دريفس رمضان؛ زولا والشنقيطي…/ محمد إسحاق الكنتي

<< إن واجبي أن أتكلم. لا يمكن أن أكون متواطئا. ستكون ليالي مسكونة بشبح البريء الذي يكفر هناك، في أبشع العذابات، عن جريمة لم يرتكبها.>>(Zola ;J’accuse ! )
<< وغاية هذا المقال هي تقديم قصة هذا الصعود والسقوط، بأكبر قدر ممكن من الوضوح، دون مجاز ولا مواربة.>>(الشنقيطي: طارق رمضان؛ كان صرحا من خيال فهوى).
موقفان متباينان من قضيتين عرضتا أمام القضاء الفرنسي؛ الأولى قضية الضابط الفرنسي اليهودي، والمقال الشهير الذي نشره الروائي إيميل زولا دفاعا عن دريفس إثر صدور الحكم بإدانته. الثانية قضية المسلم السويسري ذي الأصول المصرية، ومقال التشهير الذي نشره الشنقيطي بعد حصول المتهم على حرية مؤقتة!!! لم يكن بين دريفس وزولا أي روابط دينية أو سياسية أو مصلحية… لكن زولا؛ الروائي الشهير اختار الدفاع عن الضابط المغمور معرضا نفسه للمساءلة القضائية… بينما يرتبط طارق والشنقيطي بروابط الدين والقومية، والتنظيم السياسي، والراعي المشترك الذي ينفق عليهما كما ينفق على فريق باريس سينجرمان لكرة القدم… ورغم كل ذلك قبل دور الادعاء ضده!
يقدم المقالان، مع الاحتفاظ بالفروق، موقف المثقف العضوي من قضايا الرأي العام التي يفصح فيها عن موقفه الذي يمليه عليه ضميره، مدافعا عما يعده العدل، غير هياب للعواقب.. والمثقف الموظف الذي يتقمص دور المدعي العام ضد زميل لا تزال قضيته معروضة أمام المحاكم! فالشنقيطي يبدأ الهجوم ضد خصم أعزل، إلا من حرية مؤقتة، منذ عنوان المقال الفضيحة…”طارق رمضان كان صرحا من خيال فهوى”. والأغرب من الهجوم الشرس تبريره..<< ولولا المسؤولية الشرعية والأخلاقية المتعينة على العارفين بطارق رمضان وقضيته عن كثب، وواجب النصح لأئمة المسلمين وعامتهم،… لوسعني السكوت على هذا الأمر…>>
شنشنة أعرفها من الإخوان.. كلما حركت أحدهم مصلحة، أو أمر لا يسعه إلا تنفيذه، أو شهوة متسلطة جمح إلى الدين يتأوله؛ تعمية وتضليلا. فأي مسؤولية؛ شرعية أو أخلاقية توجب على “أستاذ الأخلاق والسياسة وتاريخ الأديان” إدانة رجل مسلم لم يبت القضاء الفرنسي بعد في التهمة الموجهة إليه!!! فلنتذكر الوقائع.. يتابع طارق رمضان في شكاوى بالاغتصاب رفعتها ضده مجموعة من النساء أمام القضاء الفرنسي. والأخلاق، بله الدين، يفرض على كل إنسان، وعلى كل مسلم من باب أولى، انتظار صدور الحكم القضائي للصدع بإدانة المتهم. لكن الشنقيطي لا يخجل من لعب دور الادعاء ضد زميله؛ << فقد توالت الأدلة الدامغة على تورط طارق في موبقات تدينه إدانة أخلاقية حاسمة.>> لم يكن الادعاء ليجد أفضل من هذا. لكن الشنقيطي يتحدث عن التعين الشرعي، والنصح للمسلمين! فالتهمة الشرعية التي يمكن أن توجه لطارق هي تهمة “الزنى” وهذه لا تثبت بما سماه الشنقيطي “الأدلة الدامغة”؛ فلا بد من أربع شهادات متطابقة، أو اعتراف متكرر أربع مرات أمام محكمة شرعية…ولم يعرض طارق على المحكمة الشرعية، ولم تقم عليه أي من البينتين. وأي نصح لأئمة المسلمين وعامتهم في اتهام محصن بالزنى دون أدنى دليل! وقد كان صلى الله عليه وسلم عاتب هزالا الذي بلغ عن ماعز بقوله، بأبي هو وأمي، << و الله يا هزال ! لو كنت سترته بثوبك ؛ كان خيراً مما صنعت.>>
فلنعد إلى زولا مدافعا عن دريفس..<< لا يمكننا تصور التجارب التي أخضع لها البائس دريفس، الفخاخ التي أراد إيقاعه فيها، التحقيقات المجنونة، التخيلات الوحشية،… هذه القضية كابوس لمن يعرف تفاصيلها الحقيقية.>> لكن الشنقيطي يرى قضية رفيقه في التنظيم، وزميله في التخصص، ومنافسه في القرب من الراعي المشترك، بعين المدعي العام المثبتة على المقصلة..<< وما أقصده هنا هو المعطيات الصلبة الصادرة عن اعترافات طارق رمضان، أو الموثقة بالأدلة المادية التي لا يمكن دحضها، ولست أقصد ما وراء ذلك مما شاع وذاع في وسائل الإعلام الفرنسية…>> يسخر زولا، في دفاعه عن دريفس، من “معطيات الشنقيطي الصلبة”…<< يعرف دريفس لغات عديدة، جريمة؛ لم يعثر عنده على أي أوراق تورطه، جريمة؛ يذهب أحيانا إلى بلده الأصلي، جريمة؛ إنه نشط، يتطلع إلى معرفة كل شيء، جريمة؛ لا يضطرب، جريمة؛ مضطرب، جريمة.>>
مثلما يحرص زولا على تبرئة دريفس، يستميت الشنقيطي في إثبات التهمة على طارق…<< مشكلته ليست استدراجا في ظروف استغفال بل هي مسار ثابت عن سابق عمد وإصرار.>> لم يكن الادعاء ليذهب أبعد من هذا؛ فليس لطارق، حسب الشنقيطي، طروف مخففة، وجريمته كاملة، عن سبق إصرار وتصور. رغم ذلك يعترف الشنقيطي أن ملف القضية فارغ بالنسبة للقضاء الفرنسي فيلجأ إلى الادانة الدينية..<< ولا بد من التأكيد هنا أن ليس في أي من هذه المعطيات دليل قانوني يدعم تهم الاغتصاب الموجهة إلى طارق رمضان في المحاكم، لكنها تثبت على طارق- من منظور الأخلاق الإسلامية وأحكام الشريعة الإسلامية – علاقات غير شرعية، وإدمانا على الموبقات، واستهتارا بالدين، ومخادعة للمسلمين.>> ثم يتحسر، في هذه الحالة فقط (نتذكر جميعا دفاعه المستميت عن المسيء)..<< وكم من موبقة بمنظور الشرع الإسلامي لا يجرمها القانون في الدول الثلاث التي رفعت فيها تهم اغتصاب ضد طارق (فرنسا وسويسرا وأمريكا).>>
لا قيمة شرعية لكل ما يكيله الشنقيطي لطارق رمضان من تهم، وقد صرح، في هذا المقال، بخصومته مع طارق رمضان..<< متجاهلا الخلاف بيني وبينه الذي دفعني لترك العمل معه قبل سجنه بشهور،…>>؛ فشهادته فيه مردودة. زد على ذلك أن الحديث عن حكم الشرع على طارق مغالطة من مغالطات الإخوان التي لا ينفكون عنها. فلم يعرض الرجل على محكمة شرعية، و”الأدلة” التي يوردها الشنقيطي، يعلم الشنقيطي أنها لا يمكن الاعتماد عليها لتوجيه التهمة الشرعية إليه، أحرى إدانته.. يقول الشنقيطي..<< إقرار محامي طارق… خلال الشهور المنصرمة… بأن طارق يعترف… بوجود علاقة خارج الزواج مع عدد من النسوة… ولم ينكر طارق رمضان أيا من الاعترافات التي صرح بها محاميه… كما لم يطعن طارق في المقتطفات المنشورة من محاضر اعترافاته في الصحف الفرنسية.>> فأي محكمة شرعية ستلتفت إلى هذه “الأدلة”! فلحري بها جلد الشنقيطي ثمانين سوطا وإسقاط حقوقه المدنية.
فلنعد إلى الدفاع لنلاحظ التشابه بين حال دريفس ومحنة طارق.. يقول زولا مدافعا…<< هذه، سيادة الرئيس، هي الوقائع التي توضح كيف أمكن ارتكاب خطأ قانوني؛ والأدلة الأخلاقية، وضع دريفس الحرج، غياب الدوافع، صدعه المستمر ببراءته، يظهر أنه ضحية لخيالات الرائد (باتي دوكلام) الخارقة، وللوسط الكنسي الذي يوجد فيه، ولمطاردة “اليهود القذرين” التي تمثل عار حقبتنا.>>
لكن الادعاء يفكك حجج الدفاع واحدة تلو الأخرى.. يقول الشنقيطي..<< لكن ذلك الصرح تهاوى اليوم أمام سمعنا وبصرنا، بفعل طارق رمضان نفسه لا بفعل غيره. والمؤسف أن طارقا لا يزال يمثل دور الضحية، ويستثير في المسلمين عاطفة التناصر والتعاضد، ويصور الأمر كله على أنه مجرد مؤامرة وحرب على دين الإسلام، وكان الأولى به الصدق…، والكف عن استغفال المسلمين واستغلالهم في معركة خاسرة، أشعلتها نار الشهوات في نفسه، وليس للإسلام فيها ناقة ولا جمل.>> يحاول الدفاع، وفقا لخطته، توريط المعادين للسامية في قضية دريفس، بينما يجتهد الادعاء الشنقيطي في تبرئة المعادين للإسلام من << ذوي التحيزات السياسية والدينية ضد الإسلام والمسلمين.>> في قضية طارق رمضان!!!
ينهي الدفاع مرافعته الصادقة البليغة بهذه الجمل المؤثرة…<< إنني لا أجهل، وأنا أوجه هذه الاتهامات، أنني أضع نفسي تحت طائلة المواد 31،30 من قانون الصحافة الصادر في 29 يوليو 1881، الذي يعاقب وقائع التشهير. وأعرض نفسي للعقوبة بكامل إرادتي… وما أقوم به هنا ليس سوى أداة ثورية لتعجيل انبلاج الحقيقة والعدل. إن ما يحركني هو شغف بالنور، باسم الإنسانية التي عانت كثيرا وتستحق السعادة. واحتجاجي المتقد ليس سوى صرخة من روحي. فلتتجرؤوا على جلبي أمام محكمة الجنايات، وليجر التحقيق في وضح النهار! إنني أنتظر.>> فما الذي حرك الادعاء في اتهاماته الشنيعة ضد بريء لما تثبت إدانته!!!
كان طارق رمضان إحدى صنائع قطر الإخوانية؛ مولت له كرسي الدراسات الإسلامية في الجامعة البريطانية، لكن خصومته الطويلة مع النخبة الصهيونية الفرنسية أودت به. غير أن إدانته أمام القضاء تظل أمرا مشكوكا فيه، ويحتاج اللوبي الصهيوني الفرنسي صديق قطر إلى تشويه سمعته عند المسلمين، فاستخدمت قطر الشنقيطي لإتمام المهمة، كما استخدمته في مهام أخرى. فنشر المقال في منتديات الجزيرة دليل على مباركة السلطات القطرية لما جاء فيه. ولعل الاجهاز على طارق رمضان، بعد التخلص من القرضاوي يندرج ضمن خطة قطرية للتخلص من إخوان مصر لصالح إخوان المغرب العربي الأسهل قيادا والأقرب إلى العلمانية…
كان زولا ينتظر؛ محاكمته، أو تبرئة دريفس، وينتظر الشنقيطي جائزته وإدانة طارق رمضان… إنها أخلاق الإخوان؛ الضرب في الميت والإجهاز على المحتضر…

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.