زغاريد ” المكتسِح”.. صلوات المُكاء، .. “ثورة الأبواق” و “كلاب الحوأب”/ الشيخ بكاي

ماذا بعد……؟

انتهت الانتخابات الاشتراعية والبلدية بفوز كاسح للحزب الحاكم كالعادة.. وكالعادة علا صراخ المهزومين، ونتفت المعارضة شعر رأسها، واستعار المنتصر مشية الطاووس .. لتنطلق القافلة ( منتصرون ومهزومون، سلطة، ومعارضة)، تنبحها “كلاب الحوأب”.

لا جديد… فتحقيق “الإتحاد من أجل الجمهورية” فوزا كاسحا لا يثير أي استغراب لدى من له أدنى معرفة بالخريطة “الجينية” لهذا الكائن “العريق” ، متغير الأسماء، حامل “مورثات” الاكتساح، والكسح، والمشي كسحا، من سلالة أسلافه انطلاقا من “حزب الشعب الموريتاني” مرورا بــ” هياكل التهذيب”، إلى “الجمهوري الديمقراطي”، و”الجمهوري للديمقراطية والتجديد”، إلى “عادل”.

لا جديد… معارضة تصبحنا بصليل السيوف وصهيل الخيل نحسبه نفخة إسرافيل، فإذا به في الأخير مؤثرات صوتية لفلم لم يكتب نصه بعد.

لا جديد…

وسط زغاريد ” المكتسِح”، وزقو “المكتَسحين”، وصلوات المُكاء، وهدير “ثورة الأبواق”، ونباح “كلاب الحوأب”، تستأنف القافلة السير سالكة الممرات الضيقة، والشعاب المظلمة، وصحارى العطش نفسها.. سينشق “مكاؤون” عن “المكتسِح” بعد اليأس من قبول “صلواتهم”.. وسينغمس سياسيون في قراءة نظريات “الوراثة” من “غريغوري مندل” إلى علماء “مشروع الجينوم البشري” علهم يتوصلون إلى خلطة تورثهم بعض صفات “المكتسِح”..سيفرح بعضهم بأن تحوله التجارب ذبابا يقتات على فتات الموائد… سيستجدي البعض المصاهرة، وسيدفع آخرون نساءهم إلى”الاستبضاع” على طريقة عرب الجاهلية، علهم ينالون حظا من تلك الصفات…

وتستمر الأزمة .. تستعر.. يضيق الناس ذرعا بالغالب والمغلوب، و”الهجين” و”المهجن”.. ويتسلل فقر الدم “المنجلي” إلى “الكائن منتفخ الأوداج” بفعل خطأ طارئ في إحدى “الجينات” على شريط الـ DNA فيضمر.. ويُظهر الهزالُ مشيته العرجاء، وتسقط المهابة عن وجهه..عندها يقفز إلى المشهد كائن جديد- قديم يحمل “المورثة” نفسها ونعود إلى نقطة البداية.

“سيناريو” تكرر على مسرح البلد منذ “البيان الرقم 1” الأول ، بنسخ متقاربة. فهل يحق لنا أن نحلم بــ “سيناريو” جديد ، ولا عبين بأفكار جديدة؟

ليس محظورا علينا الحلم، كما هو متاح للمهتمين الآن بتقسيم “كعكة” ما بعد الانتخابات أن يحلموا بنصيب.. وسأبدأ بأحلامهم مستعرضا أكثر الأسئلة إلحاحا لدى الكثيرين:

هل يشكل الرئيس محمد ولد عبد العزيز حكومة يشرك فيها الأحزاب الدائرة في فلك السلطة بعد حصولها على حضور في البرلمان؟ هل يشرك أحزاب المعارضة “المشاركة” أو “الناصحة” أو “المعتدلة”؟… هل يتم احترام الحضور القوي لجماعة الإخوان المسلمين في البرلمان فتمنح منصب زعامة المعارضة؟ هل يكافأ النائب مسعود ولد بلخير بمنصب رئاسة الجمعية الوطنية؟

وفي الواقع للرئيس عزيز أن يشكل حكومته التي يريد، استنادا إلى نتائج الانتخابات، فله غالبية برلمانية تمكنه من ذلك. لكن أخشى ألا تكون الحكومة الحالية أفضل فريق يخوض به الانتخابات الرئاسية.

يبقى فقط أنه من الناحية الأخلاقية – وليس في السياسة الموريتانية أخلاق- لن ينظر كثيرون إيجابا إلى تجاهل أحزاب “زين” بها نظام الحكم مشيته على مدى الأعوام الأخيرة، ودخلت الانتخابات رافعة صور الرئيس شعارات لها.

أما إشراك أحزاب المعارضة “الممثلة في البرلمان الجديد في الحكومة فهذه مسألة تعتمد على فهم الرئيس عزيز لأهمية تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة تكون “حشوة أذن” ضد صراخ المعارضة “الراديكالية” المناوئة له، و”تدجن” معارضين وشخصيات سياسية وازنة لبعض الوقت، خصوصا أنه مقدم على خوض انتخابات رئاسية أصبحت على الأبواب.

وبخصوص “زعامة المعارضة” لا أعتقد أنه من الوارد بأي حال من الأحوال ألا تكون من نصيب “تواصل” الذي هو أكبر الأحزاب المعارضة حضورا في الجمعية الوطنية.

ما يمكن التساؤل بشأنه هو رئاسة الجمعية الوطنية التي للسلطة أن تعين فيها أحد برلمانييها بحكم سيطرتها على الغالبية. غير أنه من باب الحرص أيضا على القاعدة العريضة، ونظرا إلى مكانة ولد بلخير التاريخية ، وشخصيته المعتدلة في الشأن العام، والدور الذي لعبه في الحوار بين السلطة والمعارضة، يبدو منطقيا تجديد الثقة فيه رئيسا للجمعية الوطنية.

ولأني أكتب هذا المقال قبل حسم موضوع “بلدية نواكشوط” (المجموعة الحضرية) التي يبدو النظام مهتما بها ، و لايتوفر على الأصوات الكافية، أترك الباب مفتوحا لاحتمال أن تدخل رئاسة الجمعية الوطنية ضمن صفقة تمكن الحزب الحاكم من قيادة هذه الهيئة.

تلك أسئلة ثانوية – في رأيي- لا تغير في مسار الأمور كثيرا، ولا تشمل السؤال الأهم الذي على الذين نصبوا أنفسهم قادة لنا أن يردوا عليه: “إلى أين تسوقوننا؟”

يتهرب كل طرف من المسؤولية ملقيا باللائمة على الطرف الآخر في الأزمة السياسية القائمة منذ أوقف الرئيس الحالي عام 2008 صلاحيات منحت لرجل قبل أن يكون “نصف رئيس” في ظروف نعرفها جميعا هو سيدي ولد الشيخ عبد الله.

لقد كانت الانتخابات التي أتت بولد الشيخ عبد الله استمرارا للآليات المتحكمة منذ قبل الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع إدخال التعددية عام 1991 ،غير أنها في الوقت ذاته أعطت الموريتانيين قدرا من الأمل في أنه في مقدورهم التغيير، والتحكم في مصائرهم عبر صناديق الاقتراع. فقد كانت محل توافق، وكان الإشراف عليها مقبولا، واتسمت بالشفافية على مستوى الاقتراع.

وبرغم أن ولد الشيخ عبد الله قدم بصفته مرشح “الدولة” ووقف خلفه القادة العسكريون الفاعلون، ووظفت لترشيحه الآلة الرسمية والقبلية المرتبطة بها على الدوام، فإن الموريتانيين تحرروا نسبيا من “فوبيا مواجهة الدولة”، وحل “الأمل” في نفوس كثيرين منهم محل “اليأس” من التغيير.

غير أن المعارضة لم تكن في المستوى المطلوب ولم تلتقط الإشارة بفاعلية، أو التقطتها خطأ، حيث تعاملت مع الانتخابات وهي حبيسة الأطماع الشخصية لدى قادتها، والحزازات بينهم. ففشلت في التخندق خلف مرشح موحد. وحينما قدمت لها الجولة الثانية من الاقتراع فرصة الفوز انكسرت الفرصة على صخرة العوامل نفسها.. وتعود المسؤولية هنا إلى السيدين أحمد ولد داداه المرشح الذي لم يبق بينه والقصر الرئاسي إلا خطوات معدودة، ومسعود ولد بلخير المرشح الخاسر الذي أصبح في يده مصير من يحكم البلاد.

لقد ضيع الرجلان فرصة تاريخية كان يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة تخرج الموريتانيين من قوقعة الشعور بالعجز عن التغيير.

ولست في حاجة هنا إلى التشكيك في نيات القادة العسكريين الذين سمحوا بإجراء انتخابات لا يرشحون عسكريا فيها، وتلك لعمرى بادرة جيدة تسجل لهم؛ لكن في الوقت ذاته لا يمكنني تجاوز حقيقة أنهم أرخوا الحبل بيد، وأمسكوا به باليد الأخرى.

لقد صنعوا رئيسا وأكلوه بالتدريج.. جعلوا منه “نصف رئيس” .. شاركوه ممارسة السلطة “الحقيقية”، ورموا به بعيدا حينما “خيل إليه” أنه رئيس حقيقي.

ومع كل ذلك بقيت التجربة على قدر كبير من الأهمية حيث أنه في اليوم الأول من حدوث انقلاب على ولد الشيخ عبد الله ، تشكلت جبهة معادية للانقلابيين… وهي المرة الأولى في موريتانيا التي لا يبادر فيها أعوان رئيس إلى لعنه يوم سقوطه.. هو نوع من النضج جديد.. نوع من “غيبوبة” ما سميته “فوبيا مواجهة الدولة” ولا أقول موتها..

وهنا أيضا أظهر “تكتل القوى الديمقراطية” الذي هو أهم أحزاب المعارضة أنه لم يستخلص الدرس من تجربة انتخابات 2007 التي ضيع فيها وحزب “التحالف” فرصة التغيير؛ إذ تسرع رئيسه في إعلان الانقلاب تصحيحا ليعود عن ذلك بعد أن لم يعد “المصححون” في حاجة إلى دعم.. وهي قصة معروفة لا ضرورة للاسترسال فيها.

والآن؟

لم يبق أمام الانتخابات الرئاسية إلا شهور معدودة. ولا تدعو “السيناريوهات” المتوقعة إلى التفاؤل:

من أول تلك “السيناريوهات” أن يتجذر موقع الأحزاب التي شاركت في الانتخابات شركاء للرئيس محمد ولد عبد العزيز في تسيير مؤسسات الجمهورية، وتتسع الهوة بين ما كان ذات يوم معسكر المعارضة، خصوصا أن أحزاب “المنسقية”ستواصل المطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات شرطا أساسيا للمشاركة في الرئاسيات. وهذا ما سيواجه بمعارضة قوية من أحزاب حققت نتائج ما كانت لتحصل عليها في الظروف العادية. وهو من دون شك لن ينال إذنا صاغية لدى الرئيس عزيز.

ويرجح المحللون في هذا السياق أن تجري انتخابات رئاسية في غياب أعضاء منسقية المعارضة، تشارك فيها الأحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان بثلاثة مرشحين، ويحقق فيها الرئيس عزيز نصرا “كاسحا” في الجولة الأولى.

ولا يستبعد محللون أن يتفاوض الرئيس عزيز مع المعارضة “الراديكالية” بعد الانتخابات الرئاسية حول حل البرلمان والمجالس البلدية وإجراء انتخابات جديدة تخفف الضغط الغربي الذي لن يكون قويا، وتسمح للرئيس بإنهاء مأموريته في جو أقل صخبا.

 السيناريو الثاني وهو أقل احتمالا:

أن تشارك أحزاب المنسقية في الانتخابات الرئاسية في إطار ترتيبات تتوسط في وضعها جهات أوروبية، فرنسية خصوصا، تمس “اللجنة المستقلة للانتخابات”، وتشمل ضمانات بشفافية الاقتراع، مع وعود ولو “مبهمة” بدراسة موضوع البرلمان والمجالس البلدية بعد انتخابات الرئاسة.

ولا يتوقع أن يُحدث هذا “السيناريو” إذا ما تحقق تغييرات مهمة إلا إذا اقترن بشروط لا تبدو محتملة يتضمنها “السيناريو” الثالث.

 السيناريو” الثالث: وهو أبعد احتمالا ولا يطرح إلا من باب “التمني”:

أن تشارك أحزاب المنسقية ضمن الترتيبات الواردة في “السيناريو” الثاني مدعومة بنتائج حوار سريع “موفق” بين جميع أحزاب المعارضة تتفق فيه على التقدم للانتخابات خلف مرشح واحد تختاره من بين أعضائها أو من خارجها وفق اتفاق واضح على تقاسم السلطة وإدخال الإصلاحات المطلوبة.

ويبدو هذا “السيناريو” أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، ليس فقط نتيجة لحالة التمزق التي تعرفها المعارضة، إنما أيضا لضيق الوقت المتاح قبل موعد الانتخابات، غير أنه يبدو الطريقة الأمثل لإخراج موريتانيا من حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي التي تتخبط فيها.. وفيه إخراج للموريتانيين من حالة “اليأس” من القدرة على التحكم في مصائرهم عبر صناديق الاقتراع.

ولا يسعني هنا إلا العودة إلى انتخابات العام 2007 التي كانت خطوة مهمة على طريق الانتقال الديمقراطي.

نعم تدخل العسكريون في تلك الانتخابات.. سلطوا “لوبيات” الإدارة، ورجال القبائل، والاستخبارات، واستخدموا “سرا” هيبة الدولة، ومع ذلك لم يحصل مرشحهم إلا على نسبة 24.80 في المائة مقابل 20.69 في المائة للمرشح أحمد ولد داداه الذي حقق في الجولة الثانية 47 في المائة مقابل 52 للمرشح الفائز سيدي ولد الشيخ عبد الله المستفيد من انضمام مسعود إليه بنسبته البالغة 9.79 في المائة.. وكانت تلك النسبة كافية لفوز المعارضة لو تحالف مسعود وأحمد.

ومن دون شك لا تنطبق وضعية العام 2006- 2007 على ما نحن فيه الآن ..

ولعل المهم في استعراض “السيناريو” الأخير هو إبراز أن التغيير ممكن، لكن بشروط لم تتوفر ماضيا في الساعين إليه.

وحاضرا من العبث أن نطلب من رأس النظام الذي يسعى البعض إلى قطعه، الانسحاب في هدوء والتفرج على ما يجرى.. الدستور الذي وافقنا عليه كلنا يمنحه حق الترشح لمأمورية ثانية.. ولن أعود مرة أخرى إلى الظروف التي جاءت به.. لقد “ابتلعتموها” كلكم.. هو الآن مواطن موريتاني يتمتع بكل حقوقه الدستورية.

عليه فعلا أن يتحاور مع الآخرين بشأن أمور بلد هو لنا كلنا، ولنا الحق أن نختار بحرية من يقوده.. عليه ألا يزور الانتخابات، ألا يستخدم الترهيب والترغيب.. ألا يزج بالمؤسسة العسكرية في السياسة.. ألا يوظف مال الدولة ووظائفها في شراء الذمم.. لا شيء أكثر من هذا..

وعلى خصومه أيضا التخلي عن المطالب” الطوباوية” و”التعجيزية”، والخصومات الشخصية، وعليهم التفكير في أسلوب جديد، وشعارات جديدة تعوض تلك التي انتزعت منهم بعد انقلاب 2008 …

وعليكم كلكم التوقف عن السير بنا إلى حافة الهاوية..

تلك أحلامنا .. وليس محظورا علينا الحلم.. ولنا الحق أن نسألكم ( سلطة ومعارضة ونخبا فاسدة) إلى أين تسوقوننا؟

الشيخ بكاي

25 كانون الأول (ديسمبر) 2013