خطوط على الرمالموضوعات رئيسية

(2) في ذكرى أحداث 1984 : الترغان” (الترويض).. ثم السلخ../ الشيخ بكاي

 أمضيت الليلة الماضية على الأرض من دون فراش وسط أكوام القمامة، ولم يكن النوم أقل عداء من رقيب الشرطة سيدي محمد، فقد تحالف ضدي مع رهبة الجو وأصوات الجزم، ودمدمة الحديد في باب الزنزانة يفتحه الشرطيون على الدوام للتأكد من وجود “المجرم الخطر.

تحولت زنزانتي في هذا اليوم إلى ما يشبه المطعم.. وصلت كميات كبيرة من الطعام من مصادر مختلفة منها أخي محمد رحمه الله. ومنها كمية مخصصة لثلاثة أشخاص هم المرحوم محمد ولد جدو وحمود ولد عبدي وأنا.. كانت من بيت المرحوم محمد ولد جدو.. هي وجبة كنا نأكلها معا في البيت، وتعرف السيدة فاطمة مباركه أننا نحبها.. قلت للشرطي “هذا الطعام لي ولاثنين آخرين.. أنا عندي ما يكفيني.. إذهب به إليهما”.. أَغْلَق الباب من دون جواب… سأعرف في ما بعد أنهما لم يمرا بـ”النعيم” الذي أنا فيه، فقد بدأ “التحقيق”- الجَلْدُ معهما منذ اليوم الأول.
امتلأت زنزانتي أيضا بالشاي والسكر والسجائر من المصادر نفسها ومن أختي النانه بنت اج التي تعرف أني إذا وجدت السجارة والشاي أكون سعيدا..
كنت أحس أن الشرطيين يمارسون نوعا من “الغصب”.. يأخذون السجائر والشاي والسكر من دون إذن، وحتى الرقيب سيدي محمد كان يأتي ليأخذ حصته أو يرسل من يأخذها.. كنت أقبل لأنه في المقابل هناك من يجالسونني في الزنزانة، يعدون لي الشاي، وأستدرجهم لمعرفة بعض الاخبار.. كنت أمارس حريتي في أمر واحد هو اختيار من يأكل معي.. كنت ابادر: “خذوا أنتم تلك الوجبات، وتعال أنت لتأكل معي”..
عرفت من الشرطيين من هم جيراني في الغرف 1،3،4،5، أما الرقم 2 فكانت هي قصري.. وعرفت منهم أسماء العشرات من بينهم الشهيد سيدي محمد لبات، والمرحوم كابر هاشم…
لم يطل “النعيم” فقد صادر الرقيب سيدي محمد كل ممتلكاتي فجأة وبدأ أسلوب ” عبد الجبار” في اليلة الـ 29 مارس:

بعد أن تأقلمت مع النوم تحت وئيد الجزم ودمدمة الحديد بدأت أصحو ليلا على جزمِ مقنعين تركلني، وأياد تصفعني، وأصوات تناديني: “عبد الجبار.. عبد الوهاب.. عبد الفتاح.. عبد اللطيف..”.
في إحدى المرات أمسكت بقناع أحدهم بقوة وصرخت في وجهه:
“Tu sais très bien que je ne suis pas Abdel Jebbar”
(تعرف جيدا أنني لست عبد الجبار).
سقط قناع الشرطي فإذا هو الشاب عميرات الذي عرفته يعاملني بلطف واحترام .. قال بسرعة :”أنا مأمور” وواصل الصراخ..
في الليلة الموالية تطور الأسلوب إلى “ترويض”: أستيقظ من النوم على عملاقين يمسك كل واحد منهما بيدٍ ويجريان بي بسرعة صائحَين: “الرياضة.. الرياضة”..
قلت لأحدهم مرة: “أنتم وحوش”.. رد علي: ” ذا ألاَّ الترغان… ذاك جايك مزال…”…
بدأت أخبار التعذيب “الحقيقي” تصلني: “الجاغوار”، و”الحشو بالفلفل الحارق” و” الصعق بالكهرباء”… وبدأت شخصيا الرحلة خارج “الترويض” و”الترغان”…
كانت أول جلسة “تحقيق” مع المفوض دداهي ولد عبد الله ومفوض آخر أعتقد أنه مات ولذا أُمسك (هنا) عن ذكر اسمه.. اعتقدت وقتها أن هذا المفوض لم يك محققا فقط كان شخصا له حسابات خاصة.. (كان ذلك اعتقادي خلال الجلسات وقد أكون مخطئا)..
بدا المفوض دداهي “ملاكا” ولم ترد على لسانه إهانة.. كان يطرح اسئلته بهدوء واحترام وأحيانا يكون طريفا: ” والله إنكم لحركة متبعرصة).. وهي حيلة استخباراتية فهمتها بسرعة…
كان أول سؤال: “ماهي قبيلتك”؟…. ورددت: ” رغم استغرابي لربط اعتقالي العشوائي بالقبيلة، أنا من كنته”.
دخل المفوض الآخر في سلسلة من الحديث عن “غرور كنته، و”اتْخَوْمِي” كنته، وكون ماء المرحاض لا يليق بكنته…. وأطنب في هذا الأمر إلى درجة جعلتني أنسى أين أنا، وكيف، ومن أكون أمام آلة الطحن التي أنا واقع بين فكيها..
قلت غاضبا:” دداهي لم لا تقول لهذا الرجل ألا مكان للقبيلة هنا؟”. والتفتُ إليه هو:” لوكنتُ هنا على أساس انتمائي القبلي لما استطعتَ النطق (ما اتحل الصاق فمك).. وأردفت: مارس مهنتك بحرفية.. واجهني بمعلومات أكيدة عني تجعلني أنهار وأعترف”.
ابتسم دداهي في هدوء وقال:” فلان.. ما قال لك الشيخ صحيح.. دع قبيلته”..
وبالمناسبة يحتاج هذا المفوض إلى الترحم فقد ارتكب فظائع لا تتصور منها أنه أخذ اثنين أحدهما أكبر سنا من الآخر وبينهما الاحترام وعراهما وحشاهما بالفلفل الحارق وهما ينظران إلى بعضهما البعض… لا أستطيع أن أكتب “رحمه الله”….
على الرغم من أن دداهي كان بعد ولد اميشين الشخصية الأهم فإنه لبس خلال التحقيق ثوب “الملاك” ولم أسمع أنه أساء لفظيا إلى أي أحد.. والأساءة اللفظية ليست أقل شأنا من الاساءة الجسدية..
بعد الجدل القبلي دخلنا في المهم: الانقلاب، والتنظيم العسكري، والأمانة التنفيذية وهيكلة التنظيم. ولم أسأل شخصيا عن “الأموال الليبية”..
قرر دداهي بعد ثلاث جلسات إرسالي إلى فرق “الموت”

أظهرت الأسئلة خلال التحقيقات صراع أجنحة في النظام نفسه وفي المخابرات بدت مقدمة لانقلاب معاوية ولد الطايع في العام نفسه.. كانت هناك جهات تدفع باتجاه تجريم بعض أعضاء اللجنة العسكرية مثل الضباط: محمد الامين ولد الزين، آتيه همات، مولاي ولد بوخريص… وكل الأعضاء القريبين من المقدم هيداله..
وكانت هناك جهات تدفع باتجاه توريط ما كان يعرف ب” تحالف موريتانيا ديمقراطية” في العملية من أجل إضفاء صدقية على اتهام الناصريين بالعمالة لليبيا في أجواء الاتحاد الغريب الذي أقامه المرحومان معمر القذافي والحسن الثاني.. ولهذا الغرض اعتقل معنا السيد الداه ولد عبد الجليل الذي كانت تهمته حينما ذهبنا إلى المحكمة الجنائية الخاصة مثل تهمتي والكوري وحمود وكل الناصريين وهي إنشاء التنظيم الناصري… ووووو”… ولمن لا يعرف الأستاذ الداه من غير الموريتانيين هو في الأصل ذو خلفية ماركسية تبنى بعدها الفكر الديمقراطي الغربي. وكان الناصريون في تلك الفترة يعتبرونه خصما سياسيا وفكريا لهم.
وكانت هناك جهات مصرة على تصفية عدد كبير من ضباط الجيش بتهمة “تشكيل تنظيم عسكري ناصري..”..
وفي الواقع لم يكن للناصريين تنظيم عسكري. بل إنهم قرروا عن وعي الابتعاد عن الجيش… وأعرف شخصيا قادة ناصريين حضروا المؤتمرات السرية ولعبوا أدوارا نضالية كبيرة في الحركة الطلابية، لكنهم بمجرد دخولهم الجيش عزلهم التنظيم وانعزلوا عنه…
أما الانقلاب فلم يفكروا فيه مطلقا، ولم تكن لهم علاقات بالعسكريين في السلطة.. كانوا حركة شعبية تسعى إلى التغيير من خلال الثورة الشعبية…
وتبقى “اللوثة” الليبية” التي ألصقها الخصوم السياسيون واستغلتها السلطة كلما أرادت أن تنقض عليهم.. وما لا يعرفه كثيرون أو لا يريد كثيرون أن يعرفوه أن “التنظيم الوحدوي الناصري” ظل على الدوام في صراع مع النفوذ الليبي.. ودفع الثمن غاليا من وحدته وتماسكه بسبب رفض التجربة الليبية.
.
أمضيت خمس ليال من دون طعام أو شاي أو سجائر.. كان الوكيل ديوب إبراهيما يعطيني من حين لآخر سجارة أدخنها وهو يستعجلني واقفا على الباب خشية أن يدخل أحد الكبار.. أتاني بعلبة حليب رفضت أن اشربها في المرة الأولى، فقد قالت لي “الطفولة” إنهم يضغطون علي بمنع الطعام.. والحليبُ طعام ولن آكل أو أشرب خلسة. لكن ردت الواقعية: ” هم يريدون إضعافي بمنع الطعام. لن أساعدهم سآكل وأشرب ما يهرب إلي.. وناديت جوب…
كان جيوب يأتيني بكأس شاي في علبة حليب فارغة من عند جاري في الغرفة رقم 1 الصحفي عبد الله السيد… كان الزميل عبد الله قوميا يكتب أشعارا قومية جميلة اعتمدت في مكتبة التنظيم. وقد أعطيت إحداها للمرحوم الخليفة ولد أيده فغناها، لكن أعتقد أنه في تلك الفترة لم يكن على صلة بالتنظيم السري.. ولذا لم يطل مقامه بيننا.. وترك خروجه فراغا كبيرا، فقد كان شخصية مرحة أفادني وجوده جارا لي، وأدخل السرور والتفاؤل على مجموعة من الشباب محبوسة في قسم الشرطة بعد نقله إليها من الغرفة الانفرادية.
الزميل عبد الله رجل صوفي ابن زوايا ومن الطبعي أن يقرأ القرآن، لكنني ذات ليلة سمعت من ثقب في الجدار قرآنا ما هو بقرآن..
أصخت السمع من ثقب الجدار فتمكنت من سماع الآية:
_” هل مازالوا يمنعون الطعام ؟.. هل عذبوك؟”
رددت ب،”آية” أخرى مؤكدا بالطريقة التي نرتل بها القرآن (آقبابيد)..
واستمر الاتصال بيننا بهذه الطريقة القرآنية التي لا تستطيع الشرطة أن تكتشفها حتى رُحَّل عني..
.(يتواصل)

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى