أخبار وتقارير

هل أسقط البرلمان التونسي حكومة النهضة أم مشروعها السياسي؟

لأول مرة منذ سنة 2011 تاريخ حصول أول انتخابات حرة في تونس يسقط البرلمان التونسي حكومة جاءته لنيل ثقته ، عشر حكومات سبقتها خلال هذه الفترة و نالت كلها ثقة البرلمان.

فلماذا سقطت حكومة النهضة وما هي دلالات ذلك؟

جرت أخر انتخابات في تونس يوم 06 أكتوبر 2019 وتحصلت حركة النهضة التونسية ذات الأصول الإسلامية الإخوانية (نسبة إلى حركة الإخوان المسلمين ) على 54 مقعدا من ضمن 217 مما جعلها تتفوق على بقية الأحزاب وبذلك مكنها الدستور التونسي من تكليف شخصية سواء من قياداتها أو من خارجهم بتشكيل الحكومة في ظرف 60 يوم ثم عرضها على البرلمان لنيل ثقته .

حركة النهضة كانت منذ البداية تعرف أن فوزها على بقية الأحزاب كان محدودا مقارنة بما تحصلت عليه في الانتخابات السابقة (89 مقعدا في 2011 و 69 مقعدا في 2014 ) و لم يكن كافيا لتمرير حكومة حزبية نهضاوية على البرلمان لذلك اتجهت  إلى أحزاب أخرى لتشكيل حكومة حزبية توافقية لكنها لم تنجح في ذلك فلجأت إلى خيار تكليف شخصية وطنية مستقلة عله ينجح فيما فشلت فيه و يتمكن من تشكيل حكومة حزبية يكون لها فيها نصيب الأسد و القول الفصل.

كلفت حركة النهضة السيد الحبيب الجملي بتشكيل الحكومة و لكن الرجل لم يمكن شخصية وطنية بالصفة المطلوبة سواء من قبل الطبقة السياسية ، ما عدا حركة النهضة التي اقترحته ، أو حتى عموم المتابعين للشأن العام  فالشخصية الوطنية يجب أن تكون أولا شخصية معروفة لدى كل المهتمين بالشأن الوطني وخاصة السياسيين و الإعلاميين و المنظمات الوطنية الكبرى و أن يكون ثانيا مشهودا له بكفاءته في ميدان تكوينه الأكاديمي  و قدرته على التواصل مع الآخرين وإقناعهم بالمصلحة الوطنية خاصة و أن البلاد تعيش داخليا أزمة اقتصادية خانقة و تهديدات إرهابية مستمرة و خارجيا وضعها إقليميا خطيرا.

   و لأن السيد الحبيب الجملي لم يكن شخصية وطنية معروفة لم تقتنع أغلب الأحزاب بكفاءته و بقدرته على إدارة المرحلة الصعبة التي تعيشها البلاد ولم تصدق حتى استقلاليته عن حركة النهضة و حتى عندما لجأت إلى محركات الشبكة ألعنكبوتيه لم تجد له سيرة ذاتية متميزة وهكذا بدا للكثيرين إن اختيار النهضة للسيد الحبيب الجملي لم يكن موفقا و لم يمكن  لمصلحة البلاد أصلا و إنما اختيارا مصلحيا لا يراعي إلا مصلحة النهضة في تكليف شخصية تضمن ولائها لها و قدرتها على توجيهها في كل الاتجاهات خاصة و أنها عايشت عن قرب تمرد رئيس الحكومة الحالي على رئيس الجمهورية الذي عينه ، الباجي قائد السبسي رحمه الله.

سوء الاختيار الذي وقعت فيه حركة النهضة تلقفته كل الأحزاب سواء المتنافسة معها سياسيا أو المعادية لها عقائديا كحركة الشعب ذات المرجعية القومية العربية الناصرية أو تاريخيا كالحزب الدستور الحر الذي يرى في نفسه امتدادا لحكم ما قبل 2011 و الذي كان في عداء دموي مع حركة النهضة أما بقية الأحزاب فقد بقيت تناور حركة النهضة حسب برامجها أو حسب مصالحها.

لا شك أن أكثر المناورات السياسية إثارة و تأثير أيضا في الخسارة المهينة التي منيت بها حكومة الحبيب الجملي ليلة عرضها على البرلمان كانت بين حركة النهضة و حزب قلب تونس الفائز الثاني في الانتخابات التشريعية بثمانية و ثلاثين مقعدا رغم سجن رئيسه بتهمة الفساد المالي وهي التهمة التي استغلتها حركة النهضة لشيطنة الحزب و رئيسه و بدا الحزبان خلال الحملة الانتخابية على طرفي نقيض  ولكنهما عادا فجأة للتنسيق و التشاور مباشرة بعد الانتخابات و لو لا صفقة ما وقعت بينهما لما وصل راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة إلى ترأس البرلمان و لكنه يبدو أن مصالحهما سرعان ما اختلفت بعد ذلك مما جعل قلب تونس يلتحق ببقية الأحزاب الرافضة للحكومة المقترحة.

جلسة عرض الحكومة على البرلمان التونسي تحولت إلى جلسة محاكمة للسيد الحبيب الجمالي و فريقه اللذان بقيا أكثر من 12 ساعة تحت نير الاتهامات المتلاحقة و المتكررة بعدم الكفاءة و عدم القدرة و عدم الاستقلالية بالإضافة إلى التشكيك في نظافة بعض وزرائه المقترحين وانتهت إلى خسارتها ثقة البرلمان بنتائج مهينة ، 72 صوتا من ضمن 205 كانوا حاضرين أثناء التصويت  حيث لم تحصل إلا على أسوات حركة النهضة  و إتلاف الكرامة المحسوب عليها.

عدم حصول الحكومة المقترحة على ثقة البرلمان فوتت على حركة النهضة فرصة ذهبية لحكم البلاد و تحقيق مشروعها السياسي و تحالفاتها الدولية و الإقليمية   و سحب من تحتها البساط ليصبح الرئيس قيس سعيد المؤهل ، بحكم الدستور، إلى اختيار شخصية وطنية لتشكيل الحكومة .      هذه التغيرات المتسارعة في المشهد السياسي التونسي التقفتها  أيضا عدة قوى سياسية معادية للنهضة ففي حين أعلن رئيس قلب تونس عن تكوين جبهة برلمانية تضم أكثر من 90 نائبا لتقديم مقترح شخصية وطنية إلى رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة المرتقبة سجل الحزب الدستوري الحر ارتياحه لما أسماه “خيار استبعاد الإسلام السياسي عن المؤسسات الدستورية و دعت رئيسته إلى إمضاء عريضة تطالب بسحب الثقة من راشد الغنوشي بصفته رئيسا للبرلمان”.

  لا نعتقد أن هذه الدعوة ستلقى حاليا على الأقل مساندة كافية و لا نعتقد أيضا أن إسقاط حكومة السيد الحبيب الجمالي كاف لإسقاط مشروع النهضة في تونس و لكننا نعتقد أنها بداية لتعديل المشهد السياسي الوطني الذي أنخرم باندثار حزب نداء تونس خلال السنوات القليلة الماضية كما نعتقد أن النهضة لم تفوت على نفسها فقط فرصة تشكيل الحكومة و لكنها فوتت على تونس كلها شهرين كاملين كانت البلاد فيها في أمس الحاجة إلى تشكيل الحكومة والإسراع بالعمل على إنقاذ البلاد.

د. محمد عبد الحكيم كرشيد-طبيب وكاتب تونسي -رأي اليوم

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم