جمع ملخصات الدهماء لكتاب “ابنة الصياد” في حلقة واحدة

إعلان

في ما يلي جمع لملخصات الكاتبة الدهماء لكتاب “ابنة الصياد” لمؤلفته Sophie Caratini ….نشرت الملخصات في حلقات ونجمعها الآن لمن أراد أن يقرأها متتابعة…

………………..
زودتني عزيزتي السيده اجيرب بكتاب La fille du chasseur ، الذي تروي فيه بطلة القصة “مريم بنت اطويلب” المولودة في حدود 1940 قرب تشيت قصة حياتها المعاصرة لحقبة الاستعمار، بالتعاون مع الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية، Sophie Caratini، و المتخصصة في الأنثروبولوجيا، ونشرته مطابع Thierry Marchaisse سنة 2011؛

يقع الكتاب في 357 صفحة باللغة الفرنسية، و يتطرق من خلال مسار حياة “بنت اطويلب” للمسكوت عنه المذموم من فظاعات المستعمر اتجاه المنظومة الأخلاقية والدينية لمجتمع ما قبل الاستقلال، و لتفنُّنه في توظيف ملَكاتِ الشر في ما يشبه إبادة أخلاقية جماعية.. إشاعة العُهر العلني، اللواط ، الاغتصاب المحمي، و أبناء الزنى،.. كما يُظهر الكتاب سرعة تكيف المجتمع وصمته على هذه الممارسات الغريبة لتصبح مع الوقت في حكم المألوف.. بل المستساغ أحيانًا، في بلادة للحس الإيماني وقابلية مسبقة للاستعمار.

مريم اليوم في عقدها الثامن متزوجة من ضابط استعماري سابق و تعيش بشكل دائم في فرنسا .. استمعتُ لما توصلتُ إليه من تسجيلات صوتيةٍ لها لأحيط بشخصيتها ، حَكتْ عن ماضيها بلكنة باريسية مكتسبة يطغى عليها نطق مِتْبَيْظَنْ، و بعقلية تحرَّرت من كل الحواجز،.. كانت فخورة بماضيها المؤلم في حنين الى الحياة القاسية المتناقضة التي عاشتها إبان حقبة الاستعمار.. تتمتع بذاكرة حديدية ومعرفة دقيقة بنمط العيش البدوي وبمسمياته المندثرة.
رَوتْ جوانب من حياتها الزاخرة بالحلال والحرام والمحظورات الاجتماعية من دون خجل ولا وجل،.. وقد اهتديتُ لأشخاص عاصروها في آخر إقامة لها في لكصر بنواكشوط،.. ولستُ هنا بصدد محاكمة سلوكها، فلها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وحسابُ الخلق على الخالق..
تناول الكتاب بعض القبائل بالاسم، و تناول الكثير من الأشخاص بالتعريف، وهذا ما جعل عزيزتي السيده تُحجم عن نشر بعض فقراته.. و سأعْصبها برأسها وأقول: جَبنت السيده،.. وعليها وزر ادخالي عالم مارك بعد ان قاومتُ الحاحها طويلا.

لكن تماما كالسيده لن أفتعل الشجاعة وأعمد الى الحفر في حقل الألغام ذلك .. وقد تلبَّستْ “بنت اطويلب” أحيانا الضغينة المستندة على دونية اجتماعية، فزجَّت بأسماء لقبائل و أشخاص دون ضرورة مقنعة.
سألقي حجرا في بعض البرك الآسنة من الكتاب فقط.. للإماطة عن وجه قبيح للمستعمر قد تجهله أجيال ما بعد الاستقلال… ولن أتعرض لما يَجْرح أو يُحرج ، لا تصريحًا ولا تلميحًا.

مَنْ يقرأ الكتاب سيُنْصِف المُقاوِم الذي ضحى بنفسه فإن لم تكن الشهادة مطلبه و الجهاد بدافع يقظة إيمانية، فقد كان بدافع القهر والحمية على الأقل.. وقد رأى ما رأى من اجتراءٍ على الأرض والعرض والدين.
………………………….
هذا رأيي في الكتاب، .. وفي التدوينة المقبلة بإذن الله سأسرد ملخصات مضغوطة جدا عن بعض ما كتبت “صوفي كاراتيني” على لسان ” مريم بنت اطويلب”

…………….
عاشت مريم بنت اطويلب صغرها في مخيم ” مجموعة الرُّحل” أو ” GN . Groupe Nomade” ما يسمى محليا ” إفريكَ أنْصَارهْ ” التابع للمعسكر الفرنسي.. و ترعرعت على طقوس رفع العلم الفرنسي صباحا وانزاله مساء.
هذا لفريكَ له تراتبية خاصة…
مجموعات الجمالة (Méharistes)، عسكريون فرنسيون شباب، من الوحدات الفرنسية الصحراوية ، يليهم ظهيرهم من “الرماة السنغاليين” Les tirailleurs sénégalais الذين هم أساس “القوة السوداء” التابعة للفيالق الاستعمارية، وقد شاركوا في جميع الحروب التي خاضتها فرنسا في مستعمراتها ،.. ثم بعد ذلك “وحدات المشاة الخفيفة” من الموريتانيين وهم مساعدون ” Supplétifs ” متطوعون برواتب من الإدارة المدنية، ومُهمتهم محلية، سَيستقر اسمهم لا حقا على Goumies مشتقة أصلا من “القَوْم”، و منطوقة ” الكَوم “gūm ” .

يضم لفريكَ أيضا أسر كَوميات وبعض الرعاة و الحدَّادين و نساء مستأجرات لخياطة الخيام ودبغ الجلود ونسج الحصائر من “الحلفة” وطحن الحبوب ، واعداد الطعام فمعيشة الجنود السُّود كانت أساسا حبوب الدخن .. ثم جماعات من السكان المحليين تدور في فلك التَّجمع و تُقدم بعض الخدمات للفرنسين، النقل …

مع المساكنة بدأ الاحتكاك المباشر بين جنود المستعمر والأهالي.
رفضوا بداية تزويج بناتهم للجنود الفرنسيين لكن مع الإغراء و اكتشاف الامتيازات المادية والسّلطوية أذعن البعض وقَبِل… وكان الأمر أكثر شيوعا في آدرار و إنشيري نظرا لهامش الانفتاح على الأجنبي،.. لكن الأمر في أحسن أحواله لم يكن زواجا بالمفهوم الشرعي ، كان أقرب للعلاقة الحرة Concubinage ، على النمط الغربي؛

مثَّل هذا المنعرج فرصة للفرنسيين لإقامة علاقات أكثر حميمية مع قبائل البيظان.
تطوَّر الأمر مع استحكام الفرنسيين ليصبح الاستغلال الجنسي المفرط للنساء تحت وطأة القوة و العوز شائعا وعاديا… فقد أُجْبر العديد من نساء انمادي وغيرهن من قبل الجنود الفرنسيين على الممارسة الجنسية الدائمة من دون إرادتهن وهذا ما يفسر كثرة الخلساء بين انمادي والفرنسيين (صفحة 125 ، 126).

غير أنه مع اكتشاف الامتيازات والتعوُّد عليها تضاءل الإحساس بالإثم لصالح جلب المنفعة، و أصبح العُهر مسكوتا عنه في كل المستويات الاجتماعية،.. فطبيعة العلاقة الجديدة ” لإعليات أنصاره” مع السلطة الاستعمارية خوَّلت لأسرهن و لرؤساء قبائلهن الاستفادة من نفوذ و خدمات أزواجهن أو شركائهن من الضباط الفرنسيين. وبالتالي لا ينظرُ لَهن كمُومسات بل مَحْظيات لهن اعتبارهن في الحي… وقد تربطهن علاقة مزدوجة في نفس الآن مع “كَومي” من منطلق أنها مادامت قد اقتحمت عالم الفاحشة مع البيض فالأولى بها منح نفسها حقا تفضيليا في الممارسة الجنسية مع أبناء جلدتها من كَوميات!

نجم عن الوضع كَمٌّ من الأطفال البيولوجيين، استفادوا من وضع مؤسسي في الإدارة الفرنسية كأطفال غير شرعيين ( أبناء زنى)، معترف بهم كأطفال بيولوجيين ( des enfants naturels ) يتلقون بموجب ذلك منحة و إعاشة شرط تمدرسهم، كما يحق لهم حمل الاسم العائلي في حالة الإحصاء والتسجيل،.. في حين أن بعضهم لا يحمل من اسم عائلي إلا رتبة والده “المحتمل” في الجيش ،.. مثلا ” ولد شيف” ” ولد كابتين” ” ولد آدجدان” ” ولد سرجان”، نسبة مبنية لمجهول عسكري.

وبما أن الرماة السود لم تكن معهم أسرهم أصْلاً، يَسْتقدم لهم الفرنسيون مُومسات من المدينة للترفيه الجنسي ، مخصَّصات لهم ومحَّرمات على كَوميات، تُضرب لهن خيام داخل مربع الرماة، يُقمن اثنتين الى أربعة داخل كل خيمة، مع إقامة حواجز قماشية عازلة بين كل اثنتين، ويَستقبلنَ نفس العدد من الرماة السُّود في نفس الوقت، في حين تنتظر البقية في طابور أمام الخيمة الى أن يحين دورهم ، و كان الطابور يُرى من بعيد و على مرأى من الجميع (صفحة 136)،
” كان حقا ما يمكن أن نسميه … ذبحا ” ¨C’était vraiment ce qu’on pourrait appeler… l’abattage ¨ ”

و كانت المومسات الموظفات رسميا للخدمة يستفدن من متابعة طبية للوقاية من الأمراض المنتقلة جنسيا……الله يلعنهم زاد، (ذيك منْ عندْ يانَ ماهِ فلكتاب).
……………..

أمضت بنت اطويلب 18 سنة من عمرها في ” GN مجموعة الرحل” … كان هاجس الفرنسيين بعددهم المحدود تأمين سلامتهم وسط الكم الهائل من المحاربين السود ومجموعات البيظان،.. وكانت وسيلتهم في ذلك خلق جو من الثقة بين هذه التشكيلات المتمايزة، لكن في نفس الوقت تثبيت حاجز منيع بينها بعدم إتاحتها فرصة الاحتكاك، خوفا من الألفة أو التنسيق،.. فالرماة مهمتهم في المخيم تأمين الفرنسيين من البيظان وعليهم أن يبقوا على مسافة منهم ….

رغم انتساب الرماة في الاسم للسنغال إلا أنهم ضمُّوا جنسيات من مُختلف انحاء افريقيا،.. كانوا يحملون شرطًا على أجسامهم غير مألوفٍ وأسنانهم مُقلَّمة .. كانت ملامحهم الغَريبة مَبْعث خوف لساكنة المخيم البدو ، فنسجوا حولهم القصص واعتبروهم من آكلي البشر ( cannibale) ، حتى أنهم اتهموا عناصر من طائفة الموشي بأكل طفلين في أطار…

كابد الرماة حالة غُرْبة بيئية ، وعانوا من تهميش يستدعي الشفقة.. فهم في عزلة عن بقية الحي،.. وقد مارس الفرنسيون اتجاههم أبشع انواع التمييز، .. محظور عليهم قسرا تطوير مَلَكاتهم في بيئتهم الجديدة، يُعاملون كقاصرين و كعبيد ، عُرف مخيمهم “المربَّع” بخيامه الصغيرة البائسة ،… غالبا ما تُسْند إليهم مهام السُّخرة المُهينة من قبيل تفريغ قاذورات مراحيض الفرنسيين،.. وهي مهمة لم يقبل بها بيظاني أبدا رغم عقوبته بالجلد أحيانا.
لم تكن للفرنسيين الثقة التامة في كَوميات، فأغلبهم من قبائل الشوكة المحاربة، و يندر بينهم وجود الزوايا أو لحراطين،.. و يسودهم التحاسد بشدة .. كانو مسلحين و يحرسون الحدود والمراعي في ما يشبه دور الحرس الآن ، و يمارسون مهام الشرطة في بعض النزاعات.
البيظان متمردون بطبعهم لا يروَّضون ولا يهابون شيئا عكس الأفارقة السود، كانوا خانعين مُنصاعين يُعاملونهم كأشياء بلا روح و بلا ذكاء، كان لكَوميات الحق في استقدام نسائهم و نفس الحق حُرم منه الأفارقة.. كانت شجاراتهم تقمع بقسوة من طرف الفرنسيين عكس تعاملهم في فض شجارات الموريتانيين…و وصل التمييز حتى في الغذاء ، حيث يقتصر جل طعام الرماة على عيش الدخن، و الوثنيون منهم لا يأكلون لحم الإبل بدعوى أنه يدمر قواهم الخفية،….
شاهدتْ عنصرية الفرنسيين اتجاه السود كما شاهدتْ صمتهم على بيع العبيد حتى في أسوار “فرقة البدو” الي نهاية الخمسينات… و تُحّمِّل المستعمر مسؤولية كبيرة في حفر خندق عميق في العلاقة بين البيظان والسود في موريتانيا… فقد أراد لها أن تكون قطيعة .. صفحة 146

فتح الفرنسيون مدرسة في المخيم لأطفال كَوميات و أصبح تمدرسهم شرطا للحصول على بعض الامتيازات، وبالموازي كان للأهالي من الزوايا المقيمين على جنبات الحي مدارسهم القرآنية وقد تعلمت مريم التَّهجي على يد فطمة بنت الخليل زوجة محمد ولد الشيخ محمد المامي، التي هي خالتها بالرضاعة و لها نفس عمر ابنها إمَّمَّ ولد الشيخ محمد المامي …صفحة 163 .
زُوِّجت بنت اطويلب في التاسعة والنصف من عمرها وهو متوسط عمر الزواج أنذاك،.. وقد كان اخضاع الفتاة للتَّسمين القسري والختان من مُسلَّمات اعدادها الجمالي للحياة الاجتماعية،.. دخل بها زوجها في الرابعة عشر،.. ولأربع سنوات تعرَّضت للعذاب في شكل اغتصاب يومي مُشرّع،.. كرهته لحد الجنون،.. اتخذت عليه خليلا وطالبت بالطلاق،.. كما وقعت اختها في غرام ممرضٍ أسود من الضفة، لكن والدتها اعترضت على العلاقة و كذلك الضابط الفرنسي المسؤول فحوله من آدرار الى الضفة لتصبح اختها محظية لعسكري فرنسي أقام لها خيمة بجوار خيمة والدتها و كان يتردد عليها،

كادت تعقيدات طلاق من اطويلب ان تؤدي الى فتنة بين المجموعات القبلية المتساكنة في المخيم فتم ابعادها الى أطار الى حين انقضاء عدتها الشرعية…

تقول بنت اطويلب .. ” …هناك بدأ انجذابي للفرنسيين، كانت قريباتي يتزيَّنَّ و يلبسن ملاحف بيضاء أو زرقاء ويذهبن لملاقاة الفرنسيين في الحي العسكري،…، و كان استقبال النساء لهم في بيوتهن أمرا شائعا وغير ملفت… و لم يكنَّ مرغمات بل كن أحيانا سعيدات،…و قد يقضي الفرنسي ليلته مع الواحدة في منزلها …
في أطار رأيتُ لأول مرة الطوابير أمام دور الدَّعارة.. الفرنسيون لا يقفون في الطابور، و البيظان لا يرتادون تلك الدور أبدا ، كانت خاصة أيضا بالمحاربين السُّود لكن هذه المرة على مستوى حامية أطار …
ظهرت الدعارة المُعْلنة مع الفرنسيين كما ظهر اللواط ،.. لم يكن كل الفرنسيين مخنثين لكنهم عمدوا الى مباشرة الرجال لإشباع رغباتهم الجنسية حيث لم يكن الكم الكافي من النساء متاحا…صفحة 227 – 228

في السنوات الأولى للاستعمار كان الوسط العسكري رجاليا بحتا: خدم، مترجمون، جنود خدمة للضباط، طباخون ووكلاء كلهم من السكان المحليين.. ومن هنا كانت الشرارة الأولى لظهور اللوطيين .. لم يكن بوسع الموجودين في الخدمة المباشرة كبح شهوانية الفرنسيين أو صد رغباتهم الجانحة… فعلى الرغم من الإحساس بالخزي كانوا خائفين … ثم اكتشفوا بعد ذلك أن المُمارسة الشاذة مُرْبحة.. و ما هي إلا سنوات بعد ذلك و يلتحق اللوطي بجو المُومِس بعد أن كان يتوارى من نفسه خجلا.. و فتح بعضهم مواخير خاصة… أعرفُ طباخين ووكلاء، و وجهاء يتحولون عند الاقتضاء الى وسطاء بين الفرنسيين والنساء…”
…………….

تزوجت منت اطويلب للمرة الثانية،  ورزقت ابنة زيادة على ابنها من زواجها الأول، عرفت الخيانة من الزوج الثاني وتطلقت.

كانت سنة 1956 سنة استثنائية..  فقد هُوجمت مدينة أطار من قبل مجموعة مغْربية تسلَّلَت عن طريق الصَّحراء الإسبانية مرورًا بعين بنتيلي ، عبروا الى أن وصلوا الى آكوينيت ، عن طريق Fort- Gouraud  ( مركز عسكري دائم قرب افديرك في كدية اجل أسس سنة 1933)، وكان تسلل المجموعة بالتعاون مع بعض القبائل المُحارِبة في الشمال الكبير و بمباركة الأهالي بعد أن وعدوهم بتحريرهم من المستعمر.

سبق لمريم بنت اطويلب أن سافرت للصحرا ء الغربية مع اسرتها في رحلة بحث مُضنية تتبَّع فيها والدها أصوله – من غير انمادي – التي تعود لقبيلة من أهل الساحل،…هناك اكتشفتْ ترف الاستعمار الإسباني مقارنة بالفرنسي، …ففي الساحل الإسباني رأت لأول مرَّة مَنْ يدفع ثمنا مقابل خدمة … لم يسبق لها أن شاهدت تصرفا مُماثلا …و اكتشفتْ  وجود المُعجَّنات والمِسْك و سكر القالب واغنم بوزْكَنْدِرْ، وزيت الزيتون،…

استلزم ردُّ المستعمر على الهجوم على حاميته في أطار استدعاء la Légion étrangère  ، الفيلق الأجنبي،  وهو تشكيل أُسِّسَ سنة 1831 واستمر حتى نهاية الحقبة الاستعمارية سنة 1962 ، ويضم مقاتلين أجانب،  أُنيطت بمهم يومها مهمة القضاء على العناصر المتسلِّلَة من المغرب ودحرها باتجاه الشَّمال، شارك والدها الى جانب الفرنسيين في الاشتباك الذي وقع مع المتسلِّلين في افديرك وجُرح،.. حتى نساء المخيم ساهمنَ في المجهود العسكري بجمع الحطب لجنود الفيلق الأجني.

. تقول بنت اطويلب : ” .. كان للمغرب دومًا ادِّعاءات في موريتانيا،.. لكن كان من بين المهاجمين بعض الصَّحراويين الذين هم أبناء عمومتنا، فهم بيظان مِثلنا، ولم نستسغ هجومهم علينا، تكبدنا خسائر بشرية من اللحظة الأولى لبداية المعركة في أمِسَّاكَ،  وقد اصْطففنا طبعًا مع الفرنسيين….” …صفحة 252 .

“….أمُرنا بالمغادرة الى أغَسْرَمْت، حيث دارت المعركة الأكثر فتكًا في عهد الغزو الاستعماري. وجدنا عظامًا بشرية على السطح تعود إلى تلك الفترة. في هذه الرحلة تعرَّفتُ على ضابطَ صفٍ فرنسي ، مهندس بنى تحتية يُقيم في موريتانيا منذ 25 سنة،.. كان Auguste  مسؤولا عن الإرسال بالراديو ، وقع في حبي،  و طلبني من والدتي بوساطة من وجهاء تجار من أطار، ثم بعث إليها أيضا بأربع شخصياتٍ دينيةٍ ليزكُّوا لها إسْلامه،.. كان يتسمى بمحمد ولد اكويزه، يتكلم الحسَّانية بطلاقة، و يُقيم الصَّلاة ، طويل اللحية في مبالغةٍ، يحمل سبحة من سانغو مطعمة بالفضة، يَعرف كثيرا عن الإسلام وعن عادات البيظان وقد تزوج قبلي ببيظانية،.. تزوجتُه تحت ضغط المصلحة، كان يَكْره السود ويسميهم ” les culs de marmites   ” ، “مؤخرات لمْراجن”.

انتقلنا الى اكجوجت، حيث عين زوجي قائدا مساعدا، وفيه شاهدتُ الكهرباء والحمَّام لأول مرة،… وفيه أيضا ظهر زوجي على حقيقته،  فلم يكن سوى فرنسي سكير كذَّاب و مخادع برع في إيهام الجميع بأنه مُسْلم!.. وأتساءلُ ما الجدوى من تظاهرهم بالإسلام للتجسس على جماعة موالية أصلا لفرنسا وليس بينها معارض…”

“… أنجبت منه طفلةً سماها Alice  ، و يوم حان رحيله بشكل نهائي، اكتشفت أنه لمْ يسجِّل ابنتنا Alice   باسمه ولم يعترف بها إداريا ، كانت المُسْتولَدات للجنود الفرنسيين مثلي قد تنبَّهن الى ضرورة تسجيل أطفالهن في السِّجل المدني بأسمائهن لإبطال حق الأب في الوصاية،  و قد أخبرني  قائد الدائرة بنية أوغست  اختطاف الطفلة وإيداعها  لميتم كاثوليكي تابع للأخوات المسيحيات في سين لوي بالسنغال، لتتلقى تربية نصْرانية، وقد  اختطف الكثير من الأطفال الخُلساء وتُركوا في السنغال في طريق عودة آبائهم إلى فرنسا، لتتولى المؤسسات الكاثوليكية مسؤولية رعايتهم،  في حين اصطحب بعض الجنود معهم أطفالهم الى فرنسا ليختفي أثرهم الى اليوم.

………….

يرحل Auguste  ” المُتَأسْلم” الى بلده، فقد ترك في  فرنسا زوجته الرسمية وبناته وحياة أسرية قائمة  ……………………..

تحكي بنت اطويلب : ” … خلال إحدى حلقات السمر  في بيتنا باكجوجت،  حيث المُتسامر يتناول الشاي ويجود  بشيء..، بَعثَ إلىَّ البعض من رفاق Auguste   الفرنسيين،  يلتمسون امكان قضاء  وقت معهم وتناول الشَّاي ..  قد كنت جميلة وغير مرتبطة.. كان من بينهم مترجم عسكري، شاب، وسيم،  أشقر بعيون زرقاء،  فارع القامة،  من مدينة ليون ، وقعت في حبه من النظرة الأولى  وأصبحت ألتقيه في بيت معرفة لي،  سيدة عجوز، لها ابنة وحيدة من سنغالي ولا تقيم معها.. توطدت علاقتنا في الخفاء، وكنا ككل الشباب نتبادل الودَّ و القُبَل و لا أكثر… كان عسكريًّا بامتياز، خاض حرب الجزائر وربما الهند الصينية،  لا يفقه كلمة من العربية، مثلي تماما بالنسبة إلى الفرنسية.. كان كريمًا معي… فرغم كون الفرنسيين يأخذون النساء أحيانا عنوة،  إلا أنهم كانوا أيضا كرماء معهن يعطوهن المال والإبل والنخيل.. و حصَّلَّت منهن نساء أعرفهن و من محيطي الأسري ثروة معتبرة.

في سنة  59 – 60   بَعثَ إلينا شقيقي رسالة من افديرك تفيد أنه التحق بالحرس الوطني، وأنه حُوِّل الى نواكشوط مع النقيب Goupil   ، ” المتزوج” من ربيبة والدي من زوجته الجديدة، وطلب منا الانتقال من اكجوجت و الالتحاق به.. و بناء على ذلك طلب خليلي الفرنسي بدوره التحويل الى نواكشوط…

حين وصلنا نواكشوط، لم يكن لدينا سِنْتًا،  كانت نواكشوط عبارة عن منازل طينية ب” لكصر”،  و”عنقار” كبير للجمعية الوطنية،  وفيلا صغيرة للرئيس،  إضافة الى خيام و أكواخ مبعثرة ، و بعض شجيرات زهر- القات،  زُيِّنَ بها الشارع استعدادا لحفل الاستقلال..

طلب منا خليلي الفرنسي أن نقيم بجواره ، بين القلعة العسكرية  Fort Cappolani ، التي شيدتها فرنسا على بعد ثلاثين الى أربعين كلم شمال نواكشوط، وقرية صغيرة لإيمراكَن ، كانت رائحة الماء كريهة  والآبار مالحة، ومع ذلك لم نحتج لشيء فقد تكفل خليلي بكل شيء،…

كانت هذه هي المرة الأولى التي تعمَّدْتُ فيها أن أكون مع مسيحيٍّ، وبدافع العاطفة والحب،..  قَبِلَ أخي الذي لا يتدخَّلُ عادة في شؤون الآخرين أن أقيم مع صديقي الفرنسي على أن تبقى والدتي- التي احْترمت هي الأخرى  قراري-  معه،.. لكن أمام اصراري وبُكائي رضخ لطلبي وانتقلتُ وإياها و ضربنا خيمتين قرب القلعة على شاطئ المحيط واحدة لإقامتها، والثانية لنا،.. أنا وحبيبي؛

كان خليلي متحكِّمًا، مجنونًا بالغيرة، يميل للعنف أحيانا، وجعلنا مع الوقت في وضع يشبه السَّجن، لم يكن بيننا هذه المرة عقد زواج ولا شيء.. كان يتناول معنا الغداء ويقضي معي الليل… ولم تعترض والدتي على طبيعة هذه العلاقة الغريبة على المسلمين،.. و هو بالتأكيد خيار خاطئ من وجهة النظر الدينية…. لكن الله شاء،  و هذا مكتوب .

طلبني للزواج،  ولمرافقته إلى ليونْ لكن رفضتُ رغم حبي الشديد له، حملتُ منه في وقت لاحق وتعرَّضتُ للإجهاض.

استُدعِيَّ خليلي المظلي لفرنسا، حان يوم رحيله،.. نمتُ معه للمرة الأخيرة تحت النجوم في هواءٍ طلقٍ لطيف…

ولَّدَ لديَّ رحيله – رغم قساوة سلوكه – فراغا نفسيا كبيرًا.. لكنَّ إحساسي بالتَّحرر من السيطرة الذكورية كان مبعث راحة على الأقل.

استأجرنا بيتا صغيرا بلكصر بخمسين افرنكا، تعرَّفتُ على سيدتين، احداهما أم لطفل فرنسي مثلي، وتُماثلني في العمر،  ربطتنا صداقة عميقة..  وبدأنا نرى نخبة نواكشوط منْ مثقفين وغيرهم تستعرض أمامنا… كانوا كذباب على شريحة عسل،.. قررَّت القطيعة مع الزواج ، … و بدأ الرّجال بالتَّحلق حولي لتتشكل منهم شلة خلان مع الوقت…..”

…………….

……..
تحكي مريم بنت اطويلب:
“….غداة الاستقلال، ساد بيننا إحساس عارم بالنشوة والأمل. كان الكل يشعر بالحرية في موريتانيا الجديدة….

في نواكشوط ومع ظهور متطلبات من نوع آخر، أصبح الزامًا عليَّ أنْ أتكسَّب، فالتحقتُ بمركز وليدٍ لحماية الأمومة والطفولة PMI . كما حاولت والدتي بدورها أن تُنْسج علاقاتٍ في المحيط و تضرب الرمل، ” اتْكَزن”، وتزاول بعض الأعمال المتواضعة.. لكل منا عالمها الخاص في حين استقر والدي في الشمال الذي عرف حالة من الأمن منذ تولى مسؤوليته الكولنيل Du Boucher ، وخف الاقتتال بين القبائل.

التقت والدتي بسيدة من اهل انشيري تدعى عيشة، ستصبح في ما بعد زوجة لأخي محفوظ.. وعيشة، سيدة جميلة جدا، مطلقة من عسكري فرنسي، وتحولت إليها بعد رحيله ملكية مطعم- حانة كان يملكه..
أُغرمتْ عيشة بشقيقي محفوظ وتزوجته، كان في الرابعة والعشرين من عمره بينما كانت هي في الأربعين.
توطَّدتْ علاقتنا بها مع الوقت، كنا نعمل في النهار، ونرتاد السينما مساء كجل سكان حي “لكصر”.. كانت السينما مملوكة لفرنسي يدعى Pignard سبق أن تعرفتُ عليه في اكجوجت حيث يملك قاعة مماثلة.. كما كان الإخوة Perez Gomez ، يملكون أيضا قاعة سينما، وبقالة، و فندق– مطعم .. هم أربع اخوة من أصل اسباني اكتسبوا الجنسية الفرنسية فرارا من الحرب الأهلية ، وهم الذين بنوا فندق Oasis ، أقدم فنادق نواكشوط.
طلبتْ مني زوجة أخي عيشة العمل معها كنادلة في المطعم- الحانة، منحتني راتبا منتظما، ناهيك عن اكراميات الزبناء .. وبدأت ظروف حياتي تتحسن من حيث المسكن والملبس ومستوى المعيشة.

نزعتُ الملحفة، و فصَّلْتُ ملابس أوربية مُحدِّدَة للخصر بتنانير قصيرة – نمط الممثلة “ابريجيت باردو” – من تصميم السيدة Perez كما قصَّتْ لي شعري، و انتعلتُ الكعب العالي،.. لكن مع مسحة بداوة معاندة .. كنتُ أعملُ وأذهبُ الى السنيما بهذه الهيئة،.. كما علمتني عيشة السير في غنج .. كانت الرؤوس تدور اتجاهي أينما حللت،.. لقد رغبتُ في الخروج من السياق التقليدي المُقيِّد.

عيشة زوجة سابقة لعسكري فرنسي أخذها الى “بوردو” ثم عادت الى السنغال حيث التقت الحاكم الاستعماري Messmer وزوجته، لها علاقات بالطبقة العليا من المجتمع، ، كانت مُتَحضِّرة، مُشْبعة بالروح الغربية، ترقص التانغو، و الرُّومْبا والجافا، و لاعبة بارعة للبوكر.
يقع المطعم- الحانة في بيت من الطين في “لكصر”، متخصص في المطبخ الفرنسي الذي اتقنته عيشة جيدا، ترتاده مختلف الجنسيات، أوربية وافريقية، لكن في قالب من الثقافة الفرنسية،.. أقدم الطعام للزبائن، أْرقُصُ التانغو في بعض الأماسي، وأُقدِّمُ الخمور للاعبي البوكر في السَّهرات الخاصة.

تواصل بنت اطويلب هنا رواية قصتها بعد الاستقلال حينما تحولت إلى نادلة في حانة تلبس كما تلبس بريجيت باردو وتقدم الطعام للزبناء..ترقُصُ التانغو في بعض الأماسي، وتقدِّمُ الخمور للاعبي البوكر في السَّهرات الخاصة….

………في الحانة- المطعم تعرفتُ على الفرنسي الثالث في حياتي Xavier ، خرِّيج مدرسة فرنسا- ما وراء البحار ، مستشار فني متعاون ، مقيم منذ سنة في موريتانيا، وسيم، لطيف ، درس اللغات الشرقية، و كان مقتدرا في اللغة العربية لكنه يرفض التحدث بها، معتبرا أن النسخة الموريتانية منها ليست عربية، و لا يهتم بالحسانية التي يراها مجرد لهجة.
Xavier متعصب جدا لفرنسا العمق، فرنسا التقاليد، مسيحي ملتزم ، مارس لعبة البوكر بالمال مع رواد المطعم إلى أن أصبح ماهرا..
كنا نتنزه سويا، نخرج للبحر أو السينما.. طلبَ مني الانتقال للسكن معه في فيلا قرب حي les blocs ” ابلوكات” بمحاذاة المنزل السابق للرئيس المختار ولد داداه و غير بعيد من السوق، و على اليمين توجد فيلاهات للموظفين الفرنسيين الكبار..

أعاد كزافيي قولبتي على النمط الفرنسي، بدأتُ أتكلم الفرنسية بشكل صحيح.. تحررتُ من وطأة التقاليد، و تعلمتُ قيادة السيارة..
احتفظتُ بشلة أصدقائي الموريتانيين في ظل علاقة مرتبكة مع خليلي الجديد، فقد كان يعيشُ صراعا داخليا مردّه مكانته الاجتماعية ، فهو سليل العقلية المحافظة لفرنسا القديمة ، ولم أكُنْ من مُستواه، كان من الصَّعب عليه بخلفيته التربوية المسيحية جدا تقبل مساكنة امرأة من غير زواج، وبدوري كمسلمة كان الأمر محرجا لي أمام الآخرين.. رغم أني بدأت انسلخ من تقاليدي باتجاه تقاليده.

كان كل منا يرتاد  محيطه الخاص.. كنت في ذلك الوقت أعرف الرئيس السابق (…….) كان وقتها (…..)، كنا نلتقي مع آخرين على كثيب أمام البيت، نختلق القصص المضحكة، نحكي الخرافات و نقرض الشعر.

حملتُ من شريكي الفرنسي  بابنتي الأولى Virginie  قبل الزواج.. و وضعتها في فرنسا في ظروف عانيت فيها البرد والغربة والوحدة،  كما عانيتُ من تعقيداتٍ صحية ونفسية و عدتُ لبلدي ..

طلبني اكَزافيي للزواج ورفضتُ، في البداية. كنتُ مُصِرَّة على حُريتي، وعلى أن أعيش معه لذاتي فالزواج بالنسبة لي أصبح ارتباطا معنويا لا ارتباطًا على الورق.. غير أنني بعد فترة  قبلتُ و تزوَّجنا في القنصلية الفرنسية وكانت عيشة شاهدة على الزواج..

أنشأنا ناديا للملاحة الجوية.. تدرَّبتُ فيه وكنتُ أول امرأةٍ موريتانية تقود الطائرة، وجنحت  بي في احدى المحاولات عن المهبط ،..

وتقول بنت اطويلب هنا إن نجاتها من هذا الحادث دفعت بها إلى الشهرة حيث أجرت معها الإذاعة مقابلة حول ما جرى.

……

وضعت ابني الثاني Jérémy  وقد تم تعْميده وأخته Virginie  ( طقس مسيحي تغسل الروح برش الماء على الرأس تمهيدا للانتماء للمسيحية)،  كما تمَّ تعْميد بقية أطفالي بالمسيحية تلبية لرغبة وَالِدَيْ Xavier   .. لم يعْنِ الأمر لي كثيرا ، فلا ألقي بالا لغير ديانتي.

 

تعليقا على الملخصات التي نشرت عن كتاب “ابنة الصياد” وعلى الاتجاه العام لقرائها.

أولا: عن “مريم بنت اطويلب”.

…………………………… تعيش “مريم” اليوم في حي “بل فيل” بباريس أنجبت ستة أطفال ربتهم بقناعة على الطريقة الفرنسية ، انتسبت للحزب الاشتراكي الفرنسي، وناضلت من أجل الأشخاص فاقدي السكن اللائق، كما ناضلت ضد اشتراك فرنسا في الحرب على العراق.

استعرضنا خلال 7 ملخَّصاتٍ فقرات من حياة “مريم بنت اطويلب” بقضِّها وقضيضها ، التي روت في كتاب  La fille du chasseur   و لم يكن هدفي تتبع تناقضات حياتها ولا تعريضها للنعوت التحقيرية،  بل كان الهدف الأساس الاطلاع على من خلال شهادتها و ارتساماتها التاريخية على جوانب معتمة ومطموسة من الممارسة الاستعمارية في بلدنا، كانت قد زامنت حياة مريم وما زالت تداعياتها موضع جدل؛

حين قرأتُ الكتاب،  لم أتعامل مع “مريم” برفضٍ ذهني مسبقٍ، ولم أستحضر ما يجب أن تكون عليه في المخيل الديني الجماعي،  و حاولت الانعزال عن العقلية الانضباطية العقابية،.. و هذا جعلني أنبهر بمسارها مذْ كانت طفلة ترعرعت في أحياء “انمادي” على الصيد البدائي، وعرفت البؤس، وشظف الحياة، و الارتحال المُضني، والتسمين القهري، والزواج القسري،  والتعنيف الجنسي-الجسدي، والزواج الاضطراري تحت وطأة الحاجة؛

لقد عاشت أكثر من حياة في حياة واحدة،.. وحتى في عمرها اليوم مازالت تتساءل حين تعيد الشريط للوراء، هل هذه فعلا أنا؟

إنصافًا للبُعد الإنساني “لمريم بنت اطويلب”،.. لقد كانت شرسة في مواجهتها لعوادي الزمن، صلبة في تحمُّلها لممارسة إرادة الآخرين عليها، تحدَّت الفقر والأمية والبداوة، وارتقت وتفاعلت اجتماعيا و نسجت علاقات مُميَّزة  لتصبح جزء من الطبقة الأهم في نواكشوط –الاستقلال، قادت السيارة وقادت حتى الطائرة… وشهادتها توحي بالانسجام بل بالتناغم مع مجتمع الدولة حينها بمختلف أطيافه،  فقد قبل بنمط حياتها ربما حيادا، وربما باسم الحرية الفردية،  أو كان مستوى من الاعتدال لم يعد موجودا اليوم.

تخلَّصَت مريم اليوم من أشكال التابوهات وخصوصا التابو الأخلاقي-الدِّيني، وهذا طبيعي،  فقد عاشت بين ظهرانينا تقودها النفس الأمارة في رابعة النهار، ومن غير الإنصاف أن نتوقع منها أن تأتي القوم بما يحبون، و أن تطل علينا من شرفة غربيَّةٍ متحررةٍ  بلسانٍ معبرٍ عن النفس اللوامة،.. لكنها بحق تكلَّمت  بشجاعة وتقديرٍ للذات – رغم ما كان – وعبَّرت بصدق عما قد يفيدنا في اكتشاف اسْقاطِ المستعمر للمقدس، ونزع المهابة عن محظورات المجتمع من خلال قتل حسِّه العام. وانزالنا من سؤددنا في اذلال ومهانة.

كانت “بنت اطويلب” جريئة جدا حين كشفت عن ممارسات تستر عليها الكثيرون،  وقد يقول البعض: عجوز مجاهرة بفاحشة ،.. و أقول: إني لمْ و لنْ ألْتَمِس من “مريم” العزيمة في الرُّشد،.. تلك العزيمة التي فَّرطتْ فيها – بعونٍ من نعمةِ السُّتْرِ- من خلَّفتْ “مريم”  وراءها من بناتِ جِلدتِها في دارِنا،.. دار الإسلام والفضيلة المُنمَّقة.. في انسحاقٍ أخلاقيٍ من خائنة الأعين الى ما تخفي الشقق المفروشة!.

ثانيا: عن المستعمر والشمال.

…………………………… اسقط بعض القراء ماروت “ابنة الصياد” عن حياتها الأولى في ربوع الشمال، على الشمال نفسه،  في حكم عليه – عن غير ادراك – بالميوعة والسهولة والاستعداد المسبق لتَمَثُّلِ قيم المستعمر من العمالة في صورة ” الكَومي ” الى الانحلال في صورة “مريم” ، وهي صور نمطية ظلت في عمقها غير إيجابية؛ .. و مشكلة القوالب الجاهزة أن أحكامها عادة مزاجية معيارية لا تمت للموضوعية بصلة.

كُلف كبلاني بموريتانيا سنة  1898 ، و أطلق مشروع احتلالها ” فتحًا سلميًّا باتفاقٍ ” سنة 1902 ، قابل الشمال – قبائل وقيادة روحية- المشروع بالرفض والتأليب والكفاح… شق كبلاني طريقه بأرض موريتانيا  بسلالة من “دكَانه” باترارزة الى أن واجهته أول عقبة سنة 1905 ب “دركل” في مدخل تكَانت،.. و هناك خُتم مشروعه وطُموحه و انتهت نُزهته على يد الشريف سيدي ولد مولاي الزين، لكن.. من كان ظهيره في معركة الدقائق الخمس الفاصلة تاريخيا؟… ” رِجْلِيَّهْ من ادَيْشِلِّي”…. ذلكم هو الشمال.

خُلِّدَتْ معارك معروفة شرسة  بتسميات من قبيل… معركة أماطيل، أحسي الخشبة، أيكَنينة التكَويت، اكجوجت، شمط، لكديم الطريفيات، أعكَيلة الخشبة، حفرة وادان، قرد زمور، وديان الخروب، أكصير الطرشان، أم اغوابة، انواذيب ، الطريفية، لكديم، و الطريفيات، خروفة، أجحافية، ممر حمدون، أغسرمت، أم التونسي… إن الخيط النَّاظم لهذه المُسَمَّيات التي احتضنت آخر جيوب المقاومة… هو كونها كلّها في الشمال.

شراسة هذه المعارك دفعت ب    Xavier Coppolani قبل مقتله و بخليفته من بعد مقتله  Montané-Capdebosc  إلى تحويل الخطة في الشمال من هجومية لدفاعية.

من الظلم مقارنة تأثير المستعمر في أرض أقام بها ردحًا من الزمن وخالط سكانها،.. ناطح الأقوياء وأرْهَبَ وعاقبَ، واسْتمال الضّعفاء  ورَغَّب وأثاب ،.. وبين أثره في أرضٍ هادَنَها،  أو مرَّبها فقط، أو لم يمر بها اطلاقا،.. المقارنة لن تخلو من اجتزاء وعطب في غياب دارسات جادة منصفة للجميع.. ثم إن طبيعة سكان المدن والشواطئ أكثر انفتاحا و اعتدالا  في التعامل والتفاعل مع الغرباء من المجتمعات المعزولة بيئيا أو اجتماعيا أ وغير المنفتحة في التّفكير…. وعلى كل فالشمال لن يتلطخ بأوضار هذه التهم….

ثالثا عن الطرافة.

……………….من أطرف ما صادفني في الكتاب.. نصيحة من قبيلة محاربة شرسة من قبائل الساحل لوالد بنت اطويلب بعدم عبور عركَ-إكيدي في “الكَبله” باتجاه “الشكَه” لأنه مأهول بالجن،.. والظاهر أنه في عهد “السَّيْبَه” كان لكلٍ سلاحه، البعض يدافع عن حماه بالرصاص، أما البعض فبدهائه المُعَتَّق اكتفى بالترويج لسياج من الجن  يحتمي به من  بعض “الغزيان” القادمة من الغرب و  “إلِّ اعل بابهم حت”.

إعلانات