أنا وديمي.. والموت

بيني وبين الموت ثأر قديم… وبيني وبينه علاقة نسب رغم ذلك،
فأنا “هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريق”.

أهرب من هذا الغريم، وأتحايل عليه أحيانا بالركون إلى ما يشبه مقولة أبيقور: ” اترك الموت يمتلك المستقبل، وعش أنت الحاضر”، لكنه يشدني بلؤم كل مرة إلى علاقة النسب تلك…أي حتمية الفناء وامتداد جذوري فيه، حينما يختطف عزيزا جديدا…
وكم أعادني هذا الغريم إلى مواجهة تلك الحقيقة المرة….

وكم هو منتش الآن، وشامت، بعد ثلاث صفعات متتالية آخرها التابوت الخشبي الذي استقبلت فيه الغالية ديمي جثة هامدة من المغرب…

رحم الله الجميع…

حينما يموت عزيز تتحول برحيله أشياؤه الجميلة التي كان يمنحنا إلى خيال ذكرى… … فماذا سأفتقد وأختي الغالية ديمي تحت الثرى…؟

ترتبط ديمي بكل ما هو جميل – خلال الأربعين سنة الماضية- في حياتي التي يسرق الموت إليها الخطى خفية تجاعيد وجه وخطوط شيب لا تعرف التراجع…

وهي في ما قبل هذه الأربعين سنة – وحتى قبل أن تولد- جسدت لي معاني أخرى ذات قيمة وجدانية – تاريخية عميقة.

وما ذا سيفقد الموريتانيون…؟

ولكن ما شأني بهم…؟ ولم أحرم نفسي انسياب مشاعر ذاتية تخصني…؟ ليعبر كل عن حزنه بطريقته…!

إنه الإخلاص لها… واحترام اختياراتها يجعلني أستمع إلى نحيب قلوب الآخرين… فقلد رفضت أن تكون لي وحدي.. كانت لكل الموريتانيين… أحبتهم، وأحبت رمال هذه الأرض ووهادها، وسهولها، وجبالها البنية وتلك المعممة بالرمال… وهبت كل الموريتانيين أجمل ما في الكون : صوتها الصافي العذب الرقراق…

كانت في منتهي العدل: ملأت لي دنياي…غنت لجمال الحياة، للفلاح البسيط، ، للعلم الوطني، للإستقلال والجيش؛ وعمقت في فنها مفهوم الوحدة الوطنية، وفرضت موريتانيا في محافل دولية وعربية رغم ضآلة الوسائل التي تتيح ذلك في بلدها.

وبمستوى ارتفاعها عن “القبلية” الضيقة والفئوية والعرقية، غنت للهم القومي في فلسطين.. وللهم الإنساني ضد ” الآبارتيد” أيام كان المواطنون السود في جنوب إفريقيا يكتوون بناره.

ذكرني التابوت الخشبي – وقت الصلاة- بما سيكون مصيري، ومصير الذين أحبهم، فثار في النفس ذلك الرعب الوجودي المرافق للإنسان في معركته السرمدية مع العدم .

ينتصر علينا الموت دائما لكننا نهزم العدم… يمحي وجودنا الجسدي، لكن منا من يقطف زهرة الخلد دنيا، فيما يكتفي البعض بصعود روحه إلى رب كريم رحيم.

وقد طارت روح الغالية ديمي إلى الملأ الأعلى طاهرة مؤمنة بالله الواحد الأحد – وهو يحب المؤمنين به، ويحب المتصدقين، مادحي رسول الله، والخالية نفوسهم من الضغائن- وتركت على الأرض خلودا يهزم هذا الفناء الجسدي المحتوم.

خلدت ديمي نفسها، لكنها تستحق علينا أكثر من دمعة حزن.. ومن العار ألا نقوم بعمل رمزي… ألا تستحق مثلا إطلاق أسمها على شارع ؟ أو بناء ذلك المعهد الموسيقي الذي قررت الحكومة مؤخرا تمويله، وإطلاق اسمها عليه..؟

أملي كبير في أن يقرر الرئيس محمد ولد عبد العزيز ذلك.

وأنت أيتها الغالية ستبقين في نفسي لحنا حزينا… ذكريات حاضرة لا تموت إلا بموتي… ستظلين “همسة للفجر في إذن الندي”… وسيظل صوتك الندي وطيف وجهك الباسم دثارا يدفئ وحشتي في ليالي الفقد الطويلة.

الشيخ بكاي