آراء

عن الشيخ بابا والاستعمار و”المقاومة” في سبيل النهب/ م محفوظ أحمد

تنبيهات
من علامات الجهل بالتاريخ، وربما التحامل الشخصي الأفاك، القول بأن الشيخ باب ولد الشيخ سيديا، وقبله الشيخ سعد بوه ولد الشيخ محمد فاضل، استقدما الاستعمار الفرنسي ومكنا له في البلاد!
والحقيقة التاريخية والوقائع تثبت أن الاستعمار الفرنسي لم يستقدمه أحد في هذه البلاد، ولا في غيرها من شمال وغرب إفريقيا؛ بل لم يكن أحد يستطيع ذلك. وإنما كان استعمارا مخططا له ومفروضا لا تستطيع أي مقاومة صدَّه بسبب قوته الغاشمة على الأقل.
ثم إن طلائع هذا الاستعمار، ممثلة في “المتبيظن” كزافي كبولاني، قد ولجت الأراضي الموريتانية أول مرة من شرقها (من جهة مالي) قبل أن تعود إلى مستقرها في “سان لوي” (اندر) وتعبر منه إلى منطقة الـﮔبلة الغربية، المجاورة، موطن الرجلين.
لم يخف الشيخان النافذان ـ قبل ذلك ـ حماسهما لاستغلال قوة الفرنسيين وأسلوبهم النظامي، من أجل القضاء على حالة الفوضى والظلم والقتل والنهب والخوف… السائدة في بلاد السيبة، بعدما تأكدا واطمأنا إلى احترام الفرنسيين لدين الناس وعوائدهم وأنظمتهم الاجتماعية…
ولم يجدا يوما أن فيهما “الأعظام” من أي تأثر بدين وقيم الفرنسيين أو تهمة بتملقهم أو “العمالة” لهم، بل كانوا يعاملون الحكام الفرنسيين بغلظة وعزة!
ولهذا فإن من عارضوا نهجهما، وهم القلة، ما لبثوا أن رجعوا إلى ذلك النهج ـ حتى بعد مقاومة قتال أو هجرة ـ وصالحوا الفرنسيين وكاتبوهم وتعاونوا معهم مباشرة (لم تقتصر علاقة الفرنسيين على الشيخين ولم يجعلا من نفسيهما القناة الوحيدة للتعاون مع الفرنسيين).
وقد سئل الشيخ باب يوما: هل صحيح أنك من جاء بالفرنسسن؟ فقال: “ما في ذاك من الفائدة”. وشاع قول الحاكم الفرنسي في بوتلميت لمن جاءه يستشفع به في أمر اجتماعي خاص لدى الشيخ باب، ويستكثر نفوذه على الفرنسيين: “نحن اشكم لنا السلاكة من باب”!!
ولعله من الغفلة المزرية والأخطاء المنتشرة تجاهل حقيقة حاسمة؛ هي أن جميع علماء البلد وأعيانه في تلك الفترة وما قاربها، على اختلاف مواقفهم ومناطقهم، لم يطعنوا في عدالة الشيخين ـ باب وسعدبوه ـ وأهليتهما للاجتهاد في أمور الدين والدنيا؛ وأوسعوهما، بالقول والكتابة، مدحا وثناء وتزكية… رغم الاختلاف معهما في المواقف والاتجاهات…
فأني بعد أولئك الأعلام، المجاهدين، لبعض من يجلسون اليوم على أرائكهم ويتطاولون في البنيان؛ وهم في الواقع أتباع أذيال الفرنسيين وغيرهم من نصارى العصر، يتمولون منهم وينهجون نهجهم… أن يحاكموا الشيخ باب أو يلحدوا في سيرته العلمية وورعه وبصيرته الثاقبة، وهم من تستحي من تفاهتهم ظلالُهم إذا طلعت الشمس؟!!!

أما مقاومة الفرنسيين في هذه البلاد فكانت جهادية كليا، ولم تشبها ـ مخلصة أو مُنتهِبة ـ أي دعوة ولا شائبة من مفاهيم “الوطنية والاستقلال والاستعمار”، التي لم يكن لها ذِكر قبل منسلخ سنوات الأربعين من القرن الماضي (أي بعد حوالي عشرين سنة من اكتمال سيطرة الفرنسيين وانتهاء كل الأعمال العسكرية “المقاومة”!).
والواقع أن تلك المقاومة القتالية كانت لها عدة أسباب وأهداف مختلفة:
= هناك القتل والقتال في سبيل الله، الذي يستهدف النصارى دون غيرهم.
= وهناك القتل والقتال في سبيل المصالح السلطوية والمكانة الاجتماعية (المرتبط بصراعات أبناء بعض الإمارات ممن يتهمون الفرنسيين بتأييد أو تمكين خصومهم…).
= وهناك القتل والغيلة والتهديد بالسلاح… من أجل السلب والنهب الماديين، دون تمييز بين الفرنسيين وأعوانهم وبين الأشخاص والمجموعات المسالمة العزل التي لا علاقة لها بالفرنسيين ولا بأعوانهم وجندهم. وهذه ـ مع الأسف ـ كانت هي “المقاومة” الِأوسع انتشارا والأطول أمدا.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى