آراء

مناقشة لمقال محمد إسحاق الكنتي : ” جدل القائد والنص ” / محمد أفو

تفضل سعادة الدكتور ” محمد إسحاق الكنتي ” بمقال ضمن سلسلة مقالات موسومة بعنوان ” حتى تنتهي المعركة ” .

طالب فيه بترك ” الضابط الوطني يفصل النصوص على مقاسه .. حتى تنتهي المعركة ” .
لو كنت ممن يعتقدون بأن عبارة الدكتور يمكن أن تخونه أو أن تفلت من يراعه تاركة فراغا للتحليل ، لما أعرت الموضوع كبير اهتمام .
وكنت اكتفيت باعتبار المنشور رأيا شخصيا يمر دون تعليق كما مرت دعوات الملكية والماموريات المفتوحة .. الخ .

لكن رصانة قلمه وخياراته اللغوية الواسعة ، لم تسمح لي باستنتاج كهذا .
كما أنني لست من مترصدي سقطات الكتاب ولا الساسة ولا متتبعي هفوات التعبير ” ولا مجافاة أرباب الجفا شغلي … ” كما يقول النابغة ” ول محمدي ” رحمه الله .

***

وردت في مقال سعادة المستشار ، أسماء وأحداث ونتائج ، تم توظيفها دون مراعاة لصلاحية الشاهد لموضوع وموضع الإستشهاد .

سأتناول الشخصيات موضع المقارنة وذلك لخلخلة مفهوم ” القائد ” الذي تناوله سعادة المستشار ، ووضعه ندا في وجه النص .
ثم بعد ذلك أعرج على حيثيات الأحداث وطبيعة ما حصل فعليا ، وذلك لخلخلة مبرارت المقارنة في الأصل .

ثم بعد ذلك أتناول قياسات موازية معتمدا قاعدة يعرفها سعادته جيدا ، وهي أن القياس يأتي متاخرا عن النص وملتزما به لا العكس ، وذلك لخلخلة البنية المعيارية التي سبك في حيثها المقال لأن المنطق يعتمد سلامة المقدمة كشرط لسلامة النتائج .

ونستون تشرشل ( رئيس وزراء بريطنايا إبان الحرب العالمية الثانية ، والداهية السياسي ) :
لكنه قبل ذلك ، مؤرخ وكاتب وفنان تشكيلي ، وحائز على جائزة نوبل في الآداب .

شارل ديجول :
سياسي وخبير استراتيجي عسكري ، وله عدة مؤلفات من بينها :

مؤلفاته
– حد السيف
– نحو جيش الاحتراف
– فرنسا وجيشها

أدار قيادة الحرب والنصر في أهم وأخطر حقبة من تاريخ فرنسا الحديث .

ويضيق المقام كثيرا عن حصر حيثيات تاريخ الرجلين الأكثر صلابة وحنكة ودهاء وعبقرية في تاريخ أوروبا الحديث .

لكنهما يشتركان في نهاية واحدة ، وهي الإسقاط من سدة الحكم بالضغط الشعبي ، الذي رفض مكافأتهما على ما قدماه من واجب من أجل وطنيهما .

كان على سعادة المستشار أن ينتهي حيث انتهى الفخران وأن لا يقطع التاريخ إلى أوصال دون مراعاة لذاكرة الأحداث وترابطها .

إذا كان كل من شارل ديجول و ونستون تشرشل ، يصلحان للإقتداء فحقيق بالمثقف أن يحتفظ بالمعيار كاملا وثابتا ، وبهذا سيكون علينا أن نقول لقائدنا ” المظفر ” ( جدلا ) ، شكر الله سعيك ، فالبريطانيون قالوا ذات الكلمة لأصلب قادتهم وأذكاهم ، في ذات الوقت الذي كانوا يسطرون اسمه كوطني خالد .

وفي العام 68 خرج الفرنسيون لذات الغاية ، وهم يقولون للجنرال المظفر في الحرب والسلم ، ” إرحل ” .

فعل البريطانيون والفرنسيون ذلك تخليدا لإنحيازهم للنص الذي لا تعلوه الهامات ولا تطاله مكانة القادة .

وكل هذا لا يمنع ولم يمنع الأمم من تغيير دساتيرها وفق ما تحتاجه ، لكن ذلك لم يكن لغاية تمديد الحكم للقادة وإنما رعاية للظروف أو تشذيبا للنواقص التي ظهرت إبان تلك الظروف .

هذا من حيث المقارنات الحيثية التعلقة بالقادة ( لأنه من الواضح أن هناك لبسا في مفهوم القيادة رمزيا ) .

أما من حيث الظروف المحيطة بالشاهدين ، فهي ظروف تاريخية عاصفة وكان على سعادة المستشار أن يتطرق إليها بدل اختزال نتائجها مبتورة إلى هذا الحد .

فكلا الوزيرين كان في أوج حرب طاحنة ( أشرس وأقذر الحروب في التاريخ وأكثرها فتكا .

محقت لعنة هتلر المدججة بالسلاح ، أوروبا الغربية وهي لا تلقي بالا ولا كبير اهتمام للبيادق المحصودة .
لأن الغاية كانت احتلال الجزر البريطانية مرورا بفرنسا .
وكانت الحرب برمتها مجرد تدريب عسكري ميداني يحضر لإسقاط غرب أوروبا ( فرنسا وبريطانيا تحديدا ) وشرقها (روسيا تحديدا ) .

لذلك كانت لندن ، عاصمة الحضارة العريقة تدير أعمالها في الخادق وتحت الأخبئة المحصنة في باطن الأرض .

وكان شارل ديقول يدير تحرير وطنه من مهجر تحت النار .

فكيف فات سعادة المستشار أن أمة كهذه لا يستساغ منها أن تتحدث عن الإنتخابات ونهايات المأموريات ، أحرى أن تقيمها فعليا .

ثم ماذا عن معرفتكم سعادة المستشار بقوانين الطوارئ التي تجعل من العمل الحربي ظرفا مسيرا وفق ” النص ” ؟ ، وبموجبه تتعطل قواني كثير ومنها قانون المأموريات وعددها ، ونهاية تلك المأموريات وتمديداتها .
وسأتساءل هنا وفق مقارنة الظروف بالظروف ..
هل طالب الموريتانيون قائدهم بالرحيل نكاية أو تشنيعا أو طردا ؟
وهل طالبوه بالرحيل وهم يضمدون جراحهم تحت وابل النيران ؟
أم أنهم فعلوا وسطوح شاهقاتهم تمحق وجه الأرض بفعل القنابل ؟

كل هذا لم يحدث ، ولو حدث لكان لمطلبك وجه شرعية ولكان لقياسك منهج ثابت .

الشعب الموريتاني لا يطالب قائده بالرحيل وإنما ينتظر إبرام عقد جديد مع قائد جديد وفق محكم الإتفاق بينهما ، وهذا مما لا دخل لأحد به ولم يكلف بمناقشته ولا تمثيل الملايين بالحديث عن عواره أو جدواه .

كان من الجيد أن تذهب إلى أبعد من هذا قليلا لتاتينا بنماذج الإنقلابات الكمالة الأركان على الدساتير ، لأن كل انقلاب عليها كان بذات الحجج ، ونصيبنا منها نصيب الأسد عالميا .

نحن ياسيدي لسنا بحاجة للتذكير بدوافع ولا حجج ولا مسوغات الإنقلاب على الدساتير ، لأننا بالأمس القريب سلمنا بها رحمة بهشاشتنا وانتظارنا لما يجود به الحظ العاثر من تنمية .

بإمكان قائدنا أن يعتلي ذات المنصة التي اعتلاها بالأمس حين قال ” أنا لو كنت راف على نغير الدستور مانستحى منها و فت عدلتها ”

باستطاعته أن يفعل ذلك مجددا ، لكن دعه يفعل دون تشويه لمنطق العلاقة بيننا وبين ما نريد أن نصل إليه من تطور في وعينا بمقدساتنا الجمهورية ، ودون قصف تجربتنا الوليدة مجانيق التبرير والتأويل التاريخي والقانوني .

ولو كنت محل قائدنا لرددت عليك رد العلامة البيضاوي الجكني رحمه الله ، حين صافح ممرضته وانبرى أحد طلابه للبحث عن تأصيل شرعي يبيح ذلك .
فرد ” من الأفضل أن تعتقد بأن البيضاوي بشر يذنب وأذنب في هذه ويتوب إلى الله منها ، من أن تضع في عنقك فتوى تبيح بها محظورا شرعيا إلى يوم الدين .

الدستور ليس قرآنا ، لكن الساسة أيضا ليسوا أنبياء

من صفحته على الفيسبوك

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى