آراء

عقدة “ولد داداه”!

ما دمنا ننظر إلى الدولة كنظام بعينه، بل كذات شخصية لفرد ما… فلن تكون لنا دولة، بل ادعاء دولة! أمس احتفلنا بعيد الوحدة الإفريقية (OUA/UA) وقدمت قناة “الموريتانية” الحكومية تقريرا عن هذه الهيئة القارية المهمة، لم يستطع أن يتجاوز دور الرئيس الحالي، واستضافة القمة المرتقبة للاتحاد. ورغم البعد التاريخي للذكرى، والصور التاريخية القليلة، فقد حرصت التلفزة الحكومية على عدم ذكر الدور الموريتاني في تأسيس المنظمة ورئاستها الدورية في السبعينيات (71-1972) وما لعبته موريتانيا في التقارب العربي الإفريقي وتصفية الاستعمار ومحاربة الميز العنصري الذي كان يومها سائدا معترفا به في أجزاء مهمة من القارة… لما ذا، والمقام يفرض ذلك، وتقتضيه الأمانة والوطنية؟! ببساطة لأن ذلك يحيل إلى الرئيس المؤسس الأستاذ المختار ولد داداه ودوره الكبير المشهود في حلقات إنشاء المنظمة ابتداء من 1961 وحتى مؤتمر أديس آبابا المؤسس في 25 مايو 1963، وما بعد ذلك…

وإذا كان العسكر قد تخلصوا من ولد داداه بانقلاب 1978 وتخلصوا من بعضهم البعض في انقلابات ما بعد ذلك… فإنهم لم يستطيعوا، إلى اليوم، التخلص من عقدة “ولد داداه”، حتى إنهم لا يطيقون من يحمل هذا الاسم ولا يقبلون له وجودا في ديمقراطيتهم العسكرية “ولو صوت له سكان الصين”! هذه العقلية/العقدة هي إحدى معوقات تقدم هذه الجمهورية وتفكك وتنافر مفاصلها بسبب الطابع الانقطاعي لكل انقلاب، ولعْن كل نظام لما قبله ومحاولة طمسه… متوهما أن ذلك ينفع في الحاضر ويرفع من شأنه! ولأن الأنظمة العسكرية كانت “ممالك شخصية” يسهل مسح بصماتها الباهتة، فقد بقي نظام ولد داداه ـ على علاته وعلله الكثيرة ـ شامخا شاهدا، عصيا على المحو والحذف… لأن عمله ببساطة هو الجذع الذي يركبه الجميع والحرث الذي ينفشون فيه. قد يقول قائل إن النظام الحالي رد الاعتبار لولد داداه؛ فترحم عليه وأطلق اسمه على شارع في العاصمة… ويبدو أن ذلك كان لظروف آنية (بحثا يومها عن شرعية ملحة جدا). والحقيقة أن أكثر الأنظمة العسكرية في هذه البلاد ضِيقا بالمختار ولد داداه، وحرصا على تغييب أثره وحذف ذكره، هو هذا النظام؛ رغم ما أشاع من حرية التعبير، وفك الأطواق السياسية…! ولم يكن تغيير الرموز الوطنية، وما صاحبها من حملات “المقاومة الوطنية”، في وجاهته الوحيدة الممكنة، سوى جهد ممنهج ضد المختار ولد داداه وما يرمز إليه من تأسيس الدولة، ومحاولة مستحيلة لاستبدال ذلك التأسيس المحسوس، بتأسيس آخر خيالي حتى الآن…! والآن حقيق علينا أن ندرك جميعا، أن امتلاك القوة العمومية وتسخير وسائل الإعلام واحتناك النخب المتعلمة، لا يغير شيئا من الماضي؛ بل ويفشل فشلا ذريعا في تغيير المستقبل، إذا واصل مصارعة رواسي الماضي والتركيز على إعادة تشكيله، وعقد عُقده… التي منها هذه العقدة الداداهية اللازمة!

محمد محفوظ أحمد

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى