ينفخون ريشهم حينما يتحدثون إلينا وتجف حلوقهم أمام أبسط صحفي غربي

إعلان

حينما احتدم الصراع مع السنغال 1989 بعد أحداث العنف العرقية التي كان الراعايا الموريتانيون والسنغاليون في كل من البلدين ضحايا لها، نالت السنغال التعاطف الدولي، و ووجه الموقف الموريتاني باستهجان واسع في العالم ، حتي من لدن ذوي القربي في المغرب العربي ، والبلدان العربية في شكل عام مع استثناءات محدودة. وحينما ارتكب النظام العسكري حماقات في تعاطيه مع حركات التمرد السوداء، اعتبر الموريتانيون العرب في العالم فئة عنصرية تقتل المواطنين السود وتشردهم علي أساس لون البشرة والعرق. والأمثلة كثيرة … كثيرة …

*******

قد تكون هناك عوامل معينة ساهمت في إعطاء هذا الحدث أو ذاك وجهة ما، إلا أن السبب الرئيس هو – في رأيي – السياسة الإعلامية التافهة التي ينتهجها البلد محليا ودوليا، وقد أسميتها ” سياسة” تجاوزا ، ولن أخوض هنا في مسألة التكتم المبالغ فيه ، وعجز المسؤولين عن الإدلاء بأي معلومات أو وجهة نظر، إلا من خلال ” القنوات ” ” المعروفة” ، أو علي الأقل المعروفة لدي الإعلاميين الرسميين والتي تتسم – اسمحوا لي – بالغباء السياسي والإعلامي … ولن أخوض في عمليات تغييب الرأي العام ، وتركه فريسة للإشاعة .

*******

الموضوع الذي يهمني الآن، هو هذه الرهبة من الصحفي الأجنبي، واحتقار كل من ، وما هو وطني. ومن موقع عملي مراسلا لبعض وسائل الإعلام الأجنبية منذ أعوام ، ومن متابعتي لشؤون الصحافة المحلية الناشئة، وعملي الطويل نسبيا في وسائل الإعلام الرسمية؛ لاحظت أن حضرات السادة مسؤولي ” الحكومات” يظهرون أمامنا نحن أبناء البلد منتفخي الاوداج وأمام الأجانب تجف حلوقهم وجيوب البلد، ويعطون معلومات مضرة ، إما لأنها مشوشة وغبية، وإما لأنه كان ينبغي ألا تعطي أصلا. فلماذا هذا الإحتقار؟ ألإننا معشر الصحفيين الموريتانيين أقل كفاءة من الأجانب ….؟ الأننا نطلب ” البنزين و ” الفلوس ” من المسؤولين في مكاتبهم …؟ ألإننا نحتقر أنفسنا ؟

هذه أسئلة قد تكون واردة ، وأنا أعترف بأن هناك من يسيؤون إلي المهنة، وهناك من لا يمتون إليها بصلة … وهم في معظمهم دخلاء اكتتبهم أقاربهم ” المسؤولون” ( وكلامي هنا عن الإعلام الرسمي ) ، لكن يعرف الكل أن هناك من لا يسألونهم ” بنزينا” ولا …. وأعرف أنا ، وأقول للمسؤولين أن الكفاءة نسبية، ولدينا من يفوقون كثيرا زملاءهم في بلدان الغرب ” الساحر”.

*******

أتذكر أنني وزملائي مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية من الموريتانيين نجري وراء تصريح رسمي حول موضوع معين ، نحن أصلا نعرف خفاياه وأبعاده بحكم كوننا أبناء البلد، وبحكم استحالة حفظ السر في بلد صالونات الشاي وجلسات السمر ” الرمادية” لكن نسعي إلي التصريح الرسمي احتراما للمهنة وإنصافا لكل الأطراف المرتبطة بالحدث موضوع الساعة …. أذكر أننا في أكثر الحالات نعود مكسوري الخواطر أو بكلام مبهم مقتضب يرفض صاحبه أن ينسب إليه، -أو إلي قطاعه .- والغريب أنه حينما يأتي مبتدئ من الوكالة أو الإذاعة الأجنببية التي نعمل لها تفتح له الأبواب ويأخذ من التصريحات ما شاء. ويعلم الله أنني شخصيا أصاب بالإختناق… فقد غاب عن حراس البوابة عندنا أن الفرق كبير بين ابن البلد الذي يعرف دقائق الأمور بحيث لن يضع الأحداث في قالب مشوش، ولن يتجني علي بلده لأن مصالحه تهمه، وأسوأ ما يمكن أن يقوم به هو نقل أمين للوقائع قد لا يرضي نظام الحكم. ولست في حاجة إلي التعرض لما يكتبه الأجانب عن البلد فهم – مع استثناءات – إما يجهلون ما يجري، وإما من ذوي النوايا السيئة.

*******

ربما كانت أجهزة وزارة الاعلام ما زالت تذكر اليوم قبل الأول من محاكمة البعثيين عام 1988 فقد استدعي الامين العام للوزارة وقتها المراسلين وأمر بعدم إرسال أي مادة من دون أن يقرأها ويؤشر عليها . وقد رفضت شخصيا هذا الإجراء وقلت له إنني لا أقبل أن يقرأ ” الرقيب” مقالاتي ، وإذا كان هذا أمرا لازما فإنني أعتبره منعا …. وفعلا وضعت شخصا علي هاتفي ليقول للإذاعة البريطانية إنني سافرت في مهمة عاجلة- وهذا ما قاد إلي أن تطلب الإذاعة من أحد مكاتبها في إفريقيا تغطية المحاكمة . ويذكر الموريتانيون التقرير الشهير الذي تضمن كلمتين عن البعثيين وخصص للعرب ” ذوي الألوان القمحية الذين يستعبدون سكان ضفة نهر السنغال السود” .

ومع أن السلطات سمحت لنا في الأخير بتغطية الحدث بحرية فإن محاولة من الأمين العام لقراءة نصوصنا أضرت بالبلد. ولا أعتقده المسؤول عن هذا الحادث .

يبقي أن أتساءل عن الفائدة من الأموال الطائلة التي تنفق علي مطبوعات معروفة بالتملق ولا مصداقية لها، وتأخذ بهذه اليد الشيكات لتكتب بها مديحا لا يفيد البلد، وتكتب باليد الأخري كلاما يضره؟ ولماذا هذه المقابلات المتكررة من أعلي رأس في البلد مع مجلة جون آفريك ؟ ” ولماذا تجمع المجلة الأموال من مؤسسات الدولة في حين يقابل الصحفيون الموريتانيون بالرفض والصحافة الوطنية بالاحتقار؟

هناك من طلبوا تكرارا مقابلات مع رئيس الجمهورية وأشك حتي في أن يكون الطلب وصله. فلماذا هذا الاحتقار لصحافة نحن كلنا في حاجة إليها ….؟ كفي….

الشيخ بكاي

خطوط علي الرمال جريدة “المراقب” العدد 11 بتاريخ 7 فبراير 1993

إعلانات