الخطاب الشرائحي .. صراحة تتجاوز الوقاحة/ بقلم الكاتبة “الدهماء”

من غير الممتع محاولة الكتابة بشهية مسدودة عن التجاذبات العرقية في وطنك.

من المآخذ التي لا تُحصى على النّظام التَّعدُّدي تَقبُّله بيُسْرٍ للانتهازية السِّياسية خطابًا وممارسةً باسم حرية التعبير والتَّصرف.. ومن السَّيئ أن نتفرَّج على بقايا أملٍ ديمقراطي وهو يترنح على حافة العاطفة الذاتية، والنَّزعة الفئوية الضيقة.

 لقد ساهم ضعف المعارضة التقليدية في ظهور أخرى راديكالية ثيوقراطية، مالت لاحقا للشعبوية الفجَّة، ثم ها هيَّ تتشظى لكيانات فئوية مُتطرفة الخطاب، تزداد غربة عنَّا وعن نفسها، وتمارس التَّفلق والاندماج على أساس اللون والعرق والمهنة.. وتبقى المظلة الحزبية مجرد غطاء قانوني للصعود…

 طبعًا ما من متطرف أعزل من مُسوِّغات وجوده النضالي المقدس.. الغبن التاريخي، الظّلم المُمَنْهج، الإقصاء، الازدراء الاقطاعي…إلخ

علاقة التَّضاد الاجتماعي بين المُكوّنات ليست بالغريبة علينا تاريخيا، ولا حتى الاحتكاك العرقي ، لكن الاختلالات كانت تُحتوى بالضَّبط الاجتماعي  وبتغليب صوت العقل.. ثم تسير القافلة متجاهلة نباح النّعرات.

تَحوَّل البرلمان في طبعاته الأخيرة لساحة فِداءٍ شرائحِي، في شِدَّة زَهْوٍ بالذَّات العَصبيّة، وشدَّة توغُّل في الذَّات العرقية .. تُسْتحضر فيه أكثر من صورة “مُنْتَخَبة” وأحيانا مُتوهَّمة من الذاكرة الجمعية  لتحديد موقف سلبي من “الآخر” في ظل نعمة التغطية الإعلامية المدفوعة من الخزينة العامة.

إذا سمَّينا الأشياء بمُسَمَّياتِها المسكوت عنها، يأخذ هذا “الآخر” أكثر من اسْمٍ ومن صفة تتراوح بين : “البيظان”، “الثقافة المركزية المهيمنة للبيظان”، “دولة البيظان”، “النزعة الاستعلائية للبيظان”… “الآخر” مُعادلة، بأكثر من مُتغير جذرها الثابت “البيظان”،..

كل طموح للزعامة الشرائحية يتطلب الاستهلال بفاتحة النضال المُقدَّسة، قذع “البيظان” في خطاب شعبوي تطغى عليه العنصرية اللفظية،..

لا يُراد من “البيظان” اليوم تعطيل مُهْدرات الصَّبْر بالصَّبر على سبِّهم المَشْروع فحسبْ، بل يُطالَبون علنًا بِسبِّ انفسهم للتَّحلل من ذنب التَّاريخ، وليَظهروا بمظهر المُنْصف لغيرهم من سوء أعمال أسلافهم، وذلك كلما تكدَّرت خواطر الظروف السّياسية… وحين ينتَقِد مُتجاسِرٌ منهم الخطاب الفئوي العنصري، يُنعت به فورًا،.. يتنامى بيننا – مع الأسف – تعهُّدٌ لنغمةِ تجريمٍ هولوكوستية لأيِّ موصوف بمعاداة الشَّرائحية!.. هو منطق أعرج شيئا ما.

لا نختلف  – باختلاف ألواننا – على وجود مظالم تحتاج لمراجعة وتقييم اجتماعي ومؤسَّسِي، ناضلَ في سبيلها رجال أمناء أوفياء، و إن كان بعضهم تولَّى كبر الاستهلال بالقذع،  وأولها العبودية ورواسبها، من فقْرٍ وجهل وضَيَاعٍ لأجيال من الأطفال والشباب بلا تعليم، ولا عمل، ولا حتى هوية أحيانا، .. هؤلاء حاجتهم أكبر في التقريب بين وَهْمِ الشِّعارات الدعائية وبين الممكن في الواقع، و في حملهم للمستقبل بدل سجنهم في الماضي.

لكن الخوف اليوم على أن تخسر هذه المظالم سِلْمية، المتعاطفين معها باستعدائهم وتنفيرهم بالشحن المُؤْذي، وحينها سيربح الصُّقور رهان التَّطرف المُضاد، بعد أن وصلتهم الرسالة من الشَّرائحيين بأنهم لا يَهْتمون بالمنحازين في قناعة لقضيتهم من غير لونهم أو عرقهم…

هناك حماس مُسْرف، شديد الصَّخب، من قبل بعض الصّداميين يُسوِّق لإعادة هندسة المجتمع، وإعادة تشكيله من خلال تقويض البنية القاعدية لمجتمع “البيظان”،  كحَلٍّ لإعادة ترتيب المجتمع الموريتاني على أسس أكثر “عدلا” وأقل هيمنة لثقافة “البيظان” المركزية. إنْ بعصى المُغالبة الديمغرافية، أو بالدَّفع لإبقاء محاكمة التاريخ مشرعة الأبواب دوْمًا،  أو بافتراس منظومة القيَّم والتزهيد فيها… لِمَ هذا الاستخلاب؟… هذا الشعب المتشابك الأعراق والثقافة، سيكون بخير لو خمدت أصوات الفتنة من كل لون.

هذا المجتمع غير اقصائيٍّ بالدرجة التي صوَّرته بها النائب “سعداني بنت خيطور” أو النائب “آنسة با”،.. هل من الوارد في حق الأولى، أن أقول بأني لا أجد نفسي في سفارتنا في أبيدجان لأن السفيرة هي “بنت اصوينع” مثلا، تصوروا ماذا ستكون ردة فعل الشرائحيين حينها؟.. لو كان المجتمع عنصريا لهذا الحد،  لمَكَّن السيد داود ولد احمد عيشه من تجاوز عتبة البرلمان، ليوازن الرُّعب في التَّطرف،.. لكنه لم يفعل!، لفظتْهُ أصوات شريحته وأبعدته، و هي الصَّامت الأكبر في هذا الصَّراخ الشرائحي،.. مكابرة؟، ترفُّعًا؟، نفاقا؟،…

 لو كان المجتمع عنصريا،  لتساءل من أين جاءت سمراء بُلَّهْ فُوتَا، الجميلة “آنسة با”، ابنة المهاجر الغيني الذي أوْدعها وهي نطفة في رحم أمها الغينية الأصل، ورَحَل،.. أوْدَعَها لهذا الوطن الدَّافئ، الذي منحها الأمن والأمان، وحق المُواطنة وعلَّمها، وانبتها نباتا حسنا في حضن صفوته الاجتماعية، ثم انتخبها برلمانية، لتمارِس الانحياز الصَّارخ لخطابٍ عرقيٍّ ، تراه ربما الأقرب لها لونا أوأصلاً بعيدا، رغم بُعدها عن تاريخ بكامل من التعايش والمدِّ والجذب، عابثة بلحمة أمَّة، وفي “احتقار للذهن الموريتاني”،.. كم أنتَ جميل وصبور يا وطني… لا يستحق هذا الوطن على “آنسة” ذَرَّ الملح على جراحه في ذكرى ميلاده،.. مُطالبة بحماية بعض مواطنين من وطنهم!.. ثم تذكَّري سيّدتي  النائب عن “تواصل” الاسلامي أنَّ العربية ليست لغة تواصل في البرلمان، هي أيضا لغة دين..

 إن الدَّوافع الضَّيقة التي حرَّكت النائبين “خيطور” و”با” لم تكن مع الأسف مثالية .. تخيَّرتا طريق الصِّدام الفئوي في باكورة ظهورهما النِّيابي. أهيَّ صُدفة أمْ هي رؤية حزبية مُنسَّقة؟، هذا المشهد الانفعالي “النِّضالي” مُثِّلَ أمامنا مرَّاتٍ.. لم يَعُدْ مُشوِّقًا ولا مثيرا… ماذا لو افرغتا هذه الطاقة التمثيلية المُتحفِّزة في التعليم والتثقيف المدني للمجتمع مثلاً؟…

لن يكون هذا الظّهور المُختل نهاية مطافِ التَّلون، واستغفال الوطن واعوجاج السَّاسة، لكن سنُبقي الأمل في قيام دولة المُواطنة الرَّاشدة، المتصالحة مع ذاتها،.. سنبقي الأمل في التَّعقل اتجاه خطاب الكراهيَّة الاستفزازي، هذه العدائية المُسْتنفرة أصبحت جزء من المشكلة ولا تعين على أيّ حل… الأمثل أن نتراضَى على مواطنة تعايرُ بمعيار العدل للجميع.. تعترف بالجميع .. يجد فيها الجميع نفسه ، وسأكرر أنَّ العنصرية تبقى عنصرية، سواء بدرت من أبيض أو من أسود…

لطفا قادة الرَّأي السياسي، لا تبرروا،  العنصري لا يصلح هاديًّا للنَّاس.   

حفظ الله موريتانيا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.