“سوء الظِّن الوقائي” في الطِّب الجراحي الموريتاني.. البحث عن ظالم مفترض..

البحث مستمر عن الظالم الافتراضي.
……………
دخل طفلي المراهق البيت مذعورا ليخبرني أن طفلا – من خارج الحي- لعب معهم الكرة و سقطَ على قطعة خشبيةٍ فانغرزت في ذراعه، أخذتُ عدَّة الإسعاف، و حاولت بما تعلَّمتُ في الكشَّافة تطهير الجرح وإيقاف النزيف وخُصوصًا طَمأنة الطفل،.. الجُرح بليغ و بدأ جناحه يتورم بسرعة مذهلة؛
قررَّت التوجه به للمستشفى، أخذت احتياطاتي المالية.. انحشر الفريق الصَّغير بكافة عناصره في السيارة قبل أن آذن لهم،.. كنت مُصِرَّة على ان اصطحب معي فردًا من أسرة الجريح، بِحُكم سنه و عدم معرفته..
الطفل قدم صبيحة نفس اليوم من أدبايْ قرب مدينة كرو مع والده، و يُقيمان عند اسرة تحرس منزلا في الجوار،.. عَاينَ الطبيب الحالة في مستشفى الكسور و أخبرنا أنها تتطلب تدخلا جراحيًّا عاجلا، وأنَّ شيئا من ذلك لن يكون قبل إنهاء الإجراءات المالية واحضار مستلزمات العملية.. كان فريق الكرة الصغير يتنقل معي كظلي في جلبة بريئة..

أُدخل الطِّفل و جلسنا ننتظر عند باب القاعة.. كنت أُلقي على الصِّغار بعض مواعظِ السلامة و كانوا يتصنَّعون الإهتمام و أعينهم على المراجعين للمستشفى ،.. لا حظتُ “حركةً غير طبيَّة” في القاعة حيث الطِّفل الجريح،..
بعد حينٍ خرج والد الطفل يُردِّدُ كلامًا، .. لم أستوضحه،.. استدعوه ثانية! .. وأخرجوه ثالثة!،.. اقْتربَ مني قائلا: الخلطة يسْتَجْوِبون ابني عمَّا إذا كان قد اعتدى عليه ابْنكِ؟،.. وهل اشتَرَيْتِ صَمْتي مقابل الدَّواء؟.. وعلى أنني سأكون شريكا في “الجريمة” إن تَستَّرتُ عليكِ، و أنَّ الحقَّ إلى جانبي وعلى قول الحقيقة، وأخرَجوني ليستنطقوا الطفل وحدهُ.
كان رجلا بدويًّا بريئا تحت الخطِّ الذي تحت الفقر.
لمْ أُبدِ اهتماما،… بعد دقائق تَقدَّم منِّي الطبيب، وقال: نعتذر لكن هذا إجراء علينا اتباعه لكثرة الجنح الواردة إلينا،.. قُلتُ بهدوءٍ: ما دُمتُ لمْ أسألكَ عنه فلستَ مُضْطرًا لإخباري بشيء لا أراهُ حتى الساعة يعنيني،.. لكن أشكُركَ على إفادتي بمعلومة ستنفعني مستقبلاً، وهي أن “سوء الظِّن الوقائي” من مشمولات الطِّب الجراحي!…على الأقل عندنا.

هذا مع الأسف الشديد هو الاتجاه المستقبلي لِمَا كان يُعرفُ ب “موريتانيا التكافل الاجتماعي”.. نُحاكم في تراحُمنا البَيْنِي على ألواننا..
أهل عَليْنا التوجَّس من فعل الخير خوفًا من فتح باب الشَّر؟.
………………………..
كيف نُحرِّرُ العقول من أصفاد العبوديَّة؟.. وأصحاب العقول أنفسهم لا يملكون حق إدَارتِها، أو التَّصَّرُف فيها. يبحثون عن ظَالم افتراضي ينتقمون فيه من الظَّالم التاريخي ويراهنون على سعة الصدر!

من صفحة Eddehma Rim