آراء

حليب الصراصير! \ خالد الفاظل

منذ أيام قلائل ونتيجة (العزلة السياسية)، أصبحت صديقا ودودا لفئتين مزعجتين من سكان العاصمة، هما الصراصير والبعوض. كنتُ أقضي معظم نهاري رفقة الصراصير، نتسلى ونلعب ونرقص. وأحيانا أعثر على جماعة وازنة منهم انسحبت من المطبخ وعقدت مهرجانا حاشدا على آنية (لماعين)، وذلك بحضور وجهاء وأعيان قبيلتها المجيدة، ووسط تغطية مكثفة للغاية من القنوات الخاصة والمواقع الالكترونية في جمهورية الصراصير. وسمعتُ وجيها منهم على محياه ارتسمت خطوط التجاعيد يخاطبهم بكلمة مقتضبة قائلا ما فحواه:

– إنهم في مهرجان (رد الجميل)، وفي ظل ما تحقق من محاربة النظافة والقضاء على حاويات القمامة في أنحاء المنزل، ليعلنون دعمهم اللا مشروط لكل السياسات التنموية الرائدة لكبير الصراصير، والتي مافتئت حكومته تسهر على مراقبة تنفيذها، ويعتبرون إيقاف ذلك المسار حتى ولو كان دستوريا، جريمة نكراء بحق مجتمع الصراصير والأجيال القادمة.

بينما قال صرصور آخر في مقتبل العمر، يحمل شهادة عليا ويرتدي بذلة سوداء وربطة عنق ونظارات شمسية إن شباب قبيلتهم يعاني من البطالة والتهميش، وأنهم ملوا مضغ الوعود الرنانة واجترارها، وأنه مع فئة عريضة من شباب القبيلة أقاموا مبادرة تسمى (رد الاعتبار)، كما أنهم سيعلنون انضمامهم قريبا لأحد الأحزاب المناوئة للنظام بغية خوض غمار السياسة في جمهورية الصراصير وكسب بعض ثمارها. عندئذ استشاط شيوخ القبيلة غضبا وتسارعت نبضات قلوبهم هلعا وقفزوا جميعهم في آنية (التزياف)، بينما لاذ الشباب بالفرار وتفرقوا في فراغات قطعة الخبز اللينة. حدث كل ذلك، عندما أخبرهم المُخرج بأن فعاليات مهرجانهم على طاولة (لماعين) يتم بثها بشكل حي ومباشر على قناة الصراصير وأن الصرصور الكبير ربما يتابعها!

لقد علمتني الصراصير سرعة الاختباء عند الشعور بالخطر وسرعة الانتشار عند الشعور بالأمان، إن مجتمع الصراصير ضليع في مقاومة المبيدات الحشرية وخطر الانقراض. الصراصير ليس سيئة كما تخيلت دائما. لقد أقنعني صرصور لطيف وظريف عثرت عليه متخفيا داخل ثنايا قميصي أن المبادئ في جمهورية الصراصير لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنه لكي يكبر حجمك وتصبح عضلاتك مفتولة يجب أن تتواجد أكثر في تلك المناطق القذرة من المنزل وتبتعد عن الأماكن النظيفة. وأن تسلق سلالم الوظيفة يحتاج من الصرصور خوض السياسة التي تمكنه من بناء علاقات ضاربة في أعماق مجتمع الصراصير. كما أن الزواج في جمهورية الصراصير أصبح يحتاج للكثير من الأبهة، وأن أي صرصور لا يمتلك سيارة رباعية الدفع، سيجد صعوبة بالغة في إقناع إحدى (الصرصورات) بالنوم معه في إحدى حاويات القمامة المفروشة، لقد انتشر الانحراف والمجون في مجتمع الصراصير. كما أن نخبة الصراصير السائدة لم تعد تقيم وزنا لضمائرها والقيم الأخلاقية، إن معظم مثقفي الصراصير يقولون أمام الكاميرا أشياء تنافي جملة وتفصيلا مع ما يمارسونه في الخفاء.

بعدها، استدرجني الصرصور اللطيف إلى مكتبته الفخمة قرب صنبور حنفية المطبخ، حدثني عن تاريخ الصراصير وأمجادهم الغابرة وتراثهم وكيف استوطنوا المدن، وعبر لي عن سعادتهم الجمَّة بإقامتهم في مدينة رطبة وكثيرة القمامة مثل نواكشوط. قال لي بأنها من أجمل مدن العالم التي قطنوها في سالف الزمن. وكيف أن الصراصير داخل أوروبا تحاول جاهدة الهجرة السرية عبر الشاحنات والسفن المحشوة بالطعام للوصول إلى هنا، وذلك بغية التمتع برغد العيش التي نحظى به هنا، بالإضافة إلى مناخ الحريات والديمقراطية وجودة التعليم. كما أن إناث الصراصير داخل الولايات المتحدة الأمريكية أصبحن يحلمن بوضع بيضهن هنا حتى يفقس، حتى تنال الأجنة الخارجة منه جنسية البلاد، ويستفيدوا من الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي الذي توفره مدينة نواكشوط لكل الصراصير المضطهدة والحالمة بحياة أفضل.

دعاني الصرصور اللطيف للتصويت للائحته في الانتخابات القادمة، والتي تحمل شعار صرصور واقف وأنيق. سألته عن ملامح برنامجه السياسي؟ عندئذ، فكَّر ثم أطرق برأسه ونظر إلى السقف وقال لي:

– لقد بنيت خيمة كبيرة وألصقت صوري عليها، وملأتها بالأبواق التي ينبعث منها ليلا ونهارا نشيد حملتي الانتخابية، لكنني نسيتُ تماما أمر البرنامج الانتخابي!. لكنك عندما تنتخبني، فإنني أعدك بأن أملأ لك كأسا كبيرا بحليب الصراصير، فهناك دراسة علمية تقول بأن حليب الصراصير، يمكن أن يكون المادة الأكثر تغذية والأكثر احتواءً على السعرات الحرارية على وجه الأرض).

ذكرتني وعود هذا الصرصور بوعود بعض المترشحين للانتخابات المزمع ارتكابها فاتح أيلول (سبتمبر) المقبل. لكنني عندما أدخل وراء الستار وأبقى وحيداً مع الله وضميري سأعرف حتما أين سأضع الباء.

هنا نواكشوط، وأعتقد أننا أمام انتخابات مجنونة للغاية ومحفوفة بالمخاطر السياسية، كان الله في عون اللجنة المستقلة للانتخابات، وفي عون المصوتين، وفي عون الحكومة والمعارضة وما بينهما.

الساعة 13:03 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

نقلا عن صفحته على فيسبوك

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى