إنصافا للزعيم مسعود ولد بو الخير / الحسن مولاي علي

إعلان

      أرغمت المعارضة الديمقراطية، من تطلق عليه لقب ديناصور النظام النافذ في الشمال الموريتاني، وهو العمدة الحالي لعاصمة التعدين الموريتانية ازويرات، ومرشح الحزب الحاكم فيها للنيابيات، العقيد الشيخ ولد بايه، أرغمته على الذهاب إلى الشوط الثاني من الانتخابات، والمنتظر يوم السبت 15 سبتمبر.

تداعيات هذا الشوط الثاني أحدثت جلبة كبيرة، كان اللغط حول قرار الرئيس مسعود ولد بو الخير، منْحَ الدعم رسميا لمرشح السلطة فيه، هو الأعلى صوتا؛ سواء داخل حزبه، حيث يساند معظم جمهوره في ازويرات، مرشحي المعارضة؛ أو خارج الحزب، حيث تقدم المعرضة دعما قويا لحزب التحالف الشعبي التقدمي، في مواقع أخرى يخوض فيها شوطا ثانيا!.

 بعض أصوات الجلبة عادت بالذاكرة إلى أيام المجلس العسكري، حين اتهمت المعارضة الرئيس مسعود بفرملة التغيير ومنعه، بتصويته لمرشح العسكر، فيما تحدث البعض عن سوق لبيع وشراء المواقف، مفتوحة منذ العام 2007 واعتبر مسعود أبرز المستثمرين فيها؛ وفي المقابل انبرت أقلام وطنية، بينها ذات مكانة ومصداقية، للدفاع عن الرجل، وتبرير قراراته وخياراته، من منطلق ان السياسة هي فن الممكن والمتاح.

لا شأن لي بالجدل الدائر حول صحة أو خطأ قرارات التحالف الشعبي التقدمي، واختياراته، وما حصد من نتائج أو خيبات في الشوط الأول، وما ينتظره منهما في الشوط الثاني، وحالة المد والجزر في علاقته برفاقه؛ لكن في رقبتي، كمواطن عاصر معظم حلقات نضال الزعيم مسعود ولد بالخير، دينا حان وقت أدائه؛ فالرجل هو صاحب فضل السبق المطلق، في طرح قضية العبودية، وكان من الشجاعة والوعي والمضاء فيما آمن به، بحيث وقف وحيدا في وجه مجتمع استعبادي، بكل ما تحمله الكلمة من شحنة كريهة.

لقد ابلى هذا الرجل بلاء حسنا في معركته الطويلة والمظفرة ضد الاستعباد والظلم والتهميش، متسلقا كل المنابر الوطنية، مستهينا بما يلقاه من عنت وصدود، حتى فرض المسألة قضية راي عام؛ وحظي، وهو حامل لوائها بمستوى من القبول النسبي في مختلف الأوساط الوطنية، بل تم تعيينه واليا، ثم وزيرا، فلم تستعبده الوظائف السامية، أو تثنه عن مقارعة المستعبدين، ومواصلة العمل لتحرير الأرقاء وتحريضهم على الانتفاض في وجه مستعبديهم، وتمكينهم من حقوقهم كمواطنين كاملي الأهلية.

في الانتخابات التعددية المبكرة، نافس مسعود على منصب عمدة نواكشوط، لكن المجتمع التقليدي تحالف مع السلطة والقبائل ورجال الأعمال، فأقصوا الرجل بشق الأنفس؛ ثم ضم مسعود إلى النشاط الحقوقي النضال السياسي، والتزم فيه صف المعارضة الساعية للتغيير، فكان قياديا مؤسسا لأهم تشكيلاتها، وخاض مختلف معاركها، بمضاء وشجاعة وعزيمة لا تلين، وتعرض للسجون والمنافي القسرية، وطال حزبَه الحلُّ والحظرُ، لكن الرجل الصامد المستميت واصل مشواره النضالي حتى فرض نفسه بنهجه، رقما وطنيا لا يمكن تجاوزه. 

صحيح أن مياها كثيرة جرت تحت جسر الزمن، منذ بدء ذلك المشوار النضالي الطويل، فقد أنتج نضال الرجل ورفاقه، طيفا واسعا مما ازدحمت به الساحة من الأحزاب والمنظمات والجمعيات والنقابات والمواثيق والتيارات السياسية والاجتماعية، والتي اتخذت من العبودية وآثارها، وحقوق ضحاياها، برنامجا، عكفت خلال تطبيقه على تطوير الميراث النضالي لمسعود، من زوايا متعددة، فيما كان مسعود يكسب مزيدا من التقدير والاحترام، بل والإجلال في مختلف الدوائر؛ وقد تولى بجدارة رئاسة البرلمان الموريتاني وعدد من المجالس الوطنية الأخرى.

إلى ذلك تقدم العمر بالرجل، وفقد بعض الأعزة، واعتورته أدواء الكبر فضعفت قوته، وتغيرت وتبدلت مفردات الحياة من حوله، بضروراتها وحاجياتها، وزادت تكاليفها غلاء، وكبر الأطفال فصاروا رجالا ونساء، وداعب الشيخ أحفاد الصغار؛ والأهم من كل ذلك، أن الرجل حظي في النهاية بقبول طاغ، في وسطه الاجتماعي، قبول أعاد تأهيله في الأوساط الاجتماعية والمالية والقبلية؛ لا، بل أصبح “آبق” الأمس نفسه، زعيما وركنا ركينا في مجلس قيادة قبيلته، بحيث لا يقطع أمر دونه؛

إن مما تختص بعلمه وتقديره حق قدره، الأجيال التي عاصرت نضال الزعيم مسعود ولد بالخير، هو أن الرجل تلقى على امتداد مشواره النضالي الطويل من الصدود والشتائم والسباب والنعوت الكريهة والخبيثة والمقيته، فضلا عن الإقصاء والتهميش، ما لا قبل لأحد به؛ وما ظنكم بـ “آبق” في مجتمع عبودي فئوي تراتبي؟ لكن صبر الرجل وجلده وإيمانه بقضيته، مع ضغط التحولات الحادثة، جعلت منه زعيما وطنيا يحظى بالقبول والتبجيل من كل المجتمع الموريتاني اليوم؛

لذلك، فإن من الحق القول إن ظاهرة برام و”إيرا” قد جاءت في وقتها المناسب، بالنسبة للزعيم مسعود، بل لقد هبطت عليه بردا وثلجا، وسلاما وحماما؛ إذ قيض الله للنضال التحرري، في حياة مسعود، بطلا معاصرا يستلم الراية ويخطو بها قدما، بفكر وحركية تناسب الزمن والحال، بطل سوف يتلقى هو ورفاقه من مجتمعهم ومعاصريهم نفس ما تلقاه مسعود ورفاقه من معاصريهم، من أذى وتحقير وإقصاء وتخوين؛ قبل أن يستحيل بطلا منقذا مبجلا في كل الأوساط. ولكل زمان فرسانه وابطاله، واذاه ومظالمه، وقبوله ورضاه!!

وبعد….. أفلا يستحق الزعيم مسعود ولد بالخير، في شيخوخته، برَّ الوطن وابنائِه؟ وتقاعدا مريحا، وعيشا هنيئا، بلا شوشرة أو ضوضاء؟

بلى والله.. يستحق!

 

 

 

إعلانات
شارك