المشي على “حبل مشدود” فوق بركان/ الشيخ بكاي

عنوان المقال مستوحى من تعليق كتبه مسؤول حكومي على “تدوينة” لي على “الفيسبوك” ..
يقول التعليق:
“يبدو أنكم تمشون فوق حبل مشدود أوقدتم تحته نارا”… صورة جميلة، و”مرعبة” في آن.. لا سيما أن “تدوينتي” كانت عن الرئيس عزيز و ما هو إلى الآن “إشاعة” عن نيته تشكيل حكومة جديدة بعد إقالة “المنصرفة”..


صورة “مرعبة” …
تخيلتني حولت ما في “تامورت النعاج” من شجر الـ “أمور” ، وما في قيعان “البراكنة” من “أيزن” و”سدر”، وما في “الحصيرة” من “تمات”، وما في “الرشيد”، و”آدرار” من نخيل حطبا؛ ثم في طرفي أكوام الحطب نصبت عمودين من شجر “تورجه”، ومددت بينهما حبلا رقيقا من النوع الذي يسميه البدو “تانسو”.. وقبل تسلقي الحبل سكبت خمسين لترا من البنزين على الأكوام؛ وبعد أن أثبتت قدمي على الحبل أشعلت أعواد ثقاب ورميت بها في شكل متتابع إلى الحطب وأنا أتدحرج يمينا ويسارا على الحبل الرقيق فوق البركان المشتعل..


صورة مرعبة تحمل أكبر “تهديد”؟
لو كان المسؤول شخصا آخر غير صاحب “التعليق” لقلت إنه تهديد، لكن وأنا أعرف الشخص وأفهم مقاصده، ونياته (نحوي) أجزم بأن الأمر أقرب إلى ” الإشفاق” و”النصح”…
و”التعليق” في الواقع ترجمة أمينة لتصور الموريتانيين لقلة تقول رأيها من دون ” تخندق”، أو نفاق، أو تصفيات حساب.. تختلف مع الغير في رأي لكنها لا تعاديه… تدافع عنه حيث أصاب من دون أن تتبنى أخطاءه.. وتسلط الضوء على النقاط المظلمة في مسيرته من دون تحامل… وهي في كل ما تكتب لا تسعى إلى ” إغضاب جهة أو إرضائها” . وما بين “الظفرين” ورد في بعض فقرات الحوار “الفيسبوكي” بيني والمسؤول.


ومن باب “المشي” على “الحبل المشدود” فوق “الجحيم” أقول إنه قد تنزعج السلطة مرة، وتنزعج المعارضة أخرى .. وقد تتفقان على أنني عدو لهما.. وهنا سأفرح باتفاقهما المطلوب في أمور- غير هذه- تمس كيان البلد ومستقبله. ولن يحترق “الحطب” تحتي بانزعاجهما…
ولأن كلا من الطرفين يعرف في قرارة نفسه ألا علاقة خاصة تربطني به، قد تقول السلطة – التي لديها الوظائف والامتيازات والصفقات ومحلات “تضامن”- إنني صديق المعارضة. وقد تقول المعارضة -التي لديها المؤتمرات الصحفية والمطالب التعجيزية- إنني في صف السلطة. فتحرمني الأولى من “بركاتها” التي لا أعرف لها طعما، وتمنعني الثانية من دخول مقراتها... ولن يكون في الأمر من دون شك تحول “دراماتيكي” في حياتي..


قد يقول ناصح إن “المشي” على “حبلين” تحتهما “أكوام” من النفاق أفضل من ما وصفه أخي المسؤول بــ “المشي على حبل مشدود” تحته الجحيم، خصوصا أن المسافة “الشكلية” بين “المشيتين” قصيرة…
ولن يكون في الأمر غرابة فالسلطة تجعل كثيرين “يمشون على الحبل” ( بالمعنى الموريتاني) إلى درجة تجعلهم “يلعبون معها على حبلين” أحدهما “مشدود” في الساحات العمومية والمهرجانات، ويتم اللعب عليه وسط قصائد المديح… والثاني “مشدود في المجالس الخاصة ولا يسمع حوله إلا الشتائم والتضرع إلى الله أن “يريح المسلمين من هذا النظام”….
والسلطة نفسها…..؟ لو لم أكن “مرعوبا” من انقطاع حبل الــ “تانسو” الذي أقف عليه فوق بركان لقلت إنها هي الأخرى “تلعب على عدد من الحبال” مع مواطنيها…..


والنار هذه التي تحدث عنها التعليق الجميل.. أنا لم أشعلها “بعد”.. وإذا أنا فعلت لن تحرقني، لأنها تعرف إلى أين ينبغي أن تتجه… وأنا أعرف كيف أوجهها…
أنا فعلا رجل بدوي، وأعرف كيف “أوقد النار”، لكننا في البادية، ونحن “الأصل” و”الأصالة”، لا نشعل النار في أنفسنا و”ثوابتنا”….
ولم أتعب نفسي في إضرام النار..؟ هناك من يشعلونها في البلد على مرأى ومسمع من السلطة والمعارضة معا .. ولولا خوفي من السقوط في “بئر الهباب” لقلت إن مواقفهما من ما يجري مخجلة ولا تخلو من نفاق………
وهنا أتوقف – مضطرا- فقد بدأت أشعر باهتزاز الحبل الرقيق يشتد تحت قدمي المتعبتين، وبألسنة اللهب تدفعها الرياح نحوه..
سأحاول ألا أسقط.. وإذا أنا سقطت لن يكون لذلك دوي هائل، فأنا أقف وحدي على هذا “الحبل”- “الصراط”.. ولن يحترق معي الكثير…

المطلوب هو إطفاء الحرائق التي تلتهم البلد بمن وما فيه، بأيدي الجميع: فاعلين، متواطئين، متمالئين، ومتخاذلين….

الاحد 31-05-2015| 10:15
إعلانات