آراء

الانتماء المُعطَّل والولاء الهشُّ/ محمد الامين الناتي

الانتماء المُعطَّل والولاء الهشُّ:

إذا كان بُدٌّ من تجلية أسباب هشاشة الانتماء إلى كيان عام، تتعاضد فيه مقومات وجود بشري بتضافر شروط تَمدُّن فاضل، وتوافر دعائم التكافِّ عن الظلم، وتزَع الأعراف والقوانين الفرد فيه عن النزوع إلى البغي والتسلُّط؛ لأن سابق الإلمحات يغني عن ذلك ـ هنا ـ فإن المُضيَّ دَرَجا فيما نبغي، ومحاولة الوفاء ببعض المتعَهَّد به يناسبهما منَّا أن نستدعي ثِنْتَين من الخصائص المُلمَح إليها، من قبل؛ وهما خاصيتان بالغتا الدلالة على قابليات التعاطي، لدى طرفي الجدل، في تساوُق أمْرِنا نحو إتمام صياغة كينونة اجتماعية/سياسة غير شوهاء.
تانك الخاصيتان، هما:
ـ أنَّنا قوم مُبْتَسَرو الوعي المدني؛ تخلَّق الإيمان بالمنظومة الوطنية فينا خديجا (مولودا ناقص النمو)؛ وانتُقِصت رَضاعته، قبل أن يمضي عليه عقدان كاملان؛ هما حدٌّ أدني، لفطام الجدل الجماعي في نشوء الكيانات العامة؛ وبذلك عُطِّل النمو الطبيعي في بعده الجمعي؛ وبصلة من ذلك أنَّهم ـ مِثْلمَا بيَّنا ـ أناس مُهيَّؤُون للانْقِياد للمتغلِّب مولَعون بطاعته؛
ـ ثانية الخاصيتين، هي:
أن لا عهْدَ للمُتَغلِّبين الجُدُد بتقاليد الممارسة السياسية وأساليبها، ولا في تدبير الشأن العام وإدارة كفة الحكم، ولئن تضاءلت تبعات ذلك؛ لقوة الإحساس بالرابط الفئوي، في مستهل أمرهم، فإنه في كل سِنِي عهدهم المُتطاوِل، يظهر التراخي في ناظم العصبة، ويقوى ـ حينا بعد حين ـ الميْل إلى الفردانية، وشرعية الولاء الجماعي…
في وضع، مثل وضعنا هذا، لا يجد طالبو الولاء صعوبة في اصطناعه، وضمان حشد التأييد، لا يحد ذلك إلا حدود فهمهم، وارْتِسام ما يبغون به؛ وتسري “الخُويْصَّة” سريانها فاعلة فعلها في النسيج المجتمعي؛ إِذِ الصفوة والنخبة تتكفَّلان بإحداث التصوُّر وإرآم المُتَغلِّب عليه، وإيجاد الحيل والسبل الكفيلة بتسويقه، قبل تسويغه، ولفِّ معتمدات الرأي، ونوازل الترخص؛ لتتعاضد مقولات الاضطرار وسد الذرائع، واتقاء الفتنة، ونبذ الخلاف، إلى ضرورة نصبه ولو كان مفضولا، وإن ساق القدر متغلبا عُدِل عن طاعة المفضول إلى المتغلب، والجديد من المتغلبين أزكى نفعا، إلى الطاعة العمياء، أطاع الله أو عصى، وعمر الأرض ورعى الحدود، أو أضاع الأمانة، وأكل التراث وأهلك الحرث والنسل.
وأما عامة الناس فيُساقون إلى الدعم بصيغ الانتماء المُصطنَع، ويحشرون في الولاء التحشيدي حشرا؛ بإحياء صيغ الولاء المتجاوزة، بناظمتها المتهالكة، أو بإسباغ صفات أُخَر لضمان المترتِّب على رابطها؛ ما لم يكن الدافع القناعة، وترسيخ قيم الولاء الأشمل، والإيمان بمصلحة تنشأ عن الوضع الاقتصادي والرابط المهني، والارتباط الفئوي (بمعنى الفئة كحالة اجتماعية/اقتصادية)؛ وتَتَعطل القيَّم في الدافع والوازع في الحركة والكفّ.
ولئن كان خطر هذه الخصائص ممَّا يستوجب التقفِّي ومحاولة تلَمُّس المسارب في رحاب السياسة والاجتماع، فإن لذلك وقفات استرسال في الحديث، يحسن تأجيلها إلى حين؛ غيْر أن ازدحام عوارضها، وطغيان أعراضها في واقع هذه الأيام، يستدعي بعض التمهل عند ظواهر من مثل: امتهان هيبة الدولة، والاستهانة بتراثها، واستباحة المال العام، واستسهال الغرر في مال الناس، واستهجان احترام القانون، واسترخاص الانضباط؛ باستفحال الاستفعال في أفعالنا، ونيتنا الوقوف على بعض ذاك في قادم الوقفات ـ بحول الله وقوته.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى