“القائد “.. و”المغنية”.. و”الراعي”

لا يستطيع المرء سوي التعاطف مع هؤلاء الغربيين “المخدوعين” في قادة العالم العربي من مبارك وزين العابدين، إلي القذافي، وصالح ، وكل الجبابرة القادم حسابهم بأيدي شعوب مات الخوف في نفوسها لكثرة ما شيعت من جنازات هي جنازاتها: شيعت أظافرها وقطع اللحم النازفة دما في مسالخ إدارات “الأمن”… شيعت كرامتها في توابيت الذل والقهر… شيعت حتى الأحلام البسيطة بكسرة خبز كريم، أما الأحلام الكبيرة فقد شيعها الجلاد والمجلود معا تحت سياط هذا الغرب “الرحيم”.

مساكين هؤلاء الغربيون لقد كانوا فاقدي الوعي وهم يتدافعون أمام خيمة العقيد معمر القذافي، وقصور الخادم الأمين حسني مبارك، وممالك النفط في الخليج… وهاهم يستعيدون “الوعي المفقود” بصدمة لم يحسبوا لها حسابا، فاجأتهم كما فاجأت الجبابرة المتحكمين في رقابنا… ولعل ما زاد من هول الصدمة اكتشافهم أن من راهنوا علي قوتهم، وأمدوهم بكل وسائل البطش ظهروا ” آلهة خزفية” ضعيفة، جبانة ، وخاوية.

استعادوا الوعي إذن وصحت ضمائرهم في ترجمة رائعة “لنبل الأخلاق” تصدرتها المغنية الأميركية “الفاضلة” نيللي فورتادو التي برأت ذمتها من مليون دولار أميركي قالت إنها تلقته قبل أعوام من أسرة الزعيم الليبي معمر القذافي مقابل إحياء حفلة… وقالت مغنية.”البوب”إنها تبرعت بالمبلغ لهيئة خيرية لم تحددها…وأنا أصدقها ضمن تصديقي للمؤسسة الغربية عموما.

ومثل مغنية البوب ” الورعة” تورعت كلية لندن للعلوم الإقتصادية التي تخرج فيها سيف الإسلام القذافي – وهي بالمناسبة واحدة من أشهر الكليات الجامعية البريطانية- وأعلنت رد مبلغ مليون ونصف المليون جنيه إسترليني تبرع به سيف قبل أعوام، كما اضطر رئيس الكلية إلي الاستقالة.

هذه الصحوة أيضا أفقدت وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل اليو ـ ماري منصبها بعد اعترافها بقضاء إجازة رفقة والديها بتونس، و قبولها السفر على طائرة خاصة يملكها شخص قريب من الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. واستدعت الصحوة أيضا اعتذارا من الوزير الفرنسي الأول فرانسوا فيون الذي وضع الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك تحت تصرفه طائرة خاصة، واستضافه خلال إجازته العائلية في مصر لمناسبة عيد الميلاد الماضي.

ودفعت الصحوة وزير الخارجية الفرنسي الجديد آلان جوبيه إلي الانحناء في ميدان التحرير في القاهرة متسولا رضا الثوار،معتذرا في وقاحة بالقول إن الغرب أخطأ باعتقاده أن دعم الأنظمة الاستبدادية كان أفضل وسيلة للوقوف في وجه التطرف.

لقد عرت انتفاضات الشعب العربي الحكام الذين تهاوت عروش بعضهم بسرعة مذهلة أكدت أنهم ليسوا إلا ” نمورا في الورق”، وأظهرت الآخرين جبناء يرتجفون كأوراق الشجر خوفا من ريح عاتية لا يعرفون متى تقتلعهم… لكن الانتفاضات في الواقع عرت أيضا المؤسسة الغربية وأكدت أنها علي درجة عالية من الجشع والنفاق والميكيافيلية والانتهازية،وانعدام الوفاء.

ليست هناك ضرورة للقول إن الغربيين كانوا يعرفون من هو حسني مبارك والقذافي وزين العابدين، وكل طغاتنا الآخرين؛ ولا ضرورة أيضا للتذكير بأنهم كانوا حماة ماكينة الفساد والقهر في مصر وتونس، كما يعرفون ويعرف الجميع متى ولماذا كان القذافي “مارقا”، محاصرا، ومطاردا؛ ومتى ولماذا أصبحوا يتدافعون أمام خيمته.

من كان يصدق أن يتخلي “راعي البقر” الأميركي عن البقرة الحلوب سياسيا واستخباريا في مصر وتونس بهذه السرعة؟… لقد خدم حسني مبارك الولايات المتحدة والغرب عموما في وفاء بالغ؛ وهو إن كان يستحق علي شعبه النهاية الذليلة التي خصص له، لا يستحق علي الغربيين هذا الموقف الموغل في الخزي… أي لؤم هذا…؟

ودموع التماسيح هذه التي يذرفونها علي الشعب الليبي؛ وهذه الضجة والتهديد بالتدخل العسكري لإنقاذ الليبيين لماذا لا يذرفونها علي قتلي الانتفاضات الأخري… وهذه السرعة في استسصدار قرار من مجلس الأمن، وتحويل الملف الليبي في سرعة فائقة إلي الجنائية الدولية، وفتح الأخيرة ملف تحقيق في اليوم الموالي ، لتصدر الشرطة الدولية مباشرة مذكرة تحذير ضد الزعيم الليبي وأسرته… ألا يثير سير الأحداث بهذه الطريقة أكثر من سؤال؟.

لماذا منع الأميركيون صدور أي إدانة ذات معني للإسرائيلين، لماذا وقفوا ضد الدعوات إلي التحقيق في ارتكاب إسرائيل جرائم ضد الإنسانية خلال حربها علي غزة التي استمرت 22 يوما واستخدمت فيها الأسلحة المحرمة دوليا وعد ضحاياها بالآلاف؟

سيتخلي” الراعي” الأميركي عن كل رأس استبدادي تقع، ومع ذلك مازال الذين شرعوا له علي الدوام قتل العرب وتجويعهم يغطون في النوم… لم توقظهم مأساة حسني مبارك وزين العابدين… إنهم يتدافعون الآن خلف هذا الأميركي القبيح ليعيد ما قام به في السابق… شرعوا له حصار العراق، وغزوه، وشرعوا له حصار ليبيا أيام كان القذافي” مارقا”؛ ويشرعون له الآن التدخل العسكري في ليبيا في حين تتردد دول غربية في ذلك.

إنكم أيها الاستبداديون في سفينة واحدة تغرق. ولن ينفعكم القول ” لسنا تونس ولسنا مصر”… أنتم تونس، وأنتم مصر؛ والعاصفة وصلت إلي باحات قصوركم… لن تنفعكم الهرولة خلف ” الراعي” الأميركي.. سيكون أول من يجمد أموالكم ويمارس الضغط للتعجيل بنهايتكم… ولن يشفع لكم مع شعوبكم البكاء علي الليبيين الذين يموتون في الحرب الليبية – الليبية… ستقول شعوبكم إنه حقدكم القديم علي القذافي يحرككم… ولن تجد في موقفكم جديدا؛ فالجديد هو ألا تشرعوا للأميركيين قتل العرب وتجويعهم..

أعنتم الأمريكي القبيح علي حصار العراق وغزوه… وتباكيتم خلفه علي حقوق الإنسان العراقي (…!)… دمر العراق… وقتل الرئيس صدام حسين ” بدم شعبه”… فكم قتل الأميركيون من العراقيين…؟ لقد قتلوا أكثر من مليون عراقي .. وكم الذين قاد الغزو الأميركي إلي قتلهم..؟… وأين العراق الشامخ الذي كان شوكة في حلوق بعضكم…؟

والآن…الآن يأتي الدور علي ليبيا في شكل صراع بين الثلاثي: ” القائد” المستبد، وأخلاقيات الغرب الزائفة كما يترجمها موقف”المغنية”، و” الراعي” الأميركي رمز الغطرسة والبطش الأعمى….

لن أتحدث هنا عن العقيد القذافي، فمواقفي منه معروفة، وكتبتها حين كان الآخرون يبايعونه… وحين كان الكل ينافقه أو يصمت عنه… لم أزر جماهيريته، ولم أدخل قط سفارته، ولم أصل خلفه حينما أم من أمهم من الموريتانيين؛ ولم أك قط من الذين اهتموا بكتابه الأخضر و نظريته ” العالمية الثالثة”؛ لكن لن أشترك في موسم الشتائم الذي يتسابق الكل إلي إحيائه، ومهرجانات ” الضرب في الميت” التي يتنافس فيها كثيرون كل واحد لأسبابه الخاصة منذ سقط “الزين” ومبارك ونفخت الريح الصرصر ملحفة ” القائد”.

أقول فقط لهذا الأميركي القبيح وأذياله البريطانيين والفرنسيين، وأذيال الاذيال من بني “عبس” و ” ذبيان” إن مقتلة واحدة تنفذها طائرة من دون طيار أميركية في أفغانستان تفوق كل المذابح، ومقتلة واحدة تنفذ بقصف جوي ضد قري بكامل سكانها في أفغانستان ويعتذر عنها الأميركيون في اليوم نفسه، لا تقارن بضحايا حرب داخلية يمكن لأطرافها إنهاؤها بتكاليف أقل.

لن يبادلكم الشعب العربي هذه المشاعر الجياشة، فاحتفظوا بها لأنفسكم… نحن نرفض هذا الحب، ونرفض الموت القادم معه … ونقول لكم أيضا إنكم لستم أهلا للحديث عن حقوق الإنسان، وعن دماء المدنيين… إن أياديكم أيها الإنسانيون الزائفون ملطخة بالدماء فاغسلوها أولا، وانتظروا موتنا لتجدوا من يصدقكم

الشيخ بكاي

تاريخ النشر الأول: الخميس 10-03-2011| 13:26

شارك