آراءموضوعات رئيسية

تأويل خاص جدًّا لنص موسيقي/ الدهماء.

والدتي – حفظها الله – مزيج ثقافات وأعراق ضائعة، “حرطانية” فاتحة اللون باتجاه البياض، فوالدها “حرطاني أبيظ”، .. تُتْقن الأمازيغية،.. ترعرعتْ في “إنْدَرْ” فتَزنَّجَتْ بعمق ،.. منحها تلاقح الأعراق بعض الجمال اللاَّفت، امتزج بقوة شخصية وكبرياء،.. أفردتْ لها رياح الصُّدف جناحيها ونقلتها لمجتمع آخر، مجتمع من أهل الشمال الخُلَّص، لا تماسَّ لأغلبهم مع أصولها،.. ظلَّت الوالدة مُصاحبة لثقافتها لم تَقْتل علاقتها بها، كانت تسير معها كسمائها ،.. ورغم كونها سايرت مجتمع الزَّوج مع بعض التكيف، إلا أنَّ المسايرة ظلت هامشا على متن ثقافتها الأصلية، ..

أبقت الحرطانيه أو “الخادم” – كما تَسْتْظِرفُ أن تتسمَّى- كل رموز ثقافتنا مستيقظة على امتداد يومها.. فهي تحمل في الأصل تناقضًا لُغويًّا صارخًا مع البيئة الجديدة .. كانت تهرب كل مساء إلى عُمقها، تمارس لذَّة الانحياز لطقوسها التي تفصلها عن عالمنا، تلبس الدراعة ان شاءت، تدخِّن غليونها المعقوف مُسترخية على مقعدها الخشبي، وتتدثَّر بلحاف من الدخان، في طقس يستعير بعض الاستفزاز المُبطَّن لمحيط ٍلا تدخن فيه النساء، تقْضم بتمتُّع قِطعاً من الكولا البيضاء والبنية مساءً لتعديل المزاج، وتحرق بخورها زنجيّ العبق.. ، ومع كل هذا، لم تكن السَّيدة القوية بحاجة لأحاسيس متطرفة أو متناقضة اتجاه “البيظان” لتقتنع بكينونتها.

أفتش في جعبة الزَّمن لأستعيد بعض المرح البريء معها..

ذات مرة نادت عليَّ، لكنِّي كنتُ أسْعَدُ بسخاء غنائيٍّ من الإذاعة الوطنية، في الوقت الضائع بين نشرتين، ثم نادتْ ثانية،.. كنتُ مُتَسَلْطنة مع فيروز وهيَّ تتسكع بهدوء في وجداني، وتهْمسُ ” حَبَّيتك بالصَّيف، حبيتك بالشِّتي…”.. فجأة وجدتُ الوالدة أمامي ترمقني شزرا، ثم صرختْ: طبيعي أن لا تُجيبيني ، أنتِ مُنشغلة ب “حَبَّيْتك بالسِّيفْ وحَبِّيتَكْ في اشْدكَ” .. (الحَبْ بمعنى القُبلة)،… أَوَّلتْ المُتزنِّجَة النَّصَّ الرَّحباني لشيء آخر تمامًا، وذِهْنها يدفعها أمامَهُ لمنطقة المحظور،.. ثم واصلتْ: ما هذه الوقاحة؟ هذا غير مناسب لسنّك أولاً،.. ثانيا ” الحَبْ ألاَّ الحَبْ، يَسْوَ بالسَّيْفْ ويَسْوَ حَتَّ، لُوخَرْ ألاَّ نَسخْكُم انتومَ البيظان”،… “مُيّينْ! خَلَبِي دَفَ دِكًرْ بُوتْ”، بمعنى: “غريب! .. الطفلة عينها قوية” ، ترجموها للحسانية، تحصلون على معناها “الفصيح”!

كنتُ أردِّدُ وراءها كالببغاء لغة خاصة، بَطَش فيها “اتْبزكَي” ولم أكن أعي بحكم العمر مدلولاتها .. مثلا، هي تقول:”اغلبني كرفًا” بدل “كرهًا” ، “مُشافَّةُ العين” بدل “مشاهدة العين”، الكأس تقول له “وِيْر” و أصلها verre ، المسك “آس اكلين” وأصلها Eau de Cologne… مع الأيام كان عليَّ لِزامًا أن تتقوَّى غنائمي اللغوية من محيط الأب ، فأتلفتُ عمدا كل نشازٍ من الكلام لا يستسيغه التغريد داخل السرب..

لقد عاضدتنا “الحرطانية” دون عقد في تنقية لغتنا من كل شائبة لفظية لا تليق في بيئتنا وان اختلفت عنها.. مثلا أن نقول ” استكفيتُ” بدلا من “شبعتُ” التي تستخدمها هي بأريحية!…إلخ.

نتبادل في بيتنا السُّخرية من مدلولات خلفياتنا المتوارثة المنافرة كأعراق مختلفة ،.. تجتمع والدتي “الخادم المُتزنِّجة” مع صديقاتها من أُسَرِ مُجتمع لكصر الأول، والتي أقامت ردحًا من الزمن في السَّنغال، يُسْقِطْن الأقنعة العرقية التي رَّتبتْها الإقامة في الوطن على وجوههن، يتسامرن ويُغنين معًا أُهزوجة الأعراس الزّنجية التليدة، تمامًا كما كُنَّ يفعلن في “انْدر”،.. “بُو آمِي جَبَرْ لُوكَايْ مَايْ”،.. “لو أُعْطيتَ عروسًا ماذا تُعطيها”، وعندها تستبيح الشِّلة في نوبات من الضحك كامل مدلولات “قوة العين” بالولفية! … وحين يُردنَ تقمُّص بعض “اتبيظين” للاستهلاك، يتمايلن على كلاسيكيات سيداتي، أو يَتَصاعَدْنَ مع “اعْبَارْ” لم تُضْعِفْهُ طواحين العُمر لتكيبر بنت اعمر امبارك، .. فكُنَّ “لَعْمَ إلْ حَلْ عَيْنُو اعْلَ السِّتِّينَاتْ”

لم تُعِرْ والدتي كثيرَ اهتمامٍ لعدم تورّطنا الصَّادح في ثقافتها.. بل حمتنا بوعْيٍ من الذَّوبان فيها، لكن في المقابل لم تنبهر بثقافتنا التي تزيدها التفاصيل تعقيدا،.. تعايشنا في منتهى الانسجام، واحترام الخصوصيات، لم تكن مستعدة لتخسر شيئا مقابل مقامٍ اجتماعي أفسح لها مَمَرًّا على جسر ثقافة مغايرة، حتى وإن منحها المَقام الوجاهة والرفاهية، ومنحها في طرافة فرصة العمر لشتمنا، شتم البيظان من “مُلكيتها” الخاصة، فكثيرا ما نشاكسها في محكمة العدل الأسرية، بأنها تُسقط علينا ظلما عُقد قضية عادلة!.. وأنها أصبحت لها ترسانة قانونية تحميها منا، لكن القانون أغفل حقنا في الحماية من عنصريَّتِها اللفظية!
تحية لوالدتي، الحرطانية التي تعايشت في عقليَّتها كل الأعراق بسلام .. تحية لسيدة علَّمتني كل شيء إلاَّ …أن أستغني عنها.
……………..
سُحقا لمن عاثوا مساء أمس في شوارع نواكشوط، يُنازلون بلؤم سافل بارقة أمل، جمعت الأبيض والأسود على قلبِ فرحةٍ مُستديرة تتوشَّح بألوان الوطن.. لا تهمني الكرة كثيرا، فقِمَّة المَرامِ ما حصل .. لكن يهمني المشهد الجميل الذي جمع شتات ألواننا وأعراقنا في الملعب… سحقا وتعسا للْحَيَّات الناعمة التي تحفِّزُ في الخفاء على الكراهية والعنصرية المُمنهجة على هوية اللون والعرق.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.