آراء

عن بول ورحلة عمر من اصطياد اللحظات الاخبارية

في مطلع أبريل عام 1982 وقف شاب في الثلاثينيات من العمر متسمرا داخل مجلس العموم البريطاني منتظرا رئيسة الوزراء البريطانية، مارغريت ثاتشر، التي كانت تعقد اجتماعا مطولا مع وزيري الخارجية والدفاع وكبار قادة مختلف فروع الجيش. كان البرد قارسا، وغالبية الناس غادروا. أحس هذا الشاب، واسمه پول، بشيء من الوحشة، لكن صوتا ما بداخله ظل يطلب منه البقاء.
وفعلا بعد ان انفض الجمع وعم السكوت إلا من وقع قطرات المطر وزمهرير ريح خفيفة قادمة من ناحية نهر التايمز الموجود على مسافة بضعة أمتار، فتح باب المكتب. أطلت ثاتشر برأسها الذي كان يسبق جسدها ببضعة سنتيمترات، فهرول پول نحوها حاملا كاميرته الثقيلة. كانت رئيسة الوزراء تحمل معها نبأ لم يتخذه قبلها أحد ممن مروا في ذلك المنصب منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
شغل پول الكاميرا، فتحدثت ثاتشر عن قرارها خوض حرب مع الأرجنتين.
قبل ذلك الاجتماع ببضعة أيام كانت وحدات كوماندوس أرجنتينية قد تسللت تحت جنح الظلام إلى جزر الفوكلاند التابعة لبريطانيا قبالة سواحل الأرجنتين، في جنوبي المحيط الأطلسي. ثم أتبعت تلك العملية بانزال مماثل في جزر ساوث جورجيا وساوث ساندويتج.
شعبية ثاتشر كانت متدنية للغاية، بعد أن قضت بالكاد ثلاثة أعوام في الحكم. ولأنها من التيار المحافظ في حزب المحافظين، فقد منحت تخفيضات ضريبية للأغنياء، وهو ما جر عليها غضبا شعبيا عارما.
وجاء قرار الارجنتين غزو تلك الجزر، ليضع على المحك أعصاب السيدة التي كانت توصف بالحديدية. فردت بحزم: سنذهب إلى الحرب.
ركض پول مسرعا نحو قناة ITV التي كان يعمل معها، حاملا هذا “السكوپ”.
قبل نحو عامين كنت أقف بجانب پول أمام مكتب رئيس الوزراء ديفيد كامرون في 10 داونينغ ستريت، فذكرته بالقصة التي رواها لي عن قرار ثاتشر خوض الحرب. تنهد كمن يقول “هو ذا حال الدنيا”، وعاد بسرعة لترتيب الكاميرا لضمان النقل المباشر لفائدة قناة سكاي نيوز الانجليزية.
شكلت حرب الفوكلاند، أو المالڤيناز Malvenas كما يسميها الأرجنتينيون، تحديا حقيقيا ليس لثاتشر فحسب، بل لبريطانيا كقوة عسكرية. طلبت رئيسة الوزراء من الرئيس الأمريكي وصديقها رونالد ريغان التوسط لدى الحاكم العسكري للأرجنتين (نعم الأرجنتين كان يحكمها العسكر في عام 1982!) ليوپولد غالتييري، لكن ريغان رد عليها بعد ساعات: لقد حاولت مع غالتييري، لكنه كان مخمورا حتى الثمالة، ومتصلبا في مواقفه. لن يخرج من الفوكلاند!.
خاضت القوات البريطانية معارك بحرية وبرية وجوية شديدة ضد القوات الأرجنتينية، وما ان مضت ثلاثة أسابيع، حتى خرجت ثاتشر مرة أخرى يوم 25 أبريل أمام صحافة بلدها من 10 داونينغ ستريت، وبرفقتها وزير الدفاع، ليعلن عن تحقيق انتصارات ميدانية.
لقد كان پول حاضرا هناك أيضا.
في مايو الماضي كنت أصعد جبل إتنا Etna البركاني في جزيرة صقلية، وهناك تذكرته وقد روى لي عن سقوط حمم بركانية عليه واحتراق رجل سائق إيطالي كان يعمل معه. لقد نجا پول من عدة مخاطر رافقت مسيرته المهنية.
كلما أتيحت فرص الحديث معه، أجده واحدا ممن سجلوا بعدسات الكاميرا أحداثا تاريخية فارقة، لقد كان في برلين ليلة بدء سقوط جدارها. لقد كان أول من صور، في قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص، عودة القس البريطاني تيري ويت Terry Waite الذي ظل محتجزا لدى حزب الله بين عامي 1987 و1991. في كل مرة يقدم لي تفصايل جديدة من ذاكرته المتقدة عن الحرب الأهلية في لبنان، والاجتياح الاسرائيلي، وسوريا في عهد حافظ الأسد، وعن شغفه بالطبخ الشامي.
آه، كلما ذكر الطبخ، يقفز اسم زوجته فيونا ليحتل جزءا من حديثنا.
أمس الثلاثاء، وبعد العودة مباشرة من عطلة نهاية السنة الميلادية الجديدة، التقيته بالصدفة في أحد الممرات بغرفة الأخبار حيث نعمل معا في وستمنستر، بلندن، فسألته كيف قضى عطلة “الكريسماس”. توقف كعادته، ثم انطلق يكلمني مثل الطفل الصغير عن تفاصيل هذه المناسبة قائلا: لقد اتّبعنا حرفيا القائمة التي أعدتها لنا فيونا. أخي ذهب إلى منطقة سوهو لشراء عجائن الراڤيولي Ravioli من محل إيطالي اعتدنا شراءه منه. أنا اشتريت الديك الرومي، وزوجة أخي حشته بالزبدة والبهارات والأعشاب ، ثم أدخلته أنا في الثلاجة. حتى عدد الأكواب والصحون لم تنسه. لقد أعددنا الطعام لعشرين شخصا. الكل كان سعيدا بهذه المناسبة. تصور، إنها سيدة غاية في التنظيم. لقد كانت قائمة الكريسماس جاهزة لديها منذ فبراير الماضي”.
فجأة رأيت خلف نظارة پول الطبية حمرة تغزو عينيه، وقد تبللتا بدمعة حسيرة.
ما أعظمك يا پول.
قبل بضعة أشهر رحلت فيونا نتيجة لداء السرطان الذي كان ينخر جسدها. جاءها الموت فجأة، في اللحظة التي كانت تستعد لحمل حقائبها والسفر معه إلى جزر الكناري لقضاء عطلة عيد الفصح هناك.
اليوم الأربعاء كان آخر دوام يقضيه معنا پول في العمل، بعد خدمة في مجال الصحافة استمرت ثلاثة وأربعين عاما.
لقد آن له أن يتفرغ لرسم لوحاته التشكيلية التي كانت إحداها تكسر رتابة جدران غرفة الأخبار، ومرافقة أحفاده الى المدرسة.
لقد كنت يا پول مدرسة في الانسانية والحب المتدفق والميل المستمر نحو تقديم يد العون في العمل. فيك وفي أمثالك أرى الإخلاص والتفاني في العمل، خلافا لكثير من الناس الذين يظلون يحسبون من أول دقيقة متى يتخلصون من العمل.
لك مني كل المحبة والتقدير والاحترام

عبد الرحيم الفارسي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى