِ.

إذا ما فكرت يوما في كتابة سيرتك الذاتية هل ستكتبين كل شئ عنك ( المحرج والصعب والحساس و و الخ ) أم انك ستقدمين شئ وتستنين أشياء ..؟

بعينيّ السّيرة الذّاتيّة لا تُكتَب بأيّ حال! بل تُعاش، وحين تُكتب فلأنّ مادّتها تطاولت عليك ولم تعد قادرا على التّنفّس معها، لكنّك حتما ستجدُ لها مسارات في عملك الرّوائي، ومساراتها وشوشة قد لا يسمع بها سواك. ولا يصغي الى موجها غيرك. هي مطالبة أن تبقى لك وما تحرّرهُ من تفاصيلها سيغني مادّتك الرّوائيّة بنُسغِ حكاية لن يسمع بها قارئُكَ الّا معَك. هكذا أرى الى مشروع السّيرة الذّاتيّة حصرا. أحببتُ بعض ما سُجّل في فنّ السّيرة الذّاتيّة، لكنّ ما خلبني بِحَق هو ما خُيِّلَ أليّ أنّهُ سيرة ذاتيّة. قد أكون تمازجتُ مع مقتطفات من حياتي في رواياتي، لكنّي حتما لم أسجّل فصولا طويلة تحكي عنّي واذا حَكَت فبضمير لا يعود اليّ، وعبر تقنيّة سرديّة جماليّة تقود لفنيّة الكتابة أكثر ممّا تقود للحقيقة لأنّنا حتما نبحث عن المستوى الجمالي وتشظّياته الفكريّة الحسيّة أوّلا، والغزارة في منجم الحكايا الّتي ادّخرناها لرحلة بهاء سريّة في الرّوح؟ أنا على اعتقاد أنّ جماليّات سيرتِكَ تكمن في أسلوب تقنينها وتفنينها كجزء لا ينفصل عن جسد الرّواية. تداخل غير مباشر يثري العمل الّذي تعالجه. كلّ هذا يسمّونهُ ابتكار لسيرورة الحالة الابداعيّة، لا تهمّ فيها المُسمّيات بقدر ما تهمّ فنيّة المضامين.

هاجس البحث عن هوية للرواية العربية أو التي يكتبها كُتاب عرب كيف ترينه؟

الهويّة هذه الأيّام مسمّى لم يعد متداولا بقدر ما نُصِرّ على تقنيّة الكتابة وجماليّات مناحيها. هما سرّ الحالة الّتي تخرج بها. ويضاف أنّ الرّوية هي مشروع شخصيّ بحت ينقص أو يزيد بقدر ما يُضاف اليهِ من لون. واللّون هو المفردة والفكرة والهجس، وشكل الحوار، ومسافة العُبور، وعدد بطاقات الدّهشة الّتي تفعِم المخيّلة والقلب وتحرّض النّشوة على الاستشراء في منطقة المتعة المّتاحة، للكاتب والقارئ معا. فالمُتَع لا تأتي من الصُّدَف في رواياتنا، بل من ملاحقة متبادلة بين الرّوائي وشُخوصِهِ والإصرار على تبادل أدوارها.

كيف تنظرين للعالمية وما يقولونه عنها؟ وما ينتج عن الجوائز العالمية المعروفة ضرورتها للكاتب، والسعي إليها؟

العالميّة بعينيّ تخضع لفضفاضيّة بالغة، وأكثر ممّا ينبغي، وقد يحدث أن نتصرّف بها خارج سياقاتها. الحالة العربيّة الرّاهنة تعوّل على العالميّة كثيرا. وكل رواية تصدر تريد أن تصل لأبعد ما يمكن في محيطها الابداعيّ، لكنّ ما لا ينتبه اليه كُثُر أنّ العالميّة لا تُصَنَّع بقدر ما تخلقها شروط المكان والزّمان الانيّين والمحليّين لكاتبها وأنّ اختراقها مسافة عوالم كاتبها الفيزيائيّة الى بلاد بعيدة لا يقلدّها نيشان الانتشار العشوائيّ. فقد تكتب رواية عن الحيّ الّذي تعيش فيه وتصل أصداؤها لاخر العالم، وقد تكتب عن اخر العالم ولا يقرأكَ غير محيطكَ الضيّق. هذا يعني أنّنا سنجاوِر حقيقتنا وذاتنا القريبة ما أمكن حين نشعلُ نار الحكاية كي تصلَ ذواتا غريبة لا نعرفها. هذا هو منطق التّجاوز، فالدّفء الحسّي ولغة القلب هي من يوقد وليمة الحكاية. وليمة من نوع لم يجرّبه القلم العربيّ الّا على صُدف. قلّة يفهمون معنى أن تولم حكايتك وتملأها بحضوركَ كاملا كأنّ قبيلة كاملة تشغل أماكن حولك. هذه هي أبعاد التّواصل الحسّي مع شرارة الفكرة الرّوائيّة حين تتّسع وتغرف من نشوة التّواصل معها، وشروط تحقّقها أقلّ ممّا نتخيّل.

أمام هذا الكم المتلاحق من الهزائم العربية هل يمكن أن تنتج الرواية بطلا يحمل انتصارا قادما أو يبشر على أقل تقدير بمستقبل أفضل؟

ليس من وظيفة الرّواية أن تأتي بأبطال تتوّجُ أمجادهم وتطلقهم الى العالم، كما أنّ البطل ليس العنوان الصّحيح لصناعة البِشارة. وهم الخلاص عبر بطل أسطوريّ بعينيّ هو من يبقينا في أماكننا. الوهم يصنع رواية بامتياز لكنّه لا يصنعُ أبطالا لأنّ الوهم سهم قاتلة للواقع، فالرّواية تتغذّى من تفاصيل الكينونة الواقعة أيضا. لم يهزمنا غياب الابطال انّما تعلّقنا المرضي بنجمِها الرّخو وبأيّ ثمن. كلّ بطل يسعى لروايتهِ الفرديّة حين تُناديهِ دعساتُ أصابِعِها خلف أذنهِ، يأتي اليها محمّلا بعُروشِهِ ولا يتركها قبل أن يتأكّد أنّها أكملت دورة انفعالاتها.

كاتب وصحفي مستقل من ليبيا

المصدر

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى