أخبار وتقارير

موريتانيا: تحديات الطريق إلى العام 2019

محمد محفوظ ولد أحمد  (خاص بمورينيوز ) – تبدو الرؤية في الأفق السياسي لِمَوعد 2019م، كليلة والأذهان حائرة في مصير البلد، أو بالأحرى مصير قَصْر الحكم وأركانه؛ ذلك أنه، قبل كل شيء، يجوز القول إن الترابط بين مصير البلاد وحال القصر ليس عضويا ولا “مصيريا”!

فواقع هذه الدولة “الطارئة” أثبت عدة أمور قد تكون من خصائص قطرنا هذا ودولته وشعبه؛ غريبة على غيره. أولها: سهولة “التسلط” عليه وسرعة انقياده ولين عريكته السياسية وسهولة، بل “متعة” قيادة سفينته على غير هدى.

والسبب الرئيسي في ذلك يعود أساسا إلى قوة سلطاته التقليدية (القبلية/الطبقية) وامتلاكها التأثير الجازم باحتكارها لمحركات الحماية والردع؛ بينما تبدو سلطة الدولة كنمر من ورق! تُمثل دورها تمثيلا رديئا بلا قواعد ولا موازين.

ومن هنا ينفك، أو يضعف، الترابط بين الشعب والقَصْر!

وإذا كانت البنية القبلية والاجتماعية البدوية، تبدو قديمة يجرها زمانها جرا؛ وهي المحرك مع ذلك، فإن اضطراب الوضع السياسي، بسبب تعاقب حكام انقلابيين يفتقرون للشرعية وللثقة، قد “حنَّط” هذا التناقض بين الزمن والواقع، واتجه إلى البحث عن الانتفاع به بدل مواصلة جهود المؤسسين الضعيفة لتغييره!

وبهذا كانت العقبات السياسية والمصاعب الموضوعية أمام أي حاكم، هي فقط إزاحة سيده الرئيس الحالي وإلقاء جرانه مكانه! وبعد ذلك فكل أمر يسير بمشيئته بمنتهى السهولة؛ لا شيء ينغص متعته بالسلطة ولا شيء يقيد تصرفاته في مواردها ومصادرها، وإعادة تشكيل هياكلها حسب مصلحته الخاصة أو حتى ذوقه الشخصي… باستثناء هاجس انقلاب جديد!

ولكن بسبب الظروف الإقليمية والدولية خفَتَ ـ اليوم ـ بريق الانقلابات العسكرية وأصبحت طريقة منبوذة وغير مضمونة النتائج. وقد عانى النظام الحالي نفسه من ذلك بداية أمره، وبالكاد أفلت بفعلته؛ بعد أن ساندته قوة إقليمية ودولية نافذة (القذافي والسنغال وفرنسا). وقد أعقبه فشل رادع لمحاولات انقلابية في مالي وبوركينافاسو…

ويعني هذا أن جهة الخوف الأساسية أصبحت مأمونة تقريبا، ولم يبق سوى المعارك السياسية المحلية الصغيرة التي يتفوق فيها الرئيس، تفوقا كاسحا على كافة المستويات.

غير أن تلك المعارك تضعه اليوم أمام أمر ربما اعتبره “خطأ” كبيرا قد وقع فيه حين تولى السلطة فلم يلغ الدستور بحذافيره ويحل البرلمان، كما هي عادة الانقلابيين الراسخة!

ولا بد أن الرئيس تساءل، لاحقا، مرات عديدة عن مدى دقة تقديره لهذا الأمر في ذلك الوقت؛ لماذا لم يلغ الدستور ويحل البرلمان و”يفصل” دستورا جديدا وبرلمانا جديدا على المقاييس المناسبة له؟

لقد اتضح فيما بعد أن فعل ذلك و”إجازته” بالتصويت كان سهلا للغاية؛ ولكن هل كان ذلك سيجعل تمرير الانقلاب نفسه أصعب، ولربما منع “قبوله” من كافة الأطراف المعتبرة؟

إن الأمر يتعلق بحسابات “المغامرة”، ومدى الجرأة ودقة التقدير في توازن مخاطرها ومكاسبها… وهو أمر فات وقت التفكير فيه على كل حال!

فقد بقي الدستور نافذا؛ وعلى رئيس الجمهورية حمايته، وبقي مجلس الشيوخ قائما في البرلمان وعليه اعتباره. والدستور ـ مع الأسف ـ قيَّد الآجال الرئاسية وحصَّن ذلك القيد بقسم غليظ.

وعلى الرغم من طرح تعديلات دستورية عديدة لإجازتها من البرلمان، فقد حسم الرئيس الجدل والمراء، وربما “التردد”، في طلب تعديل مواد المأموريات الرئاسية، وأعلن أنه لن يسعى لمأمورية ثالثة.

وبقدر ما أثار هذا الموقف الارتياح في الأوساط السياسية كافة، فقد أثار بذات القدر إصرار الرئيس على إجراء تعديلات دستورية أخرى، وخاصة بعد إسقاط مجلس الشيوخ المفاجئ لها في تصويت كان يمكن أن يغني عن الاستفتاء الشعبي.

ويرى بعض المحللين أن التعديلات الحالية عديمة الأصل لدى الرئيس، ولم تكن لها أهمية لو وجد سبيلا سالكا إلى طرح تعديل مواد المأمورية، وإنما  جعلها “ثمنا” لعدوله عن تلك المواد الحساسة؛ أو كأنها نوع من “الانتقام” من الدستور!

وترافق الإصرار على تمرير هذه التعديلات المثيرة للجدال مع إشارة عميقة الدلالة من الرئيس أكد فيها أنه سيبقى على المسرح السياسي بعد انتهاء مأموريته في 2019، وأنه “سيدعم مرشحا” ما…

وهكذا فإن التعارض الظاهر بين خروج الرئيس من الحكم، وبين إشاراته القوية على استمرار التأثير فيه والاندفاع في إقرار تعديلات دستورية في الهزيع الأخير من رئاسته، يثير شكوكا وتشاؤما لدى معارضيه، ويطرح تساؤلات كثيرة لدى الجميع!

أين سيجلس الرئيس بعد مغادرة الحكم وحلول شخص آخر مكانه؟ وهل سيكون ذلك الشخص من اختيار الرئيس كلية وخاضعا له، أم سيكون دافعا له ومؤيدا لانتخابه فقط، بدون التمسك بـ”ضمانات” رادعة لخروجه عن “السيطرة” كما حاول الرئيس المنتخب السابق (ولد الشيخ عبد الله)؟ وما هي تلك الضمانات؟ وكم من الوقت يكفي لانتهاء “عدة” المأموريات و”مراجعة” الحكم وعودة الرئيس الحالي إلى كرسيه مباشرة؟؟

لا أحد يستطيع أن يجيب على هذه الأسئلة، وربما لم تجتمع بعدُ إجاباتها لدى الرئيس نفسه!

إلا أن معظم الاحتمالات المطروحة تنطلق من مسَلمة معروفة، وهي استمرار سيطرة الرئيس الحالي الحساسة على الحرس الجمهوري (بازب) وأجهزة المخابرات والأمن؛ فإذا احتفظ بها لنفسه في موقعه الجديد ـ مهما كان ـ  مع ولاء قيادة الجيش، فلن يكون للرئيس القادم محيد عن الخضوع للواقع والوفاء “بالشروط” المحتملة، للبقاء في المنصب السامي إلى الأجل المسمى، بدون صلاحيات داخلية وأمنية كاملة!

ومن المحتمل في انتظار انجلاء اليقين أن يسود القلق والحيرة في صفوف أحزاب وشخصيات “الموالاة” التي ستنقب وتنجم لمعرفة الساق الأقوى في السلطة المقبلة لكي تلتف حولها. بينما تستغل “المعارضة المحاورة” موقعها البرزخي للنأي بنفسها والبقاء في موقعها “المستقل” غير بعيد ة من اليمين ولا من الشمال!

*

أما في جانب المعارضة  فالأمر أقل تعقيدا. ومن الواضح أن المقصود بالمعارضة المطلقة أصبح محددا وهو المنتدى وحزب التكتل، ويسميهم البعض”المعارضة الراديكالية”.

ولكن ذلك لا يعني بساطة ولا هون الأمر المقبل عليها، مهما كانت حقائقه. بل أخشى ما تخشاه هذه المعارضة هو أن تتبخر “الأحلام” التي تعلقها على حلول موعد فشلت في تعجيله وهو 2019م، فيحل دون أن تتحقق لها فيه آمال التغيير؛ سواء كان الحصول على “دورة” من السلطة، أو كان دون ذلك، وهو انتهاء العهد الحالي كلية ومجيء عهد جديد يُحيي تلك الآمال، أو يجود ببدائل منها مقبولة.

وفي ظل قوة النظام وتأثيرها على خَلَفِه، لا تملك هذه المعارضة قدرات ذاتية لتغيير موازين القوة بسبب مشكلتها الأولى؛ وهي عدم التجانس، والاختلاف في السياسات والأهداف؛ لأن هذه المعارضة رغم إجماعها على رغبة واحدة هي تغيير النظام الحالي، لا تستطع الاتفاق على وسائل ذلك ولا مآلاته.

وبسبب ما تقدم من تحكم السلطة، دون عناء، في مواقف الناس؛ خاصة في الانتخابات، فسيكون على المعارضة أن تتوحد بإجماع خلف صوت واحد من جهة وتنجح في وضع خطط محكمة لهز أو خرق جدار السلطة التقليدي. وهذان أمران أولهما يكاد يكون مستحيلا، والثاني يتوقف عليه!

إن المعارضة من الناحية الموضوعية تملك الكثير من الذخيرة، وأهمها المآخذ الكثيرة على النظام، واستغلال مواقع فشله؛ سواء في الوفاء بوعوده الكثيرة، التي لم يستطع الوفاء بها رغم استيفاء آجاله، أو بقصور وأخطاء تلك التي أنجزها.

إلا أن اختلافات هذه المعارضة وضيق مجالات تحركها وقلة وسائلها العملية، وفشلها في إفهام الرأي العام لأدوارها وواجباتها ومواقفها، طوال السنين الماضية، يضعف فاعليتها وينبئ بعدم قدرتها على إخراج رأي موحد وخطاب موحد واضح… وفي الأخير “مرشح مشترك”؛ وهو مناط الأمل الوحيد للتغيير إذا تشبث النظام الحالي بالسلطة أو مارسها من وراء ستار شفاف.

وهكذا فإن الخيارات أمام المعارضة محدودة ومحفوفة بالمكاره، وسيبدأ اختبارها من الآن عبر قدرتها على التأثير في نجاح ونتائج الاستفتاء الشعبي المزمع على التعديلات الدستورية، الذي أعلنت معارضته.

فهناك الخيار السلبي التقليدي الذي هو المقاطعة، ولا يتوقع أن يكون محل إجماع ولا اتفاق شامل بين كافة أحزاب وشخصيات هذه المعارضة. بينما يتطلب الخيار الأصعب، وهو المشاركة وإسقاط التعديلات في التصويت الشعبي، عملا دقيقا ووسائل تحرك وإقناع قوية لن تفلح إلا إذا نجحت في عرقلة المسار التقليدي لإنفاذ إرادة السلطة؛ وهو مسار ممهد له بنفوذ الإدارة والتحالفات القبلية والحزبية وإغراءات المال والمصالح…

أما الوصول إلى “قناعات” المواطنين ومخاطبتها والتعويل على تعبيرهم عنها بالأصوات… فلا سبيل إليه عادة لأي من الطرفين؛ لأسباب كثيرة ومتشعبة.

لكن بلاء المعارضة في هذه المحطة سيكون له تأثير دالٌّ على ما تستطيع فعله في موعد 2019.

شكرا

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى