آراءموضوعات رئيسية

يوم طويل في شهر ماكر!… يوليو

ها أنت تفتر عن ثغرك الـباسر. تُطل من أوجام صحرائك الجادبة، لتسامرنا بأوهام جَنَّاتِك اليانعة!
اسمع رأيي فيك واعذرني على الصراحة: أنت منافق! بل مُراءٍ كبير ومخادعٌ خطير. “تموز” أيها “اليوليو” الشامس: لا تَرِم حتى أكاشفك ببعض الحساب…
لطالما حدثتنا عن ثوراتك المجيدة وأيامك العظيمة في بلاد الغال وفي بلاد سام، وفي بلاد النيل وبين النهرين… وهنا، بين السهل والكدية، قلتَ إنك جئتَ أيضا…
ربما. لكنك لا تسير على نفس المطية، ولا تَحكُم بالعدل ولا تَقسم بالسوية! فإنك تصلح وتصون في ديار الغرب، وتجوس خلال ديارنا!
فيا تموز أو “يوليو العظيم” كيف تخدع الناس وتسرق أحلام المقهورين وتغش آمال الفقراء؛ كيف تخلط مفاهيم ثورات الشعوب فتفي وتنصح لبعضهم، بمفاهيم انقلابات الصعاليك فتخلف وتخون…؟!
لا تنكر، ولا تمار… فأنت خدعتهم، بل دليتهم بغرور… استمرأت غفلتهم واستطَبْت حماسهم فأوردتهم سراب موماة…؟!
ثم لما فرغت جئتنا يا “تموز العزيز”؛ فكنت لنا أشد غدرا، وبنا أكثر هزؤا…
*
وأنت يا ابن تموز وبضعة منه، يا أيها “العاشر” العاثر… بأي نظرة تطل علينا اليوم ولم تبق في وجهك مضغة إلا من البلاستيك المحظور، ولا عظْمة إلا من خشب منخور. لقد قالوا إنهم أضَلُّوك تحت الصفائح، وزعموا أنك صرت رميما؛ حتى لم يعد لجدثك زائر ولا “لمجدك” ذاكر… لأنك كنت أداة الجريمة وشاهد النحس الأصيل!
والحقيقة أنك لم تزل تعيش بأرواحك العشرة في غرورهم البدائي، وفي نياشينهم المجانية، ومكاتبهم المكيفة وسياراتهم الملمَّعة وقصورهم الممنَّعة؛ تُنعنع كؤوس شايهم وتحمل جِفان أطاجينهم… ثم تحولهم طواويس ملونة، لكنها كليلة الأفكار، دانية الهمم…
أيها “العاشر” لا تكابر؛ ما زلت هنا تخنق الفقراء، تَسفِي على حاراتِهم المُظلمة، وتأتي طرقهم تنقصها من أطرافها، تحفر فيها شراكا لاصطياد أرواحهم الرخيصة. تردم أزقتهم. تسخن مياه براميلهم. وتحثو التراب على أفرشتهم، وفي صحون غذائهم… ثم تغتالهم بدواء مغشوش!
هم لا يرونك؛ لأنك تتخفى، تتنكر في كل انقلاب بقناع جديد… وتعزف لحنا جديدا تتمايل عليه ذات الرؤوس المسحورة، وتصفق له نفس الأكف الممجولة… حتى لا يعرف أحد أن ألَمَ كَسْع الحياة الذي يدفعه إلى الشارع كل صباح هو جراء منسأتك. حتى أمن بيوتهم البسيطة وأخبيتهم المفتوحة لعِبَت به أذيال خيلائك الزائفة…
أنت دوما، في تقلباتك، صديق اللصوص الكبار؛ تخدم غاياتهم “الفاخرة”، وتسخر لهم صغار اللصوص لالتقاط “الحَب” وتحلِئَةِ الفقراء، وترويعهم…
أيها “العاشر” يا بائع مشروع دولتنا الوليدة في سوق القبيلة، وناقض غزلها الضئيل تحت شجرة اليأس المغَصِّنة… أنت تاجر مخدرات قبل كل شيء! لأنك تطوف بنا أودية الرداءة وأندية الهوان… نخالها جنات الفردوس عُجِّل لنا قطُّنا منها قبل يوم الحساب…
إنك لا تفتأ ترمينا بأدوائك التي تنهكنا لا نحسّ بها ولا نبلّ منها… توثقنا إلى جُدُر مدينتك التي يتمدد جسمها الأجرب بأورام “الكزرة” وقروح الغلول، لا بالخلايا والأنسجة الطبيعية…
أيها “العاشر”، يا عراب حظنا العاثر وسائسنا الماكر… لقد بالغت في تذليلنا مطيةً إلى حيث يعبر أبناؤك أنهار واقعهم الكاذب وماضيهم الخائب، لتعرج بهم على سُلّم فقرات ظهورنا الناتئة إلى علياء الانبهار وخزائنَ الأسرار…
مهلا أيها “العاشر يوليه” لقد ذللنا، سَهُلنا… ونسينا الجموح وجافينا الطموح… لم يعد “أبناؤك البررة” بحاجة إلى خطام ولا “لوصة” ولا حظيرة… نحن الحظيرة بله الوِجَار… وها نحن كالقطيع، لكن بلا علف ولا ماء ولا أمل كبير في الغيث… إلا أن يتداركنا لطف ربنا فتبصر قلوبُنا التي في الصدور!
فمتى تطمئن وتنسحب بسلام؟!
*
ألا تعرف أيها “العاشر يوليو” أنك بلغت الأربعين وهي مبلغ الأشُد… فلله ما أشدها! أربعون حولا، قَلَّبتنا فيها على رماد جَمرك، وسَلَكتَنا في دوامة التيه؛ نتقدم شبرا ونتأخر ذراعا، في سلسلة خيبات لا يُعرَف ذَرعُها…
لك أيها “العاشر”، المتخفي في ثنايا اللُّجُم التي نعلكها، أن تطمئن إلى أن جرعات العشائرية التي أسَعَطَّناها قد سرت في عروقنا؛ فاستقرت الأنانية في نفوسنا، وطغت نوازع الفردانية على عقولنا؛ وحذفنا صيغ الجمع من لغتنا… وصار التملق والنفاق عِلْمنا النافع، وعَملنا المَحمود! وتلك تربيتك المزدهرة على أشلاء طموحنا… لقد حفظنا ما علمتنا من علمك وعملنا به: علمتنا أن لا خلاص إلا بمجد القبيلة، وأن الدولة هي الخصم المتربص بنا، وأن خراجها إنما وضع للتغابن بين تسعة رهط… يُعذَّب المشفقون برؤية حرمان سائر الناس منه.
فمتى تطمئن، أيها التاريخ الصغير، على اكتمال اعتلال حياتنا العامة، وترحل… ولا تعودُ إلا ثالث القارظين…؟!

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.