آراءموضوعات رئيسية

رطانة الحركة والفعل

اختلفوا عليك وتحاربوا باسم هويتك…ارادك البعض اسود فاحما كخافية الغراب الاسحم بلا بقع بيضاء كالبرص المقزز, تولي ظهرك لكل من ينطق الضاد سليمة…وارادك آخرون ابيض ناصعا كرغوة لبن اللقاح , لا مكان فيك لمن ينطق الضاد دالا لان البياض لا يحتمل الدنس…وارادك آخرون كالعين لابد لسوادها من بياضها ولا بد لبياضها من سوادها كي تبصر….تخاصموا وكادوا يقتتلون..وكانوا بحاجة الى ان يطلع عليهم الامين ويبسط رداءه ليحملوك جميعا فتتلامس الايدي والسواعد وتتقارب الافئدة من بعضها ويشعر كل من فيك ان الاخر جزء منه…..لكنهم وجدوا انفسهم شركاء في التمثيل:
كتبوك نصا جميلا بلغة رصينة تتدفق سحرا وروعة , ديباجته قوية النسج , وفقراته محكمة الربط , وافكاره متناسقة متساوقة جمعت فصوله وابوابه جمال المبنى وروعة المعنى , وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد كتبوه جميعا وغربلوه ونقحوه واستعرضوا فيه كل مهاراتهم اللغوية والابداعية و الفكرية..
قراناه وحلق بنا في آفاق السعادة ..واحلنا الفردوس المفقود في ما يشبه سنة و نوما…ولما صحونا من سكر النشوة راينا النص يتحول الى مسرحية…تحولت لغته من رومانسية الشعر والبلاغة الى رطانة الحركة والفعل… ولانهم اذكياء جدا وبلداء جدا كانوا ايضا هم الممثلين…بالوانهم كلها وافكارهم كلها…الابطال ثلاثة : مفعول به ضحية…وفاعل..ومفعول له…وبدا العرض فتحولت الشعارات المخملية الى دخان ورماد , الى افعال بشعة , فراينا الابطال يميطون الثمتهم ويخلعون ثيابهم الكاذبة ويتحولون الى وحوش كاسرة تتوقد جوعا , واشهرت كل آلات الفتك واجهزوا عليك ايها الوطن الغالي.ذبحوك وقطعوك إربا إربا وفي جسمك بقية حياة , لا يابهون بآلامك…… همهم ان تنحر ويعود كل بقطعة من لحمك…لايسالون انفسهم : هل فقأوا عينا ام جدعوا انفا ام بقروا بطنا ام بتروا ساقا….انت بالنسبة لهم قصة مزورة , انت فيء , و الغبي من يتعفف عن نصيبه منك بحجة انك اغلى…وابقى واهل لان تبنى …..فهذه في شرعهم اغنيات عتيقة يؤمن بها المغفلون…ويكفر بها الذين يغنون بها بكرة واصيلا وقبل اذان الفجر..
زوروا حتى انتماءهم اليك ..فالشهود شهود زور, والمكان زور, والزمان زور.. زوروا اسماءهم …زوروا آباءهم , زوروا امهاتهم , زوروا اعداد اطفالهم , بل رايناهم في هذه المسرحية العجيبة زوروا اطفالا للاعزب والعقيم ليقتطعوا منك تعويضات عائلية زهيدة يرونها خيرا منك…تزوجوا اخواتهم وعماتهم وخالاتهم لياخذوا منك….. زوروا الحياة للموتى ففي نهاية كل شهر يهب بعض الموتى من قبورهم , ليسحبوا رواتبهم ثم يعودون الى مضاجعهم …زوروا الموت للاحياء , فقد تلتقي قوما رحلت لتعزي فيهم , قبل ان تدرك انهم اموات بشهادات مزورة حتى لا يدفعوا ديونك لانها بالنسبة لهم خير منك…زوروا المرض لاصحائهم حتى لا يخدموك لان راحتهم واستمرار مخصصاتهم يرونها خيرا منك….اراملهم الفتيات اللائي تزوجن يبقين مترملات لتبقى معاشاتهن جارية منك , واطفالهم يبقون دون سن الرشد دائما لان تعويضاتهم خير منك…زوروا الوظائف ليتقاضوا رواتب مقابل لاشيء لكنهم يرونها خيرا منك … فرغوا من وظائفهم الاصلية واغلقت مدارس وفصول ومعامل ومكاتب في كل الاجهزة وتراكموا في قطاعات لم يروها ليمارسوا التجارة في الصين والهند وافريقيا والخليج وظلت رواتبهم نزيفا من شرايينك….زوروا المنازل ليؤجروها لانفسهم وتدفع انت… لان ما تدفع لهم خير منك…زوروا الجهل فدخلوا بيوت محو الامية وهم يحفظون القرءان ويحملون شهادات عليا في القانون والتشريع ويتهجون (بـــــا بــــــــــــوبــــــــي) لياخذوا منك ما يرونه خيرا منك…زوروا الغنى ليقترضوا منك ولا يقضون.. وزوروا الفقر لياخذوا منك اذا حنوت وتكرمت..زوروا المدارس من اجل الكفالات وجلبوا الاطفال الابرياء من اماكن قصية ليكونوا شهود زور وليبداوا التعرف عليك بقصة ملفقة , ترى كبارالاطفال يتغامزون ويسخرون من كذب آبائهم …زوروا المحاظر واستعرضوا الالواح الخشبية والقرآن والاطفال الصغار لياخذوا منك..ما هو في شرعهم خير منك…اتعرف من هؤلاء يا وطني هم ابناؤك وقد ائتمنتهم…فعلى كل وثيقة مزورة وضعوا ختمك ورمزك…ثم هم مسلمون يصلون في المساجد الليالي الممطرة لا تثنيهم ظلمة ولا وحل ولا بعد…يصومون رمضان و يتطوعون بصيام رجب وشعبان…يحجون ويعتمرون…يقراون القرآن ويبكون من خشية الله…يتحدثون عن مروءاتهم ونقاء سرائرهم ويستعيذون بالله من الضلال المبين ومن اكل مال المسلمين…يعظمهم البسطاء ويقبلون يديهم ويتوسلون بهم لنيل رضى الرحمن..
وبعد :
بين ثالوث طبقة سياسية متعفنة وادارات متسلطة ونخب ثقافية وعلمية راكعة يضيع الوطن بكبريائه , بشموخ جباله وكثبانه , بسخاء سهوله ووديانه , بجلال تاريخه وعز محاظره وعظمة علمائه.., بفروسية ابنائه ودماء شهدائه .. بنقاوة صحرائه وبراءة بداته الذين لايعنيهم منه سوى مواقع القطر ولا يدرون ما اسم السلطان…
عودتنا الطبقة السياسية المتعفنة على التميع والتلون وتبديل الادوار دون الحاجة الى فترات تدريب اواستراحات قصيرة…لاتستحي ان تحول التكشير الى ابتسام , والادانة الى اشادة وعلى الخشبة نفسها دون اللجوء الى الستار لتبديل الديكور…تعودت حياة البذخ والترف واستنزاف المال العام , هرمت وحرمت بهاء الوقار ومات فيها كل شيء الا رمق الجشع والمتاجرة بضمائر العباد واغتصاب آراء الناس بالابتزاز واساليب الترويع والترغيب البدائية..همها تنمية راسمالها السياسي…وتلميع صورها المعتمة , لها قطعان مدجنة تحشرها في معالف متفرقة…وهي ذخيرتها في الحرب السياسية, لكنها لا تامنها رغم ما تضخ فيها من وسائل ورغم ما تبديه القطعان من رضى , فما تقوله المعزى في العلن وتقسم عليه في المصحف شيء وما تفعله حين تخلو بنفسها وراء الستار وفي صندوق الاقتراع شيء آخر , و لها اوطان سياسية هي مدنها وقراها الداخلية…لاتزورها الااذا استحصدت مزارع السياسة…فتتداعى ربيعة ومضر وعبس وذبيان كما يتداعى الاكلة على قصعتها ويدقون بينهم عطر منشم وتدور معارك قبلية وعشائرية واسرية يخف فيها الوقار ويجهل فيها الحلم…ويزور فيها التاريخ والجغرافيا والفقه , وتستعرض فيها القطعان لتتصارع الفئران والضفادع والحيات وحتى النعاج السياسية , فاذا وضعت الحرب اوزارها سارعوا بالرحيل الى اوطانهم في نجد وتهامه وعطارد والمريخ قبل تضميد الجراح وقبل جر الموتى الى القليب …مكتفية بذر بعض الحبوب المتقعرة لديكة المواسم تتقاتل عليها وتشغلها عما هو اكبر, ويدوم الهجر الى ان ياذن الله بموسم سياسي جديد..
اما كثيرمن امسؤولي الدولة فيسبح به الخيال الى عصور الظلام وجهل الرعية…يحلم بسياسة السلطان والصولجان والحراس الخصيان , وكسرى انوشروان , والجلاد مسرور..غير مدرك ان عهد : خذوا ابن الزانية الى السجن فقد ذكر الله قبل ان آذن له قد ولى , وان عصر هولاكو وحرابه وكلابه قد امحى حتى من ذاكرات المغفلين…… هؤلاء هم الدولة امام الشعب , فبهم يقتنع ان له وطنا يستحق الولاء او يدرك ان كلمة وطن مسمى للوهم…والظلم والغطرسة والتكبر والغلظة …و يصير عدوا يستحق العقاب…ترى طوابير البسطاء الكادحين المعيلين اسرهم بعرق الجبين يتدفق كحبات اللؤلؤ على جباههم , رؤوسهم شعث يكللها غبار اجمل من النضار لانه اثر معركة مقدسة للكسب الحلال , تلفح وجوهم الشمس فتكسبها الق سمرة داكنة تختزن معاني الشرف وشهامة البدوي النظيف , لكنهم يدفعون بالابواب لانهم من ذوي الاطمار , اما من يفترض انهم مسؤولون ففي مكاتبهم قابعون تحت عويل المكيفات يستنفدون طاقات الهواتف الرسمية , يخوضون في احاديث اللغو البعيدة من هموم المواطنين وتستهلكهم اعواد السجائر لايستقبلون الا من تبدو على وجوههم نضرة النعيم ويتبادلون المنافع كل حسب مااسترعي من مصالح الشعب لانهم لايدرون متى يعزلون على طريقة (ايها القاضي بقم قد عزلناك فقم) – مسكين السيد القاضي عزلته ضرورة السجع – , ولو كان بعض هؤلاء المسؤولين مسؤلا حقا – كل من موقعه – لانتهز فرصة عمله لترسيخ قيم المواطنة بتطبيق العدل والانصاف والمساواة والقرب من المواطنين , حتى يحبب الوطن الى الشعب فيقتنع المواطن البسيط بوجود الوطن وانه يستحق التضحية والاخلاص , وتختفي من ذاكرته القبلية المقيتة التي لم يقتنع بعد بالبديل عنها…. اما النخب الثقافية والعلمية الراكعة فهي آفة الوطن ومصدر الوجع الخلقي المستشري والخارج على السيطرة..اليست هي من يلوي اعناق القوانين والشرائع وحتى الاحاديث والآيات القرآنية لتبرير وتمرير قيم الفساد والانحراف ؟؟؟ الم تتنازل عن عظمة الشرف وكبرياء العدل وانتصاب القامة يوم لهثت وراء المال وقبلت ان تكون سدنة في معابد آلهة الثروة المسروقة؟؟؟امس كانوا قادة وكانوا ذادة وكانوا اهل الريادة واهل السيادة عندما كانوا فقراء يظنهم الجاهلون اغنياء من التعفف … كانوا يحملون ثروة لا تنقص وقوة لا تضعف : قيمة المعرفة , واخلاق الثقافة يتنفسون عبقها وشهامتها ,لايفكرون في السيارة الفارهة والقصر المشيد والقطعان السائبة بين الاودية , كانت اقصى امنيات اصحاب الاموال والسلطة ان تتزين مجالسهم بالنخب الثقافية ايام كانت هذه النخب ترفض لانها لاتحب الا كبرياء اليد النظيفة والضمير النقي وعظمة النفس القانعة…واليوم وقد تسلل الوهن الى نفوسها كفرت بالمبادئ وابتدعت ثقافة التزلف والتكسب والنفعية الجشعة…فتحولت الى اذناب وخطباء اعيياء للدعاية الرخيصة وتسويق الفكر النحيل….

الكاتب “ذاكو وينهو”

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.