أخبار وتقارير

كيف لنظام عربي ساقط سياسيا وعسكريا ومنزوع الدسم الفكري أن يستفرد بشعوب واعية

 بداية قد أجد من يقول أن الشعب العربي غير واع، لكن المسألة نسبية. فهو يضم نسبة مئوية من الواعين والمثقفين تضاهي نسبتها في معظم الدول المتقدمة أو تفوقها. فمن خبرتي ومعايشتي لشعوب دول كثيرة عرفتُ أن الشعب العربي لا يقل عنها قيَمِياً وعلميا وثقافيا ولا طموحات. أما ما تقدمه الشعوب الأخرى من انجازات علمية وحضارية فهو على أيد نخب مستقطبة أو محلية نحن نملك منها الكثير ولكن فاعليتها معطلة أو محاربة. فانجازات الشعوب الأخرى ليست من واقع تقدم شعوبها على شعوبنا، ولا حجة على عدم وعي شعوبنا، بل من واقع ظرف شعوبنا الذي نحن بصدده.

من المفترض أن تكون الأنظمة العربية بوصفها في عنوان المقال غير مؤهله ولا قادرة على قمع وسحق وزبل شعب واع أو حتى نصف واع. فكيف استطاعت ذلك؟ إن القول بأنها استعانت وتستعين بصديق صاحب اختصاص مكنها من تحييد وعي الشعب وثقافته ليصبح شعبا غير قادر على المقاومة ومضطرا للتعايش مع الوضع هو قول ليس مقنعا. والأكثر إقناعا في مثل هذه الحالة هو أن عدوا لهذا الشعب استعان بصديق. ويثار هنا التساؤل كيف لهذا العدو أن ينجح ويجعل مهمته تصبح أكثر سهولة وعمقا مع مرور الزمن وازدياد الضغوط بمساعدة الصديق، فأي صديق هذا. والجواب هو أن اي وضع في الطبيعة لا يبقى ساكنا، بل يتطور ويتغير عند كل نقطة يصل اليها، ولكن هذا التطور يكون في الاتجاه الذي تفرضه طبيعة المُدخلات ومفتاحها الذي كان هو الصديق، مدخلات اعتمدها أصحابها كمقدمات هي التي تحدد النتائج حين وضِعت لشعبنا في سياق واتجاه مبرمج بإحكام يؤدي الى سيرورة متراجعة لا تنتهي إلا بتغييرها الذي يبدأ بإفساد البرمجة وعكسها.

 فهذه المُدخلات جاءت في حالتنا العربية في أطار برمجة الدولة بمكوناتها، مما يجعل من مهمة التغيير لشعبنا انتقائية في اختيار المُدخل البرامجي ذي الأولوية في الاستهداف. وهو مدخل الصديق الذي من شأن استهدافه أن يربك البرمجة ويعطل عمل بقية المُدخلات الأكثر خطورة منه لأنها موضوعية في حين أنه إجرائي عابر ضرورته توازي علاقة عقد الزواج الإنشائي بموضوع الزواج. فهذا الصديق الذي استعان به العدو والمتمثل بالحكام، به نجح العدو عندما جعلهم من صنيعته بالضرورة وبرمجهم وطور منهم أنظمة حكم.

ونمر تاليا على هذه المدخلات التي أدت لسيرورة التراجع العربي وتعطيل أرادة الشعوب المستهدفة، وعلى كيفية الخلاص.

ـ المُدخل الأول، هو الحكام. فهؤلاء بوصفهم في الفقرة السابقة، يمثلون الذراع للعدو، الذي يصل لكل مفردة مستهدفة في بلادنا. فهم مجرد واسطة تنفيذية إجرائية يصار لبرمجتها للتأثير بباقي مُدخلات برمجة الدولة. ويوضع هذا الذراع المتمثل بالحكام في مكان وإطار محميين. وأي خلل أو قصور فيه أو منه يجري إصلاحه، وإن تعذر ذلك فيجري استبداله كله بأخر. وأي تطور مستجد على أهداف العدو يصار الى تطوير برمجة هذا الذراع. فسلوك هؤلاء الحكام ليس من انتاجهم الشخصي، ونجاحهم ليس من كفاءاتهم، وصمودهم ليس من قدراتهم. إنهم مجرد أجساد خالية من العقل الطبيعي المنفتح ومن القلب والروح، مبرمجين لحساب العدو بعيدا عن الشعوب والأوطان. فهم طغاة وطغيانهم مبرمج.

ـ المدخل الثاني، هو الجيوش. والجيوش في الحالة الطبيعية هي أداة ردع وحروب وصنع نتائج. تبرمج وطنيا على عقيدة سياسية وطنية أخلاقية واعية، وعقيدة قتالية قائمة عليها وباتجاه العدو الخارجي. وهي في اطارها الصحيح هذا تنفذ سياسات ولا تصنع سياسات، إنما تصنع خططا عسكرية. لكن العدو الذي نتكلم عنه وهو الصهيو- أمريكي استهدف جيوشنا بتغير فلسفة وهدف وجودها واهتماماتها مكانا وزمانا.وجعل منها مؤسسات حكم فاسده ومصنعا للحكام المبرمَجين. قدرتها العسكرية لا تتجاوز حماية نفسها من الداخل، وفعلها السياسي محصور بكسب الرضا. والصراع الوحيد لها هو على السلطة ومع من يتحداها. وغاب عنها بحكم واقعها أية اعتبارات اخرى لتصبح عبئا على الوطن والشعب وعامل تخلف كبير للدول العربية وعائق أساسي للتحول الديمقراطي..

ـ المدخل الثالث، إبقاء الشعوب العربية ونخبها ودولها في حالة التعامل العاجز مع الاحداث وردات الفعل بعيدا عن صنع الحدث. بمعنى إبقاء الأمة في حالة الدفاع عن النفس من واقع ضعف، تغلب فيها الارتجالية على التخطيط، وتكرس مسلسلا من التراجع إلى مربعات رخوة تفرض تغييرا في الأولويات والطموحات والأهداف تطل على مربعات مرحومة، سقوفها كانت أرضيات ومنصات انطلاق. وهكذا حتى السقوط في مستنقع حفرة التاريخ الامتصاصية..

ـ المُدخل الرابع، هو السعي لتغيير الجيل أو النشئ ببرمجة جديده. تطال ثقافة الإنسان العربي وتغيير توجهاته واهتماماته. ومسح الذاكرة الجمعية الموروثة وفصل الانسان العربي عن تاريخه ومفاهيمه لخلق إنسان آلي وعبد للآلة الاعلامية الغربية الصهيونية وللمادية، باختراق المجتمعات الطبقية العربية المتنوعة واستخدام وسائل ملائمة لكل منها. ومنها إشاعة وترسيخ ثقافة المتعة واللهو لدى الجيل وتحقيق الذات بمسائل هي في الواقع ليست أولويةً لشعوب في طور التحرر والبناء وتواجه تحديات وجودية وهجمة استعمارية، بل هي لشعوب وأوطان في دول بأيد أمينة غير قابلة للإختراق بفعل نظامها الديمقراطي الذي يعتمد المأسسة الصارمة والإلتزام بارادة الشعوب ومصالحها العامة.

 ومنها أيضا فرض سياسة تعليمية تقوم على التلقين بالمطلوب والمنتقى بعيدا عن الحقيقة وثقافة البحث، والبحث عن الحقيقة لتصبح الأكاذيب التي تلقنوها مع الزمن مسلمات يتمسكون بها ويطوعون المفردات لإثباتها. خطط تعليمية ومناهج بتوجيه من العدو تخلو من التربية الوطنية وبناء الشخصية والتطلعات التي تبني جيلا سليما وملتزما.

المدخل الخامس – اختزال الأولويات بالحفاظ على الحياه. كان هذا باتباع سياسة الإفقار للشعوب والإذلال، وجعلها مشغولة تكرس حواسها وعقولها ووقتها ومسعاها للحصول على ما يبقيها حية أو كريمة بكل الوسائل، بعد نجاح العدو في جعل دولها عاجزة عن إسعافها بتتكبيلها ورهنها بديون وسياسة صندوق النقد وتحطيم اقتصادها وخزائنها وإداراتها بمنظومات الفساد والحرمان من الإنتاج الصناعي لبناء اقتصاد يتجاوز الريعية ويسهم بفاعلية بالتنمية المستدامة ويستوعب العمالة. وقد لا يشعر الميسورون منا بضغوطات الفقر على سواد الشعب ومدى تأثيرها عليه وعلى خياراته لا سيما في حالة اليأس. فالضغوطات المعيشية على الإنسان مرتبطة بحق الحياة له ولإطفاله والمحافظة عليه. فهو حق له أولويته التي تضغط على مختلف الأولويات وتقود الى تنازلات سياسية ووطنية في غياب التعبئة الجماهيرية، وتدفع الكثيرين لسلوكيات ما كانوا ليلتجئوا اليها.

نخلص الى نتيجة أن الحرب التي يشنها الصهيو- أمريكي هي على الشعوب العربية تحديدا. أما بقية نسخ الصعيد العربي المحلية فهي أدوات مملوكة أو مرهونة أو موجهه تسخر لهذه الحرب، ولا أستثني منها صيغة رسمية أو شبه رسمية أو تحت الإرادة الرسمية. في حين أن هذه الشعوب لم تكن يوما طرفا محاربا في هذه الحرب بل متلقية للضربات وتخضع للنتائج. والعلة ليست في وعيها بل في سلوكها ونهجها غير المتساوق مع هذا الوعي، واستسلامها تحت وطأة مدخلات الحرب المار ذكرها في هذا المقال والتي لا تحتمل الإحاطة لضيق المساحة.

فهذه الشعوب عليها أن تخرج من حالة تحميل المسئولية للأخرين الذين هم جزء من الحرب وهجماتها إلى حالة تحمُّل المسئولية في مواجهة هذه الحرب.ومن غير الممكن والمنتج منطقيا أن تبدأ هذه المواجهة مع أي مدخل من المدخلات المار ذكرها ما دام مدخل الحكام وأنظمته قائما، فلا بداية سليمة إلا بمواجهته أولاً، فهو الأساس في تسويق وحماية كل المدخلات في الحاسوب.العواصم العربية طغاتها مهزومون من الداخل، أرانب بعقول ثعالب غبية. والطغاة الوطنيون منهم لا يتراجعون ولا يتعظون، واللاوطنيون منهم مبرمجون يفكرون بعقول غيرهم ويضربون بسيوف غيرهم.

 وليس مطلوبا من الشعب إلا الخروج للشارع خروجا سلميا كثيفا يستعصي على القمع، بخطاب واحد هو رفض النهج المُملى على الأنظه، وبرسالة واضحة للصهيو أمريكي أن للدول شعوبا تقرر مصيرها. وليكن معروفا لشعوبنا أن ماية طليعيا من مئة مليون مواطن يصنع بالمحصلة خروجا مليونيا، وأن التجاوب مع الشعب حينها مضمون، إن لم يكن من الأنظمة فمن صانعيها. وعندها تَحل الدرجة الثانية الأسهل التي يستسلم فيها العدو الحقيقي في الخارج، فإرادة الشعب تصنع المعجزات السياسية، والأرض لا يحرثها إلا عجولها.

فؤاد البطاينة-كاتب وباحث عربي والمقال من رأي اليوم

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم