غبار في الطريق / الشيخ بكاي

هي فقط إطلالة سأكتفي بعدها بالمراقبة بعض الوقت لأفهم منكم ما جد خلال الشهرين الماضيين اللذين عزلت خلالهما نفسي في الجنة حيث لا انترنيت ولا فضائيات.. وحيث يعرف كل القريبين مني أني هارب من جحيم القتل والكذب والنفاق وهم لذا لا ينقلون إلي ما  يسمعون من أخبار المدن المغضوب عليها..

لكن رغم كل الاحتياطات، وما بنيت من سدود بيني وعالم الشر فإنه في إحدى الليالي خيل إلي أن نوقي ستحلب دما وأنا أستمع من بعيد إلى راع يروي أكلَ حاكمِ عربيِّ شابِّ لحمَ صحفي..

أنا أهرب من عالم الشر وهؤلاء البدو يهربون إليه.. يفخخون الجنة ليظهروا لسكان الجحيم أنهم ليسوا أقل اطلاعا..

استمتعت كثيرا بحكاياتهم عن بطولات “القعدان”.. وجمل أهل فلان الذي يُسمع هديره القوي الجميل من بعيد وتخافه كل الجمال في المنطقة.. ونقاشاتهم “الساخنة” حول أصول الابل وأنسابها..

لا أخفي أنني مارست كثيرا وظيفة “لَهَّايْ الرعيان” حيث كنت أشجع كل “دَيَّارْ” وكل راع يمر على أن ينزل عن جمله ويتناول الشاي ثم الغداء بعد ذلك.. وكنت أصطاد كل “دَيَّارْ” يمر آخر النهار فأغريه بأن الليل قريب وبأن غيره سيأتي وقد يدله على ضالة إبله.. سأستمتع بأسئلتهم عن “الظاله” ومياسم الابل.. وحديثهم عن “البركة” في الأرض، و”تعشير” الابل من عدمه..

تميزت عطلتي هذا العام بأن المنطقة جمعت بدو “آدرار” و”تكانت”، حيث لجأ إلى الشريط القصير وسط “تكانت”  الذي من الله عليه بنصيب قليل من المطر بدو “آدرار” الذين تأخر المطر عن ولايتهم.. وليتني التحقت بالكل الآن، فقد شد بدو تكانت هذه الأيام الرحال إلى الولاية الواقعة على الحدود هربا من قحط يبدو أقسى من جفاف السنة الماضية.

كانت مجالس بدو الولايتين ممتعة فهم يشتركون في الكثير من الخصائص، ولهم عقليات متقاربة، ويعتقد كل منهم أنه الاذكى..

وصل التنافس إلى حد تنظيم سباق للجمال كانت الغلبة فيه لأهل “آدرار”..

كنت أصر على أن تبقى مجالسنا الليلية في حدود أخبارالبادية وأهلها، لكن ضيفا محترما ظل معي طيلة العطلة كان “يتخم المجلس” بحكايات عن “الشركة” و “تازياست” و”الجمارك” و”الشاحنات” والشيخ محمد الحسن ولد الددو.. ورغم أني لا أريد إلا أخبار الجمال والنوق والمراعي، فقد كنت مرغما على أن أسمع منه عن الحرب على الاخوان، ومعهد العلماء، والحمم التي يقذف بها منافقون وقوميون، وكارهون للاخوان؛ وعن السموم التي يقيء متأسلمون وشعوبيون وفراخ شرانق “دواعش”..

خرجت من جنتي ورياح شمالية شرقية تكنس الخيم على وقع رحيل فريق عن جيوشه وحلول آخر مكانه، وقطع رأس حزب..  وإرسال “ناطق” في عمرة (عسى الله أن يتوب عليه)..

أنا أستطيع فقط  تأكيد أمر واحد هو هجرة أهل تكانت إلى الشمال (الأوسط) هذه السنة الشهباء بحثا عن المراعى، فهل هناك من هو متأكد من هجرة أكبر إلى وجهة أخرى؟…

أرى غبارا في الطريق إلى الشرق لكن علي الانتظار…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.